ثقافة وفن

تنوّع الخطاب الصوفي في ديوان أغاني شيراز

عادل الصويري

لا يمكن الحديث عن تجربة شعريّة كتجربة الشاعر الدكتور محمد حسين بزّي من دون أن يكونَ متصلاً بالسياقات الثقافيّة والمعرفيّة التي ينتمي لها، ويُسرِّبُها لقارئه شعراً يتنقل بين مدارات الغناء والترميز.

في مجموعته الشعرية «أغاني شيراز» الصادرة عن دار الأمير 2022 – بيروت؛ يؤكد الشاعر على هذه السياقات التي تتجاورُ فيها العوالم التي تبدو محتدمة ما بين الفلسفي والصوفي، الواقعي والتخيّلي.

كتبتُ سابقاً عن إقحام العوالم الصوفيّة في النصوص الشعريّة، خصوصاً لو كان الإقحامُ مجانياً، وقلتُ إنَّ التصوّف المنفلت فيروس يضرب الجسد الشعري، بعد أن بدت كل المفاهيم خاضعة للانفلات من قيمتها، ومن اشتراطات التعامل بها. إذ نرى الغالبية العظمى من شعراء اليوم ينقعون قصائدهم بمفردات تنتمي ظاهرياً للمعجم الصوفي في محاولة لدخول عالم التصوّف، لكن ملامسة هذا العالم كانت قشرية؛ لضعف المعرفة الدينيّة للشعراء؛ أو لأنّهم فكرياً أبعد ما يكون عن الروحانيات، أو الأفكار ذات المساس المباشر بقضايا اللاهوت، وعلم النفس، والفلسفة.

والاختلاف حول صوفيّة النصوص الشعريّة من عدمها ليس جديداً، فقد حضر كثيرٌ من الجدل حول صوفيّة بعض النصوص الملحميّة – ملحمة الإلياذة الإغريقيّة مثالاً – فهي لم تصل لفحوى التصوّف الحقيقي رغم حضور المناخات الممهدة لذلك.

لقد غاب عن صوفيّي الشعر المعاصر الفصل بين ما هو ديني وما هو صوفي في الكتابة الشعريّة، فليس من المنطقي القول بصوفيّة النص لمجرّد إغراقه بمناخات قرآنيّة يتم التصرّف فيها شعرياً على نحو مكشوف، فالإمام الغزالي يقول عن التصوّف: «أمرٌ باطنٌ لا يُطَّلعُ عليه». أمّا على صعيد اللغة؛ فإنَّ التصوّف يمنح الشعرَ والشاعرَ فرصةَ الانعتاق من لغة يغيبُ عنها الإحساس التأملي؛ للاندماج في لغة لا وظيفة لها سوى استشراف الجمال والحلول فيه. لغة غير ميكانيكيّة، وغير معنيّة بالترجمات الجاهزة. لغة إشاريّة تُحلِّق بأجنحةِ المريدين خالقةً مساحات أكبر للخيال، والسباحة في اللامرئي.

والشاعر محمد حسين بزّي في مجموعته «أغاني شيراز» يخلق للمتلقي عوالم متنوّعة من التصوّف يندمج فيها وتندمج فيه، مقدِّماً لنا خطاباً صوفيّاً ذا نزعة توحي برمزيتها ودلالتِها إلى صراع الثنائيات مثل: الحبّ / الهجر و الخلود / الفناء.

لكن الدكتور بزي في خطابه يخرج عن بديهية تلغيز اللغة عند المتصوّفة الذين قصدوا هذا النوع من اللغة؛ لتكون متاحةً فقط عند أصحاب الشأن. ومجموعة «أغاني شيراز» جاءت بقصديّة خاف بها شاعرُها هذا السائد حين جاءت لغتُه منسابة يمكن فكّ أسرارِها وطلاسمها بعد جهد ذهني تشبّع بالتلقّي الجمالي. وهذا لا يعني أنّ خطابه كان ذا لغة عاديّة لا تنفتح على الرؤى والتأويل، بل هو يدرك أنّه شاعر يريد الوصول إلى الآخر عبر اللغة.

«غادرْني فِيَّ

وإليَّ

وامسحْ وجهي باللونِ الأخضرْ

كي أخلعَ عِمَّةَ عقلٍ

باتَ بنا صنماً بل أكثرْ / ص32»

في هذا المقطع من قصيدة أهداها إلى جلال الدين الرومي نلحظ هذا التنوّع في الخطاب، حيث يقدم لنا (تصوّفاً لونيّاً) إذا جازت العبارة من خلال دلالة الأخضر الذي يطلب أن يُمْسحَ به وجههُ لحظة مغادرة الذات إلى الذات؛ ليتسنى له إعادة إنتاج منظومة أخرى للتفكير بعيداً عن العقل الصنم!

ومثلما هناك تصوّف يسمو بالوجدان إلى الملكوت والحضرة الإلهيّة، ويجعلُه فانياً فيها كقول رابعة العدوية:

«أُحِبُّكَ حُبَّينِ حُبُّ الهوى … وحُبٌّ لأنَّكَ أهلٌ لذاكَ

فأمّا الذي هو حبُّ الهوى … فَشُغْلي بذكركَ عمَّن سواكَ

وأمّا الذي أنتَ أهلٌ لهُ … فَكَشْفُكَ لي الحُجْبَ حتى أراكَ».

هناكَ أيضاً تصوّف يجعل الذات فانيةً في حُبِّ المكان، ساعيةً لاكتشافِ أسرارهِ، وهذا النوع حضر في مجموعة سابقة للدكتور بزي، وهي مجموعة «أغاني قونية»، وقد حضر أيضاً في «أغاني شيراز» وإن بدرجة أقل، وفي ذات القصيدة التي يبثُّ فيها ترانيمه إلى جلال الدين الرومي:

«غادرْني فِيَّ وإليَّ

(قونيه) قبلةُ عشقٍ طلَّت من عينيَّ

غادرْني فِيَّ وإليَّ

واعزف قطراتِ الشمسْ

لحناً يشربُني من تبريزَ وحتى الأمسْ / ص31»

كما حاول الشاعر بثّ صوفياته عبر قصائد الومضة القصيرة؛ لأنّه معنيٌّ بالزمنِ وواقعيةِ عجلتِه التي تتسارعُ وتيرتُها بشكل عجيب. وهو يعلم أنَّ الومضةَ قصيدةٌ رؤيوية ذات إيماضات خاطفة تشتبك فيها التصوّرات بين ما هو حِسِّيٍّ وذهنيّ، فضلاً عن الأثر الشعري الذي تتركه الومضة، وهو أثرٌ لا يمكن إنكاره؛ لتوفر الكثير من عناصر الشعريّة فيها، حتى وإن دخلت ذات العناصر في السرد، القصصي منه أو حتى الروائي، لكنّها – الومضة – أقرب للشعريّة؛ لشدة التركيز، والإيحاء، فضلاً عن استخدام كُتّابها تقنيات كالانزياح الذي يبعدها عن اشتغالات الشعرية الكلاسيكيّة كالغناء أو التوجيه للفكرة على نحو مباشر.

جاءت قصائد الومضة القصيرة في «أغاني شيراز» على نحوٍ إيقاعيٍّ تقصَّده الشاعرُ؛ لمعرفته بتأثير الإيقاع، وتخفيفه من عمق المضمون الصوفي للنصوص. وحتى في الإيقاع كانت قصدية التنوّع حاضرة، فمن إيقاع بحر الكامل نقرأ:

«لي عالمي

مذ كنتُ في كِبَري أنا شكَّلْتُهُ

للآن لم يدخل على أسرارهِ حقاً أحد / ص46»

أو :

«سقطَ الرهانْ

والشمسُ ما زالتْ تشبُّ على يدي

وأنا الدُخانْ / ص64»

ومن إيقاع الخبب نقرأ:

«وأُطارِدُ ظِلّي

بين الضوءِ وبينَ الماءْ

ما زلتُ أنا محجوباً

إلّا عنكِ / ص47»

أو:

«أجدادي في الحُبِّ

وُلِدوا من صُلْبي

كانوا عشاقاً

لكنَّهُمُ ما عشِقوا بسوى قلبي/ ص43»

أخيراً يمكن القول إنّ محمد حسين بزي في مجموعته «أغاني شيراز» أو حتى في مجاميعه السابقة شاعرٌ متأمِّل، شاعرٌ يعشق السياحة بين الثنائيات والأضداد. شاعرٌ يمشي نحو مقاصده في الكتابةِ متسلّحاً بعمقه الفكري، وبمزاجه الذي يغامر بالرمزيات والمعرفة المتنوّعة، ودائماً ما كان يحالف النجاح مغامراته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق