سلايدر

عيد الكتاب بمدينة تطوان الساحرة (2-٢)

وحديث ثرّ عن الروائيَّة والقاصَّة ... أمامة قزيز

د. محمد بدوي مصطفى

ذكرت الانساق التي تحكم في البناء النصي لرواية أومادير، هل يمكن أن تُفصّلي أكثر؟

في البداية دعني أعرف باختصار شديد، مفهوم النسق، كما أجمعت عليه الدراسات النقدية الحديثة؛ من حيث كونه مجموعة من الأسس التي تنبني عليها بنيات ظواهر النص الأدبي، وما تحدثه، هذه الظواهر أو القضايا، من تفاعل لدى المتلقي، الذي هو من يدرك الوجود التاريخي الذي ينطوي عليه النص، ولعل هذه الرؤية هي ما تحققت عندي وأنا أقرأ هذه الرواية، فكان ما استطعت لملمته من أنساق في بنياتها التكوينية، والتي تفاعلتُ معها كمتلقية، وهي كالتالي:

النسق التاريخي

يقوم النسق التاريخي في الرواية على متخيل، تقوده معرفة بخصوصيات فترة زمنية قديمة، تزامن فيها وجود شعبين هما الرومان والأمازيغ، إذ تجري الأحداث المتخيلة في فضاء زمني/تاريخي؛ له خصوصياته الإنسانية، والجغرافية، والتزمت الكاتبة بشروط الخوض فيه، من خلال ما منحته من جهد في البحث والقراءة، ومن استحضار لروح عصره، الحاضنة لمتخيلها السردي. وبهذا الصدد نقرأ في هذا النص المأخوذ من الرواية، والذي بثت فيه الكاتبة دفقة حياة مستلهمة من الزمن التاريخي للرواية، من خلال بلاغة تشبيه؛ يتناسب فيها المقال بمقام التواجد الحي في مجرى أحداث الرواية ما يلي :» حاذرتْ في تسلق الجدار، متشبثة ببعض الأحجار الناتئة .. بلغت النافذة الوحيدة والواحدة في الزنزانة، والتي تطل على الفضاء الخارجي. كان قياسها لا يفوق فم قدر فخاري يستعمل في تخزين التين..»،

  توظف المؤلفة في هذا النص وحدة قياس ابتدعها متخيلها، من أجل أن تعطي الوجود الحي لبطلتها، في عصر شهد فيه التاريخ علاقة شد وجذب بين الرومان والشعب الموري/الأمازيغي، وذلك من خلال وحدة صناعة الفخار، لدورها في المعاش اليومي لكلا الشعبين.

  كما يتكون النسق التاريخي في الرواية من أنساق معرفية صغرى منها:

النسق الحضاري كمحور، من خلاله تتبلور المقارنة بين شعبين:

  الأمازيغي الذي تغلب عليه البداوة؛ وهي تعتمد نمط عيش يقوم على الرعي، وصناعة الفخار، وعلى منتوج هذين العنصرين، يقوم اقتصاد شعبهم، وطقوسهم الاجتماعية والعقدية. وإليه تنتسب البطلة.

• الامبراطورية الرومانية بمدنيتها، وجبروتها العسكري، وما يتبع ذلك من المعمار، واللباس، والاقتصاد، وكذا تدبير أمور الحكم، وفن العيش.

نأخذ هذه الفقرة من الرواية، وردت في هذا السياق: « شــعرت أنهــا أمــام حضــارة تســتحق الوقــوف احترامــا لأساســيات بنائهــا، وعماراتهـا الفنيـة، عقـول تنظـم وتحْبـك، تؤمـن بالعمـل وتمجـد الفـن، أمـا الآلهة فـلا يتعـدى دورها حـدود المبـاركات والتسـليم».

وفي سياق هذا النسق المقارن، تتمدد العناصر المعرفية الناظمة للنسق الحضاري، لشعبين عاشا في تاريخ قديم واحد، غير متكافئين في التمدن وأساسيات بناء الاقتصاد القوي، وكذلك البناء العسكري. وهو نسق يحضره فعل المقارنة بين الشعبين، التي تفرضها الكاتبة على المتلقي، لتبرز قوة الصمود لدى بطلة روايتها الامازيغية.

أدمجت الروائية أمامة قزيز، الحقائق التاريخية حول هذا التباين، في نسيج متخيلها، إذ يمكن للمتلقي/الباحث أن يتقصى ذلك من خلال الرواية، لتبدو له الفوارق الحضارية التي تفعل حس المقارنة لديه.

• النسق الحضاري لدى الرومان:

يمكن التقاط وحدات هذا النسق من خلال ما نكتشفه في النص من مفردات معجمية، ومعرفة، وطقوس، وذلك من داخل نصوص الرواية:

• الكتابة، نقرأ بهذا الخصوص:

. أوتــي بنقيشــة مــن الحجــر الكلسـي، فطفــق القــاضي يقــرأ مضمونهــا عــلى مســمع الحاضريــن.

   تقابلها أمية الكتابة عند الأمازيغ، من خلال نص أجرته المؤلفة على لسان « أومادير « في حوار مع معلمها الذي أحضره لها زوجها / القائد الروماني، عندما طلب منها يوما أن تقرأ قصائد هوراس:

«كيــف تطلب مني تذوق القصائد الغنائيـة وأنــا لا أعــرف القــراءة والكتابـة؟! لغتي الأم خليـط بـين البونيـة واللاتينيـة الدخيلـة، وسـكان قريتـي غير مهتمين بتدريـس أبنائهـم وتلقينهـم أصناف المعرفة الرائدة في روما وأقطابها المستقرة بطنجيس»

صناعة الأثاث، ونقرأ وصفا لمشهد تصوره الكاتبة:

«بـرق شـعاع مـن الشـمس عبـر النافـذة المرخمـة، فانعكـس عـلى شـمعدان سـباعي يبـدو أنـه من الذهـب الخالـص» ثم في نص آخر: « الـرواق المركزي، الـذي يتوسـط آخريْـن موازيـن ومحاطيـن بأعمـدة رخاميـة ذات تيجان كورنثيـة… تبـوأ الحضور مجالسـهم عـلى كـراسي خشـبية موضوعـة بشـكل دائـري مسـاير ُلها موضـع لحلقـة القبـة، التـي زينـت بالإيروسات والآلهة، يَسـف الصـدارة المحفـوف بمزهريـات ضخمـة مـن البورصُلـن اللامع»

صناعة التحف

. ثــم مــا فتــئ الســخي يأمـر خادمــاه بعــرض درع بيضــاوي الشــكل، ذي مقبــض مركــزي، ٍ وطـوق للتعليـق بلـون عـاج، معـزز بأطـواق معدنيـة، ومنقـوش عـلـى ســطحه تصويــرات لخيــول وعربــات»

التجارة

• التجارة في القمح النوميدي – حوامض امبساغا – جلود المواشي-سيوف – أردية – صوف – لحافات من النسيج المحلي- زيوت – كروم – امفورات السمك المملح – الفواكه المجففة

• عناصر الترفيه وأنشطة المجتمع:

• أعــدت الخادمــات متــكأ لســيدتهن في شرفتهــا الخاصــة… طنافــس مــن ريــش النعــام عــى ســجاد فــارسي مزركــش، تتوســطه طاولــة شــملت أشــهى الفواكــه… وعـلـى جنبــات الدرابزيــن انتـثـرت أصــص عمالقــة، تتــدلى منهــا عــروش النباتــات المتســلقة، مرشوشــة حواشــيها بزهــرات صغـيـرات مختلفــة ألوانهــا»..

• -جلســت يوالنــدا تحــرك صولجانــا صغــرا مــن النحــاس بــن ريشــات الذيــل املــزوق لطاؤوســها املفضــل

– اذهبــي للخــان الكبــر قــرب الحمامــات حيــث يتســامر جنودنا…

– عازفة القيثار

– سـاحة المحكمـة، تفـرق الأعيـان وأعضـاء بلديـة المدينـة ُّ َ وهـم يرتـدون لبـاس التندـك والتوغـا ذو ْي اللـون الأبيـض كتمييـز لهــذه الطبقــة مــن العامــة».

حضارة قبائل الأمازيغ:

الأساس الاقتصادي

• صناعة الفخار – الرعي – صناعة الاصباغ من الأعشاب لاستعمالها في صباغة خيوط الغزل، التي تستعمل في الحياكة.

باختصار هكذا يصفهم تقرير أحد قادة الرومان، الوارد في نص الرواية

«إليكم حصيلة الخرجات التطويعية للبربـر القاطنيـن خـارج حـدود الليمـس… كمـا تعلمـون فـإن نمـط عيشـهم يعتمـد عـى النظـام القبـلي، والحيـاة الاجتماعيـة بينهـم تسـتند إلى منطـق الجماعـة، يجسـدون نواتهــا الروحيــة في شــخصية رجــل ديــن يتــولى تدبــر شؤونهم المدنية واللاهوتية… غالبــا مــا يتجمعــون بضريح أحــد الزعمــاء أو القــادة الذيــن ناهضونــا منذ ســنين».

النسق العقدي:

يأتي المعتقد الروحي السائد بين شخصيات الرواية متأرجحا بين الأرض والسماء، على الأقل عند الشخصية الرئيسة « أومادير»، القربان المنفلت، والشخصية الفارسية، أسير الحرب، مصارع الأسود ديباج الأشكاني، إذ تبدي حيرته العقدية بين دخوله حديثا في الديانة المسيحية وهو بين قومه من الفرس القديم، وبين ما يعتقده من استعبدوه كأسير حرب، يجلي هذا ما ورد بهذا النص :» عرض وجهه ذات البشرة الخمرية إلى أشعة الشمس المتوهجة، وأغمض عينيه متمتما:» لا قدرة لك أيتها الشمس على إحراقي»، ليضيف ليبرر رفضه للوثنية « لا ألوهية لمن ينقلب بين الشروق، لمن تحجبه غيمات المطر، لمن تنحته أيادي البشر فخارا وطينا، على هيئات صما كالحجر …..». إلى أن يقول :» ..مالك الملك الأكبر، ستظل الرابط الذي سيعرج بروحي إلى آفاق الملكوت اللامنتهي ..»

كما ان النسق العقدي المهيمن في الرواية؛ هو نسق المعتقد الوثني، ويتركب من المكونات التالية :

• أسماء الآلهة:

عنـد الرومــان: جوبيتر– أبوللو– سيريس- ديانا – فولكان– نبتون- فينوس- يانوس

  عند قبائل تمغزة: أيديمون – غورزيل – أفري

يحضر النسق العقدي في الرواية منقسما إلى نوعين:

• النسق المهيمن من قبل السلط المركزية لدى كل من الرومان وشعب تمزغة

• النسق الهامش لدى شخصيتن هما:

• ديباج الاشكاني في تقبله لنسق عقدي مختلف هو الدين المسيحي

• أومادير المتمردة على معتقدها الروحي، إذ ا ترى في الوثنية خرافة مناقضة للعقل، لهذا تسخر منها، وهذه السخرية يجدها المتلقي في النصوص التالية:

• « ظريف هو الكبش لا يهش ولا ينش»

«يـا لظرافـة غورزيـل ! لا حاجـة لنـا مـن أجـل الانتصـار سـوى قربـان آدمـي»

«في داخـلـي كفــر عــلى وشــك الاســتيقاظ مــن ســباته يــا جدتــي…»

«لكـن المبتغـى لـن تطالــه بأفــكار باليــة، وتعنــت جــزافي»

يفجر وجود الأسطورة العقدية، كعنصر له منطقيته الوجودية من حيث كونه ولد وترعرع في الأزمنة الموغلة في القدم، متخيلا روائيا، يقوم عليه البناء العام للعمل، تؤازره في البناء، وتدعمه، موضوعة الآخر؛ سواء كان من أبناء جلدتك أو مستعمرا غازيا، وسؤال ثنائية الأضداد؛ كيف تتحول الأم إلى عدو قاتل، ويصبح العدو الغازي حبيبا حاميا، وعنصرا مطورا للذات المتعطشة للمعرفة. 

نسق الهوية الأمازيغية:

تُعرَّف الهوية أنها « مجموع الصفات أو السمات الثقافية العامة التي تمثل الحد الأدنى المشترك بين جميع الأفراد الذين ينتمون إليها، والتي تجعلهم يعرفون ويتميزون بصفاتهم تلك، عن سواهم من أفراد الأمم.»

    ومن المتعارف عليه أن اللغة والدين والتاريخ المشترك، والوطنية، والأعراف والفنون، هي عناصر تكون الهوية الفردية والجماعية، وهي بالضرورة تتأثر بما تنتجه من مبادئ وقيم وأعراف، تنتظم فيها الأنساق الثقافية التي تحمل هويتها. وفي الرواية تعمل المؤلفة على استحضار المقومات الأساس للشعب الأمازيغي، الذي يأتي في الرواية مَحْتِداً للشخصية الرئيسة أومادير، من حيث أنها» محصلة الأفكار والمعتقدات والاتجاهات التي يكونها الفرد عن ذاته، وعن الآخرين وعن بيئتهم ومجتمعهم.»

    ومن الصفات التي منحتها لبطلتها؛ العناد والإصرار من أجل الحفاظ على الهوية وعقلنة المعتقد، النص التالي يرد في هذا السياق:

«اســتنكرت نظــرات أوماديــر الشــاخصة أمــر العجــوز المســايرة، المغايــرة لبنيــة قناعاتهــا، على نصــب للإلاهة أبولــون فــوق مرتفــع رخامــي، عــلى شــكل درجــات تكعيبيــة، يقــف بهيــأة رجــل متناســق الجســد، مليــح التقاســيم، على رأســه تــاج غــار، متبختــرا بقامتــه الفارهــة، وفي يــده قيثــارة، وباليــد الأخــرى قـوس وسهام… وقد يبدو أن هذا الإلاه في حجمــه الضخــم، وتبوئــه كل هــذا الإرتفــاع المشـرف عـلـى المدينــة كاملــة إشــارة إلى حمايتــه المقدســة لهــا وللقاطنـيـن فيهــا، رددتهــا أوماديــر»

كما نقرا في الرواية نصا تبئيريا للبطلة يصب في السياق ذاته:

«… إنـه الجـرح النـازف في أعماقها…فكلامـه عـن التطهيـر أوحـى لهـا بإحسـاس أن بنـي جلدتهـا يُحاكـون فصيلـة نمـل تلزمهـم. الابادة، حماية لمستودع الغلة..»

   كذلك ترد نصوص توضح إصرارها على هويتها الأمازيغية، حتى وهي في عرين الامبراطورية الرومانية؛ منها مثلا تقول البطلة وهي تخاطب جدتها:

«سأصمم زيا يمتح من أصولنا… أزور به روما»..

    «لمع الدهـاء في بريـق عينيهـا: سوف أشرف المقــام العــالي بالتأكيــد… لكــن عليــك أن أن تحيكــي لي رداء خاصــا يــا جدتــي»..

   كما تستحضر الطقوس المقتطفة من ثقافة المجتمع الامازيغي، ومرجعيته العقدية والحضارية، أي من روح عصر شعب « أومادير « وفترته التاريخية. إذ تحضر الهوية الأمازيغية من خلال هذه الشخصية، « كمفهوم للمواطنة الذي يستمد دلالاتها من استقرار الأمة، والذي بإمكانه أيضا أن يستوعب كل الثقافات الفرعية «، فنقرأ في متواليات الرواية، النصوص التي تجلي ذلك؛ مثل:

استحضار موسم حاكوزة رأس السنة الأمازيغية»

• طقس توشيم صغار الفتيات، الراغبـة أمهاتهـن في طبـع وشـم يوحـي بالارتبـاط الأولي بالعـرقُ التامزغــي عـلـى جلودهــن البضــة «

• لــن أفــرط في منبتــي… وســأمارس طقــوس هويتنــا يــا جدتي

نسق الذات الكاتبة

تبرز ذات الكاتبة في مواقع متعددة من والوحدات المكونة للرواية، ونصوصها وفقراتها، ما يجمعها هو تجلي الطابع الأنثوي للشخصية الرئيسة، نستنبط من الرواية بعضا منها فيما يلي:

• موقع مقارنة اللباس بين روما، وشعب تمزغة، تقول الساردة/الكاتبة:» أخذت الثوب الزهري بين يديها تتفحصه..‭{‬…‭}‬ كان يتكون من قطعة واحدة ..‭{‬..‭}‬..عكس اللباس المحلي، وتراءى لها أن الراعي المستولي، يبغي تجريدها من أصولها الأمازيغية، وتلقينها جذورا تنأى عن فصيلتها العرقية..أبدا لن أقبل»

• موقع إبراز دهاء معقلن لـ « أومادير»، من خلال هذا الحوار:

  يخاطب القائد « أورليوس « القائد الروماني الغاضب، أومادير بعد أن استفزته بعنادها، و هو أيضا حبيبها :

• أنت وقحة للغاية، هذا ليس غريبا، ما دمت تنتمين لجماعة البربر المتوحشين»

تجيب بقوة روح العناد التي تسكنها:

• لا تنس يا صاح؛ قد خارت قواك، وفقدت عقلك ذات ليلة، وأنت بين أحضان هاته البربرية»

  تقدم الكاتبة « أومادير»؛ كشخصية رئيسة للرواية، تمتلك وعيا يؤهلها للتأمل في الفروقات الحضارية بين شعبها والدولة المستعمِرة؛ روما، وتسأل، والسؤال كما يقال، يولد المعرفة، لهذا فإنها ستجد الجواب في تداعيات ثقافة الخرافة بين أهلها، وتغييب العقل والمنطق. لتخطو نحو نقطة أخرى في الفهم، وهي رفض حضارة روما مادات تأتي شعبها غازية.

  وهو نسق في الكتابة لدى المؤلفة تفجر من خلاله الخيال المعقلن – إن صح التعبير – انطلاقا من بؤرة توتر؛ تجمعها أحداث محفوفة بخطر موت البطلة الثلاثي الأضلاع:

  الموت كقربان يقدم للإله غوزريل في طقوس دموية

  الموت انتحارا بعد فرارها

• الموت بعد عودتها لاخبار قبيلتها بنية جيش عدوها/الرومان بغزوها

إلى أن تعود أومادير إلى رشدها، وهي تستعيد مراحل هروبها إلى الأمام في مواجهة الموت، تشير إليها الساردة في هذا السياق: « غابت أشباح الوهم..بل كانت أحلام يقظة لم تحسن استغلالها.»

ومن موقع حضور الذات الكاتبة، من خلال تقنية الحكمة المجلية لموقفها من قضايا معينة طرحتها الرواية، تفاجئ القارئ، مستقلة عن الساردة، حيث وحده السياق من يكشف علاقتها بالساردة؛ نقرأ هذا النص: «إملاءات الضمير الإنساني يستحضر مطارقه القضائية، على النفس المثقلة بأوزار عشق يمنعه الناموس العرقي الذي لقنته لها تماريس منذ نعومة أظافرها.»

ومن موقع حضور مباشر للذات الكاتبة، تعبر فيه بمنطق الحكمة المطلقة، نقرأ هذين النصين كمثال:

     « ما أصعب مساومة الذات البشرية التي تخسر رهانات الانتماء»

     « ما أحوج البلد لوقفات تشكيك ومراجعة»

• النسقية الأنثوية للذات الكاتبة:

يرتكز نسق الأنثوية الذي تجليه ذات الكاتبة في الرواية، على عناصر بنائية أساس في الرواية، على رأسها، ما يأتي على لسان بطلتها « أومادير « عند مواقف متنوعة:

– التعريف لمواقفها في وجودها الخاص،

   رؤيتها للأمور الحرجة:

« أومادير» الثائرة، لا تعترف بالوسطية في الحلول والرؤى؛ إما ضوء أو ظلام..أبيض أو أسود»

  – الخصوصية التجميلية لدى الأنثى:

    « الذرية مدعـاة لشـفقة الرجـل، والجمـال يؤجـج شـهوته… لكـن كيـف يظـل أوريليـوس عاشـقا لا يحيـد عنــي؟.. ابتســمت بمكــر وهــي تشيــر بســبابتها إلى زجــاج الواجهة البلورية المصقولة العاكسة لصورتها، شيء مـن هـذا المنداح، وبعض مـن ذاك الريـان… والبقيـة: خليـط مـن ثقافة العـصـر … شــد الانتبــاه … واخـتـراع المحفـز دائمــا»

   نص آخر يغني نفس الموضوعة التجميلية لدى الأنثى، من خلال وصف نافذة صغيرة لحجرة البطلة:

«لكنها تفي بغرض إمتاع العين بمنظر السماء الزرقاء، وقد ترتوي بشرة وجهها الشاحبة بنسائم الهواء، الذي يهب منها عابر سبيل نحو آفاق أرحب..»

– الاعتراف بموقف الشهامة للعدو، من خلال هذا النص:

« الشاعرية موقف اعتراف؛ يقر خلاله الرجل بتحمل كامل المسؤوليات المترتبة عن نزوة عابرة؛ شهامة لم تختبرها أومادير، في حكايات بنات جلدتها، وتحذيرات نساء القرية من مغبات التورط في علاقة مباشرة مع الذكور المتربصة، المقتنصة فرص الشهوة المغرضة»

وهو نص يخدم أيضا أحد عناصر» النسق المقارن «، الذي تتأسس عليه النسقية العامة للبناء الروائي في النص.

الخطاب الروائي والأنساق المعرفية:

  تعتبر الرواية جنسا تعبيريا غير منتهٍ في تكونه، لهذا نجد رواية «أومادير»، منفتحة من عدة مداخل للقراءة، غير أنه حسب ما يبدو من خلال قراءتي هذه، أن الخطاب الروائي الذي يمكن استخلاصه يقدم رؤية نقدية لقضايا جذورها ممتدة في القدم، وحضورها مازال قائما إلى يومنا هذا بوجه حداثي، خصوصا على المستويين الديني والسياسي.

  مما جاء على لسان «أومادير»:

«أتدريــن مــا هــو الفــرق بيننــا وبـيـن المســتعمر؟ إنــه العقـل، والقلـب مقابـل الخرافـة؛ فهـم ينوهـون بالعمـل، ونحـن نحـب التـواكل والكسـل… إنـه العلـم والفـن مقابل الكسـل؛ فهـم يمجـدون الابتـكار، ونحـن نميـل إلى التقليـد والانصهـار… إنـه الجسـد والـروح مقابـل العدميـة؛ فهـم يتوقعــون مباركــة الآلهة لأفعالهــم، ونحــن نعلــق كل عـزم بتقديـم قرابـين مـن لحمنـا ودمنـا إلى المجهـول… الفــرق يتجـلـى في الإيمــان… آلهتهــم تؤمــن بواقعهــم، ونحــن نؤمــن بواقــع آلهــة غيــر موجــودة..

ومن خلال تقنية الحكمة كما أسلفت الاشارة، وبلغة أكثر تركيزا في هذا الناص:

« إنه عقل الانسان المقاوم للجنون والخبل، يتمسك بجذوات الأمل الطائش، هنا وهناك، المنفلت تارة من السحابات البعيدة في الآفاق….»    

  تستحضرالبنية النسقية التي تؤطر الرواية، ضرورة وجود العقل إلى جانب المعتقد، فبوجودهما تتوفر شروط الحضارة، في حين أن غياب العقل عن المعتقد تندس الخرافة في المجتمع وتبني أنساق بديلة تناقض العقل كالقرابين البشرية مثلا، وتسليم زمام تسيير أمور المجتمع إلى العرافات والعرافين والمشعوذين والمسترزقين .

الخاتمة

تطبع الرواية سمة التوتر، من حيث كونها عنصرا مولدا للتشويق، بشقي وجودها التجريدي، والحدثي، ولقدرته على توليد أحداث الحكاية، كما يبرر تفاعل الأنساق المتضادة في الرواية؛ بين التمدن لدى الرومان، والبداوة عند قبائل تمزغة، وبفعلها في نفوس الشخصيات، والتفاعلات التي تفرز المواقف والرؤى، خصوصا عند الشخصيات النسائية الأمازيغية وهي تنفعل بالتمايز الحضاري، وتتفاعل، من خلال فعل التبرير، الذي يمارسنه في خطاباتهن، وهذا النص مثالا لذلك:

قالت أومادير بدهشة: يوحــي هذا الاختــلاف في ملبــس الســكان وتعــدد لــون بشرتهــم بــأن في هــذه العاصمــة تجمــع كبـيـر لشــتى الاعراق… إنه التعايش فيما بينها، والتآلف والتزاوج علقت تيمومت بزهو: هذا ما حصل معك ِ يا ابنتي.. »

< وأنت تتقصين العناصر المكونة لأنساق النص، هل أفادك ذلك في الوصول إلى اكتشاف الخطاب الروائي للمؤلفة؟

الخطاب الروائي والأنساق المعرفية:

  تعتبر الرواية جنسا تعبيريا غير منتهٍ في تكونه، لهذا نجد رواية «أومادير»، منفتحة على عدة مداخل للقراءة، غير أنه حسب ما يبدو من خلال قراءتي هذه، أن الخطاب الروائي الذي يمكن استخلاصه منها، يقدم رؤية نقدية لقضايا جذورها ممتدة في القدم، وحضورها مازال قائما إلى يومنا هذا بوجه حداثي، خصوصا على المستويين الديني والسياسي.

  مما جاء على لسان «أومادير»:

«أتدريــن مــا هــو الفــرق بيننــا وبـيـن المســتعمر؟ إنــه العقـل، والقلـب مقابـل الخرافـة؛ فهـم ينوهـون بالعمـل، ونحـن نحـب التـواكل والكسـل… إنـه العلـم والفـن مقابل الكسـل؛ فهـم يمجـدون الابتـكار، ونحـن نميـل إلى التقليـد والانصهـار… إنـه الجسـد والـروح مقابـل العدميـة؛ فهـم يتوقعــون مباركــة الآلهة لأفعالهــم، ونحــن نعلــق كل عـزم بتقديـم قرابـين مـن لحمنـا ودمنـا إلى المجهـول… الفــرق يتجـلـى في الإيمــان… آلهتهــم تؤمــن بواقعهــم، ونحــن نؤمــن بواقــع آلهــة غيــر موجــودة..

ومن خلال تقنية الحكمة كما أسلفت الاشارة، وبلغة أكثر تركيزا في هذا الناص:

« إنه عقل الانسان المقاوم للجنون والخبل، يتمسك بجذوات الأمل الطائش، هنا وهناك، المنفلت تارة من السحابات البعيدة في الآفاق….»    

  تستحضر البنية النسقية التي تؤطر الرواية، ضرورة وجود العقل إلى جانب المعتقد، فبوجودهما تتوفر شروط الحضارة، في حين أن غياب العقل عن المعتقد تندس الخرافة في المجتمع وتبني أنساق بديلة تناقض العقل كالقرابين البشرية مثلا، وتسليم زمام تسيير أمور المجتمع إلى العرافات والعرافين والمشعوذين والمسترزقين.

  أشرت إلى تعدد المداخل الاستقرائية المحتملة لرواية أومادير، ماهي البوابة التي تبدو لك متاحة أكثر لقراءة نقدية أخرى؟

بكل وضوح أراها تحضر في موضوعة التوتر، ذلك أن الرواية تطبعها سمة التوتر، من حيث كونها عنصرا مولدا للتشويق، بشقي وجودها التجريدي، والحدثي، ولقدرته على توليد أحداث الحكاية، كما يبرر تفاعل الأنساق المتضادة في الرواية؛ بين التمدن لدى الرومان، والبداوة عند قبائل تمزغة، وبفعلها في نفوس الشخصيات، والتفاعلات التي تفرز المواقف والرؤى، خصوصا عند الشخصيات النسائية الأمازيغية وهي تنفعل بالتمايز الحضاري، وتتفاعل، من خلال فعل التبرير، الذي يمارسنه في خطاباتهن، وهذا النص مثالا لذلك:

قالت أومادير بدهشة: يوحــي هذا الاختلاف في ملبــس الســكان وتعــدد لــون بشرتهــم بــأن في هــذه العاصمــة تجمــع كبـيـر لشــتى الاعراق… إنه التعايش فيما بينها، والتآلف والتزاوج علقت تيمومت بزهو: هذا ما حصل معك ِ يا ابنتي.. «.

  في حكي تقوده أنثى حول فعل بطلة، منفلتة من ثلاثة أنساق للموت:

الموت كقربان على مذبح إله

الموت اختيارا (بالانتحار)، تمردا

الموت فداء لقبيلتها

لابد أن في طيات هذا النص ما وحي بالتصالح مع ذات الآخر المستعمر، غير أن هذا الجزم لا يمكن الأخذ به إلا بعد صدور الجزء الثاني من الرواية.

بقلم الزهرة حمودان/المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق