
التشكيلي صالح الهجر الفن والرؤى الحروفية الابتكارية
بشرى بن فاطمة
لأنه فنان لا يملّ التجريب والبحث والتعمّق والتواصل والابتكار ولأنه مشحون بالذاكرة متشبّع بالتراث والهوية ومتعمّق في الذات الإنسانية اختار التشكيلي الحروفي السوري صالح الهجر أن يخوض تجربة عرض وتسويق اللوحة الرقمية من خلال منصة NFt التي انطلق تفعيل في الامارات بمشاركة فنانين عرب دعما للفن العربي وتشجيعا على العمل الإنساني إضافة إلى مشاريعه الفنية ومعارضه القادمة في ألمانيا تعبيرا عن انتمائه وهويته وعن تاريخ ضارب في عمق الأرض عن هذه التجربة وعن الفن جمعنا مع صالح الهجر هذا الحوار.

اختار فيه أن يعبّر عن الحرف العربي باعتباره رمزا من رموز الحركة التعبيرية التشكيلية الحديثة والمعاصرة وكيان جمالي له خصوصياته الحضارية وحضوره التراثي وانعكاساته الروحانية التي تستدرج العين والذهن والحواس إلى مناطق أبعد في التمكين الفهمي وأعمق في الحس المجازي.
هو صالح الهجر فنان تشكيلي سوري استطاع أن يحفر اسمه في صفحات الفن والتعبير التشكيلي الحروفي العربي ويحقّق بأسلوبه تصورات بصرية طالما استدرجته بالتجريب ليعيد تكوينات عناصرها وخاماتها وحروفها المتكاملة مع المعاني ومفاهيمها، فكوّن بها فلسفته وتجرّد فيها من عوائق التشويه التي قد تنتاب ناقدي الدمج بين الحداثي المعاصر والتراثي الأصيل في فنون الخط والحرف العربي.
< صالح الهجر فنان انتشل ذاته المبدعة من عمق اللغة البصرية الحروفية كيف يُعبّر عن علاقته بالفن وبداية شغفه بالحرف؟
>حملني الشغف الجمالي للحرف العربي الذي سكن مخيلتي وذاكرتي وعبر ملامح الجمال في كل تكوينات المدن الناطقة بعبق التاريخ والهوية الحضارية المتعاقبة في تشابكاتها المتنوعة، فالحرف هو موروثنا الحضاري الأول لنا كعرب ومن خلاله أحاول أن تكون لنا لوحتنا التشكيلية الحروفية التي تعتبر مدرسة وأسلوب وهوية عربية شرقية الحرف العربي فيها يعتبر عنصرا تشكيليا قائما بحد ذاته نستطيع التعبير به كمفردة تشكيلية عن الكثير من مفاهيمها ورؤانا الجمالية ويتحمّل كل ما نتوق له من آمالنا وأحلامنا وآلامنا وكل ما يحيط بنا من أحداث، فأنا من الذين يؤمنون بأن الحرف العربي أكبر من أن يكون حالة لفظية ضمن جغرافيا اللغة بل هو لغة بصرية وجمالية مفتوحة على كل الاحتمالات الفهمية والمفاهيمية والفنية المنفتحة على العالم نستطيع بها أن نخاطب الجميع.
< للحرف العربي حضوره في تصوراتك البصرية والفنية كيف ترى قيمة الحرف في تشكيل اللوحة على المستوى الفني والتقني والمحتوى التعبيري؟
> الفن هو الشيء الذي يعكس صورة الحضارة والثقافة لأي شعب والفنان هو النافذة التي تعطي هذه الصورة عن الانسان والمجتمع وتاريخه وهكذا تكون هي علاقة الفن والإنسان بشكل عام وهذا ما يميز الفنان عن البقية في أي مجتمع لأن له رؤية تختلف وأفكار لها خصوصياتها التعبيرية حسب المنطق الفهمي والعلامة والرمز والانتماء والاحساس سواء العاطفي أو الذهني، أما عن علاقتي فهي مبنية على الأعمال التي أقدمها وهي بالمجمل تحاكي الكثير من القضايا التاريخية والفكرية والإنسانية وهذا ما أسعى أن تكون عليه لوحتي وتجربتي الفنية بالعموم وقد خضت تجارب متعدّدة حاكت الواقع والأحداث وانغمست مع طبيعة المنطقة وتفاصيلها وجرّدت المرارة التي تمرّ بها الشعوب إلى قراءات لها المعنى التعبيري ولعل هذا ما يجعلني أبحث عن الانسان والقضية والانتماء حتى أكوّن محاور التواصل بين ألواني وحروفي بين الجوهر التشكيلي والمفهوم التعبيري في النص الحروفي الذي اتعامل معه كزخرفة وكتوصيف وتواصل وهو ما جعلني أيضا أتواصل مع مقتنين لهم علاقة بالقضايا الإنسانية على غرار متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية أو مركز الطارق أوتيزم كلوب والذي من خلاله خضت تجربة المنصة الرقمية NFt التي تعرض الأعمال الفنية وتسمح للفنان بتسويق أعماله وبيع نسخ منها داخل هذا العالم القادر على الانتشار والتسرب والتعريف أكثر بالفن والتواصل مع أكثر عدد من المهتمين والمتابعين والفنانين.
للحرف العربي حضوره القوي وكل ما أسعى له هو تقديمه في لوحاتي الحروفية بتكوينات وتشكيلات لونية تعطي للوحة آفاقا وطاقات جمالية جديدة متوائمة بين الحرف والتكوين بطريقة متناغمة وتقدم الحرف كحامل مطلق للعمل التشكيلي.
< الحروفية المعاصرة كيف تراها وما هو دور الحرف العربي في التشكيل الفني المعاصر إذا ما قسناه على تجربتك؟
التشكيل الحروفي المعاصر يعرف أوج تطوراته على مستوى الحركة والبحث والنهل من الموروث وتطويعه بصريا مع اعتماد التقنيات الرقمية والخامات المستحدثة والمفاهيم الجديدة لذلك دخلت الحروفية عوالم الصورة والمشهد بشكل جدا عميق ومنفتح وجمالي وفني حيث لا يمكن أن يتوقف التجريب ولا الحركة وبالقياس على تجربتي فقد استفدت جدا من المواكبة واستطعت الحفاظ على مقاييس الجمالية الحروفية مع مغامرة التجريب الناضج والمنعتق والممنهج حسب تفاصيل التوجيه الفني الجريء.
فمسيرتي بدأت مع اللوحة منذ العام 1994 ومنذ ذلك الوقت الى الآن مرت بالكثير من المراحل والتجارب ومنها تجربة الصورة والتصور والكلمة بين الخط والشعر ولهيب المدن بقياس الحركة الحروفية على زخرفات المدن ودمجها مع الصورة الفتوغرافيا كوسيط مدمج على محمل الحرف وهندسته، وكل تجربة خضتها لها دوافعها وأحداثها وظروفها وانعكاس الواقع عليها بحيث كل مرحلة كانت تحاكي الواقع من خلال الطرح الفني باللوحة، والبحث والتجريب اللوني أوصلني لمعادلة فنية نوعا ما في مجال التجريد اللوني واستلهام الحرف العربي إلى أن وصلت إلى ماهي عليه اللوحة ومسار التجربة وبالتالي حاول أن أنضج الحرف بالتوازي مع التشكيلي الممزوج بالروح الإنسانية والرمزية والهندسة والنصوص الأدبية والخوض في تفاصيل الحركة والتناغم وخلق تفاصيل جمالية جديدة ترتقي باللوحة الحروفية أبعد في تطويرها لذاتها واستقلاليتها التي تجعل منها منهجا تشكيليا طيّعا وحرا.
< للأحداث في سورية مخلفاتها النفسية كيف أثّرت فيك وكيف اندفعت للتعبير عنها فنيا؟
> بالتأكيد أي فنان هو جزء من المجتمع الذي ينتمي إليه وأنا كسوري كان يعنيني ما يحدث بكل تفاصيله وعملت جاهدا لتوثيق شيء منه في أعمالي وإعطاء الإنسان في هذه الأحداث الأهمية الأكبر وبهذا الخصوص أنجزت بعض الأعمال وأهمها كانت التغريبة السورية التي وثّقت فيها التهجير وإفراغ المدن من أهلها وركوب البحر والغرق والموت بكل أشكاله وأيضا احدى اهم أعمالي وهي كانت التوثيق للمواقع الأثرية والتاريخية السورية والضرر الذي لحق بها نتيجة الحرب والصراع في سورية، وأعتقد أن محاكاة الواقع والتأثر به ومعايشته بكل تفاصيله ومحاولة التعبير عن كل تلك التراكمات النفسية والحسية والذهنية لا يقف عند التفاعل السطحي معها بل إعادة صياغتها إنسانيا والتعبير عنها فنيا برقي قادر على اكتساح المشهد المألوف أو التوثيق لأن الفن لا يعتبر توثيقا بقدر ما يعتبر تخليدا إنسانيا وفكرة الوطن بكل ما مرّ وتوالى هي فكرة خالدة رغم كل المآسي من حقنا كفنانين الحفاظ عليها والتعبير عنها.
الأعمال المرفقة:
متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية
Farhat Art Museum Collections




