سياسة

التوقيع بمداد الشرايين

الجميل الفاضل

«ميثاق سلطة الشعب» الذي توقع عليه غدا «لجان المقاومة» ليس حدثا عابرا تعدو به الريح كيفما اتفق. بل أتصور ان هذا الميثاق الذي يقابل الي الان على الاقل بقدر من البرود والحيرة وربما الاستهانة.. سيكون علامة فارقة. تضع نقطة، وتفتح سطرا، لتفسح طريقا يفضي لغد أفضل، ولمرحلة تختلف. فالمجترون للتاريخ شأنهم شأن الابقار الكسولة، التي تدمن بحكم العادة مضغ ما تستعيده من جوفها من خشاش. وبطبيعة الحال تظل كذلك هي العقول الجامدة موصولة باوتاد الامس والماضي والتاريخ، ترعي في ذات الفلك بقيدها.  فالنضج وصحة الفكر، وصواب الرأي.. كما يقول المفكر المغاربي محمد عابد الجابري: أمور ليست خاصة بالكبار وحدهم، كبار السن، وكبار «العلم».. ويمضي الجابري الي القول: إن ما يكتبه الشباب بصدق ومعاناة. يكون في الغالب أقرب إلى كبد الحقيقة مما يكتبه «الكبار» الذين كثيرا ما تشوش المداراة والمراوغة وكثرة الحسابات والاعتبارات رؤيتهم؛ وتعقل ألسنتهم؛ وتعكر صفو فكرهم.

اذن فان بروز لجان المقاومة في العام ٢٠١٣ كأول تنظيم شبابي ثوري عابر للانتماءات الايدولوجية، والولاءات الحزبية.. لا يقل أهمية في التاريخ عن ظهور مؤتمر الخريجين العام في العام ١٩٣٨ الذي بدأ كأول محاولة مستقلة للتعبير عن تطلعات الشعب.. وبروح قومية متجردة خالصة لا تشوبها شائبة.  فإن ميثاق سلطة الشعب الذي سطرته لجان المقاومة تحت دخان قنابل الغاز، وبمداد يخرج مع الأرواح من شرايين الشباب المتفجرة، لابد أن يأتي معبرا بالضرورة عن روح أطول ثورة سودانية نفسا وعمرا، واوسعها نطاقا وتنوعا وشمولا.. رمت بظلها الوارف العريض على كل ارجاء البلاد.. احياء وقري ومدن.  ان توقيع هذا الميثاق يمثل تطورا نوعيا كبيرا ينقل لجان المقاومة من كونها تنظيمات قاعدية يقتصر دورها على تنظيم وقيادة العمل الميداني للحراك الثوري، إلى بناء تنظيم موحد في إطار هيكلي مرن قادر على انفاذ برنامج سياسي مشترك يترجم شعارات هذه اللجان المطالبة بحكم مدني خالص الي واقع.. دون اغفال بالطبع لأهداف الثورة الكبرى المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة.

لام .. ألف

يقول خاليوت بن بعانخي في مقدمة ميثاقه المسطور بمعبد البركل: «لكي أرسم الطريق للأحفاد الذين يأتون بعدي في هذه الدنيا، والي الذين يخلفونهم والي الابد».  انني لا اكذب، ولا اعتدى على ملك غيري، وقلبي ينفطر لمعاناة الفقراء، انني لا اقتل شخصا دون جرم يستحق القتل، ولا أقبل رشوة لأداء عمل غير شرعي، انني لا اعتدى على ممتلكات المعبد «الدولة» بل أقدم العطايا للمعبد.  انني أقدم الخبز للجياع، والماء للعطشى، والملابس للعاري.

حالتي

اشهد الا انتماء الان … الا انني في الآن لا

————————————-

الجنرالات بين المطرقة والسندان

ليس ثمة أغرب في تاريخ انقلابات السودان علي الإطلاق، التي بلغت نحوا من (17) انقلابا، فشل منها ما فشل، ونجح منها ما نجح .. من هذا الانقلاب المشؤوم علي البلاد والعباد، الذي قاده علي حين غفلةٍ وغِرةٍ، له وعليه في آن معا..  الجنرال البرهان في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي.

فهو انقلاب بالطبع كسائر انقلابات العسكر في الدنيا، من وجه اعتماد قادته على القوة المادية المسلحة، التي وضعها الشعب بأيديهم، أو قل ائتمنهم عليها..  كعنصر غواية، وغلبة، وإرغام.

بيد أنه في الحقيقة انقلاب «أخرق» بمعني الكلمة، استحق عن جدارة وصف المفكر السياسي الحاج وراق له بالانقلاب «الخلاقة» الذي بدا فضلا عن «خلاقته» كاختيار أرعن من حيث المناخ الدولي والإقليمي الرافض بالمطلق لفكرة ونموذج الحكومات الانقلابية، وكذا لطبيعة الحالة الثورية التي ظلت تسيطر علي البلاد لثلاث سنوات كاملة، بل ولضعف عناصر الاسناد والتنفيذ المعقدة للغاية التي تظني الانقلابيون أنها كافية لنجاح واستدامة تجربتهم الانقلابية الفجة والفطيرة. 

لكن الأدهى وأمر في انقلاب البرهان، اجتراره لأساليب ونهج تجربة الحكم الإخواني الذي جثم علي صدر البلاد لثلاث عقود، تلك التجربة التي كبدت الإنسان السوداني خسائر فادحة، ليس أقلها فقدان البلاد لأكثر من ثلث مساحتها، علاوة على حشر السودان في نفق العزلة الدولية الخانق، بعد وضع إثمه تحت لائحة الدول الراعية للإرهاب.

فالانقلاب أعاد أو كاد أن يعيد البلاد، الي وضع العزلة، إضافة لتبديده فرص استثمار دولي تقدر بنحو ثلاثين مليار دولار، ناهيك عن ضياع منح وقروض مباشرة من مؤسسات التمويل الدولية كان ينبغي ان تدخل الي خزانة البنك المركزي في شهر الانقلاب لا تقل عن أربع مليارات دولار، الي جانب تلويح مجموعة دول نادي باريس بإلغاء اتفاق اسقاط أو تيسير سداد ديون السودان البالغة أكثر من ستين مليار دولار.

ولا يعرف الي الآن على الأقل.. هل ستثمر الضغوط الغربية في تراجع جنرالات الجيش عن الاستمرار في الانقلاب، عبر مبادرة الآلية المشتركة التي تقودها الامم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والإيقاد.

أم يذهب الجنرالات في تحدي ارادة الشارع السوداني، وفي تحدي رغبة المجتمعين الإقليمي والدولي، الي نهاية هذا الشوط الخاسر لا محالة.

فالمعطيات تشير الي أن الجنرالات الذين رزحوا لنصف عام تقريبا، لن يصمدوا طويلا.. بين مطرقة الحراك الثوري، الذي يظاهره دفع دولي، وسندان شهوة الحركيين الإسلاميين العارمة والمجنونة، الغارقة في التطلع لاستعادة عرش السلطان المفقود مهما كان الثمن ، حتي لو كان هو الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق