آراء

كوكاسيات

بعد جائحة كورونا العالم يستيقظ على اجتياح أوكرانيا

عبد العزيز كوكاس

ها قد حلت الحرب، ومع الحرب يأتي الخوف والقلق ونشم رائحة الموت في كل مكان، لم يعد مستقبل البشرية يعد بالسلام والأمن خارج قانون القوة بدل قوة القانون، إنها عدالة الأقوياء والمنتصرين دوما، لكن ما يحدث اليوم في حرب روسيا وأوكرانيا، مختلف كليا عما كان عليه الأمر في السابق، إذ لم تعد الحروب تقع بعيدا عن الرقعة الجغرافية للكبار، هناك فقط في الدول الفقيرة والضعيفة من أفغانستان إلى اليمن والعراق وسوريا… إن الحرب اليوم امتدت إلى حدود الدول العظمي وفي قلب مجالها، لذلك أحس بسطاء العالم أنهم على أبواب حرب عالمية ثالثة لا تبقي ولا تدر.. كما أن حرب الأقوياء اليوم ليست إلا أحد تجليات الصراع حول ريادة العالم، فما فرضته جائحة كورونا من التبشير ببداية انهيار النظام العالمي الجديد، سرّعت من وتيرته الحرب الروسية الأوكرانية.

الإفلاس الأخلاقي للغرب، وتكريس منطق القوة

ارتفعت عقيرة الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية مع اجتياح الجيوش الروسية للحدود الأوكرانية، بالحديث عن خرق مواثيق مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة، والمس بسيادة الدول ووحدتها الترابية وزعزعة السلم والأمن في العالم، كأن أخلاق وقيم الفلاسفة الإنسانيين تحاول أن تعيد الروح لعالم مضطرب عرّت جائحة كورونا الكثيرة من تناقضاته، ووضعت الحرب الروسية الأوكرانية الإنسان الغربي عاريا أمام المرآة، وليس له ما يقدمه للعالم في مجال العلاقات الدولية وكيفية تسوية النزاعات والصراعات بين الدول وفق مبادئ العدالة وقوة القانون، وهو يمتلك تاريخا أسود فرض من خلاله لقرون طويلة إرادته على شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، عدا عن استغلاله خيرات البلدان الفقيرة والضعيفة في إطار الاستعمار البشع، بل من خلال سعيه المستمر لعرقلة أي تنمية أو تطور عبر فرض مصالحه على البلدان التي استعمرها وسعى بشكل ممنهج الترويج لنظام قيمه المجتمعية إلى جميع أنحاء العالم، كما لو أنها القيم الإنسانية المثلى وما يوجد خارجها بربري أو إرهابي… بل ظل هذا الغرب الاستعماري  يحدد معاييره لكل الدول باعتبارها معاير دولية، ويفرضها بشكل إلزامي كقانون دولي ملزم، هذا الغرب الذي أقام حضارته الباذخة وحريته وديمقراطيته على اضطهاد واستغلال الشعوب وذبحها وإعاقة نموها حتى اليوم وباستعمال القوة العسكرية في أحايين كثيرة ليس له أن يحتج على غزو عسكري واقتحام بالقوة لحدود دولة أخرى بالتعابير الجميلة والأنيقة للمعايير الأخلاقية السامية لأنها لا تخفي رائحة فمه الكريهة.. بل إن الوجه المنافق لهذا الغرب ظهر مع التعبير عن استقبال اللاجئين الأوكرانيين بخلاف العرب والمسلمين الذين عانوا نفس ويلات الحرب وهُجّروا من ديارهم، وذلك تحت يافطة عنصرية صليبية، «الإنسان الأبيض» والإنسان المسيحي» كما عبر عن ذلك المرشح للرئاسيات الفرنسية المتطرف إيريك زمور.

بالنسبة لهذا الغرب كما يقول الفيلسوف النمساوي هانس كوكلر: «كانت «حقوق الإنسان» دائما ذريعة عندما يتعلق الأمر بتأكيد مصالح قوتها السياسية على المستوى العالمي. يعلمنا تاريخ ما يسمى بـ»التدخل الإنساني» منذ القرن التاسع عشر أن القوى العظمى تلجأ دائما إلى المبادئ الأخلاقية السامية عندما تكون في حاجة إلى ذرائع لاستخدام القوة العسكرية. والولايات المتحدة هي أفضل مثال على هذه «الميكافيلية الإنسانية» في العالم الغربي».

بوتين بطل لدى المضطهدين والحالمين المسحوقين

يبدو اليوم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المخيال الجريح للعديد من الدول التي عانت من التسلط والعنجهية الأمريكية والغربية عامة، كبطل لهذه المرحلة لوقوفه في وجه أمريكا والعالم الغربي كما يتصور هؤلاء انطلاقا مما عانوه، ويكفي تأمل ما يروج الآن من صور ومقاطع فيديو في وسائل التواصل  بالمغرب والعالم العربي، حيث يبرز بوتين كرجل قومي وزعيم وطني فيما يصور جون بايدن وماكرون وباقي قادة العالم الغربي كجبناء.. يبدو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مثل بلسم لجراح في الخيال الجمعي لأمم منهكة ومغتصبة بسبب طغيان وتجبّر الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي، لذلك يجري رسم وجه بطولي لروسيا والاحتفاء بالقوة الروسية من أسلحة الدمار الشامل وفي مقدمتها صاروخ «يوم القيامة» المرعب.

صحيح أن فلاديمير بوتين يمتلك كاريزما الزعيم القومي الذي يحوز إعجاب الروس بدليل انتخابه أربع مرات على رأس الكرملين، ويبدو مثل المنقذ من الضلال لدى العديد من القوميات وباقي الشيوعيين الذي لا زالوا يحلمون بالمنجل والمطرقة والساحة الحمراء وخطابات لينين وتروتسكي… فالرجل الذي كان في ألمانيا الشرقية حين انهار جدار برلين، لازال يحمل وشم الجرح النرجسي القومي الذي كان بوتين جزءا من آلته، جاء بعد بوريس ييلتسن الذي انبطح كليا للغرب بالنسبة للروسيين، وبحكم تكوينه ومسؤولياته داخل جهاز الاستخبارات السوفياتية يومها «الكاجيبي»، ظل يحمل هذا الجرح ويطمح لاستعادة أمجاد روسيا القديمة، لكن هذا التحليل السيكولوجي يصلح أيضا لفهم دوافع مناصري بوتين والقوات الروسية في الدول التي عانت الويلات من استغلال الغرب ونفوذه فيما يشبه الانتقام، والحق أنه لا يمكن من الناحية القانونية والأخلاقية أن ندين الغرب لهيمنته الاستعمارية والاضطهادية ونتسامح في ذلك مع روسيا، فاجتياح أوكرانيا وتهديد حياة وأرواح الأبرياء مدان قانونيا وأخلاقيا، والحرب ليست وسيلة لتسوية النزاعات والصراعات بين الدول، وبالنسبة لنا في المغرب تذكرني هذه الواقعة، بنصرة العديد من الوطنيين المغاربة لأدولف هتلر والنازيين الألمان نكاية في فرنسا وإسبانيا الاستعماريتين، لأنهم ذاقوا ويلات سلطتهما وقهرهما، قبل أن يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود. أو خلال دعم جزء كبير من اليسار المغربي لصدام حسين غداة اجتياح العراق للكويت باستثناء حزب التقدم والاشتراكية..

دعم بوتين الذي غزت جيوشه بلدا جارا يدل على جرح حضاري وعقدة اضطهاد نفسية مستحكمة لدى كل مستضعفي العالم الذين رفعوا من القيمة الرمزية للرئيس الروسي، وبالنسبة للعالم العربي الذي دأبت نخبه كما عامة الناس منه التعلق بالأوهام، فإن بوتين رجل شجاع وبطل جديد يقدم إشباع لكل الانكسارات والخيبات الداخلية والجراحات المتراكمة من الغرب التي تمثل أوكرانيا اليوم مختبره الحقيقي، فيما يفرض المنطق السلسم أن ندين تحرشات الغرب واستئساده على شعوب العالم وفي ذات الآن نعبر عن استنكارنا لعملية اجتياح الروسي لبلد جار واستخدام القوة في حل النزاعات المتراكمة مع أوكرانيا، ذلك أن إسقاطات الحرب الروسية الأوكرانية ستصيب الصغار قبل الكبار، الذين سيجلسون فيما بعد إلى مائدة الحوار والتفاوض لتقسيم الوزيعة بالتساوي. من باب القوة لا من باب القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق