ثقافة وفن

Ivan Garcia الرمزية واللغة البصرية المعاصرة

بشرى بن فاطمة

على عكس الانطباعية وما تركّز عليه في التعبير عن الحقيقة التي تتملّك بالمشاعر في اللوحة، تُعتبر الرمزية حركة فنية وأدبية عميقة الأفكار والتسلسلات البصرية التي تنبش في ماورائيات الصورة ومخلّفاتها الرمزية وإيحاءاتها، فتعرض من خلالها رموزا تؤكد معها المفهوم الحقيقي الكامن وراء الأشكال والخطوط والألوان.

فالرمزية منفذ فتح أبوابه على الحداثة والتجريب وأثار جرأة الخوض في تفاصيل التعابير المرئية بحرية أتاحت تفكيك علاماتها حسب المعنى الذي تُبنى عليه الحالات، فقد فرضت الرمزية تطوير وسائل جديدة وابتكار أساليب مُختلفة في الرسم وعلامات غالبًا ما تكون مُجردة أو مُشبعة بالأسلوب التعبيري أو السريالي للتعبير عن ماورائيات الحقيقة ومعانيها الخفية بمُختلف إيحاءاتها النفسية الثقافية والاجتماعية حسب كل علامة ورمز وتوجّه بصري، ولعل مثل هذا التجريب البصري الرمزي هو ما خاض فيه الفنان التشكيلي الشيلي الأمريكي إيفان غارسيا (1927-2015) الذي حوّل تصوّراته الفنية وتجربته الشخصية البسيطة والعميقة والانسانية إلى علامات ورموز مبتكرة حملته نحو تكوين مسار رمزي مُعاصر عبّر فيه  عن ذاته في الوجود وهُوية انتمائه وانتصاره لإنسانيته في الأرض.

فقد حملته الصدفة للفن دون أن يكون مُخطّطا أن يكون فنانا حاملا لرؤى الرمزية وتفاصيل الواقعية في أسلوبه حيث حمله الفضول للتنقل تاركا الشيلي موطنه وحبيبته متوجها نحو الولايات المتحدة الأمريكية مصرّا أن يحقّق حلمه في أن يعود ثريا ويكسر هاجس الصورة الساخرة التي وصفه بها والده أنه سيكون «مهرجا» في أمريكا.

فقد ركّز غارسيا على الانسان الكيان في داخله واستفزّه مجاز الوصف «مهرّج» فحمل فيه كتل المشاعر وتناقضاتها المُشبعة بالتفاعل والتوافق والتصادم بين الموجود والمنشود وبين الانعتاق والتكبيل فقد كان يخترق الألم الداخلي الذي كان يخدش مشاعره الشفافة ليصنع الفرح العام، فلوحاته كان يرسلها بتفاصيلها البهيجة كبطاقات معايدة لأصدقائه تحمل صورة المهرّج الساكنة في ذاكرته الأبوية ورمزيته المشبعة بالعمق الهادف في قدرته على خلق الفرح، ولعل هذا السبب الذي كان يحيل غارسيا إلى الشخص الجالس على الكرسي كمراقب للحركة ومنشغل بها وهي إحالة رمزية على سلطة والده وقسوته في الحكم الساخر والمُسبق عليه.

  تواصل غارسيا مع علاماته الرمزية بتفكيك معاصر للفكرة فبين الحضور الرمزي للإنسان في شكل المهرّج والإنسان بين عمرين وبين جنسين في اختلاف الأزمنة، ابتكر تواصله الهلامي المتصادم مع وقته العابر للوقت، حيث تخلّص غارسيا من قيود الفكرة إلى حرية التعبير بالرمز الذي جمع بين الواقعية والسريالية من خلال الألوان والحركة والشكل والاندماج بينها مع توظيف حالات الوجوم التي اتّسمت بها شخوصه.

فهو يضع شخوصه في تماس مع الحضور وبديله السرمدي في أفق السماء الواسع وفي امتداد الفضاء وفي حركة الجسد فكأنه يُقصي كل ما يصدّ التجريب في الحياة والتعامل مع الآخر ويستنطق الروح في انتمائها للإنسانية.

فرموزه وعلاماته تضع الكيان الإنساني في مواجهة للأقنعة التي يتملّكها المُهرج باحثا عن وضعه في الحياة وفي معايشتها وبين الحركة وتقلباتها وهي تراقب الزمن المُنفلت في تفاصيله المتناقضة بين الشباب والحياة والموت والشيخوخة فكأنه يحاول أن يهرب من مخاوفه بفلسفة تحيل على البقاء وتنتشل فيه الإنسانية التي حرّرها بالمرور عبر جسور الأسطورة والملاحم وخلود الذاكرة وحرية الاندماج.

حاول غارسيا من خلال أسلوبه الذي اندمج مع فكرته البسيطة في التعاطي مع الفن بالتركيز على العلامات والرموز صياغة الكيان البصري وحمله على التركيز في المشاعر المحرّكة للمفاهيم الفردية التي استلهمها من مجانسة خياله المنطلق عبر فلسفته التي استدرجت قدرته الحسية على كشف الحقيقة العميقة من منظور حسي روحاني حرّ له تراتيبه النفسية والوجودية خاصة وأنه أعاد صياغة علاقته البصرية بالشخوص واندمج وتفاعل معها وتقمصها وتناثر معها أبعد في الخيال وأعمق في ثوابتها الحسية.

فرغم تواصله الساذج والبسيط مع الفن دون أن يكون له مرجعيات أكاديمية ورغم إنتاجه البسيط شكّل غارسيا حالة جديدة في الحركة التشكيلية الرمزية الأمريكية المعاصرة التي انطلقت من تجريب الأساليب المتعدّدة بالتعامل مع الحسيّات الفردية والانطلاق منها نحو العمق الشبيه بالآخر فالرموز استطاعت أن تكون عامة في قراءاتها البصرية.

*الأعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق