سياسة

السودان … أخطاء مكررة للإسلاميين

عبد الحميد عوض

في مارس/آذار الماضي، بدا أن إحساس قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالخيبة والإحباط، قد وصل قمته، بعد فشله في الحصول على دعم سياسي ومالي، أثناء جولته إلى السعودية والإمارات. وهو دعم كان ولا يزال يرغب فيه للخروج من العزلة الخارجية والداخلية التي وجد فيها نفسه عقب انقلابه في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وما تلاه من تداعيات. وبعد عودته إلى السودان، فتح البرهان الطريق أمام عودة النظام القديم ممثلاً في التيار الإسلامي المُطاح من السلطة، أي حزب المؤتمر الوطني. وتم ذلك عبر السماح له بالنشاط العلني على الرغم من قرار حظر الحزب، من خلال تعيين عدد من الوجوه المحسوبة عليه في مناصب تنفيذية رفيعة، وعودة الآلاف للعمل في الخدمة المدنية بعد فصلهم بواسطة لجنة كانت معنية بتفكيك هيمنة النظام على مفاصل الدولة، ورُدّت لهم ممتلكاتهم التي صادرتها اللجنة نفسها. وذهب البرهان أبعد من ذلك باعتقال أعضاء اللجنة. ويؤشر هذا الوضع إلى تحالف، ولو مرحليا بين الإسلاميين والعسكر، حده الأدنى من الأهداف هو “أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب”.

فالطرفان لديهما في هذه الفترة خصم واحد هو تحالف المعارضة بصورته الجامعة، بما يشمل قوى إعلان الحرية والتغيير، والحزب الشيوعي، وتجمع المهنيين ولجان المقاومة. وبعيداً عن حسابات العسكر، وقريباً من حسابات الاسلاميين، فإنهم وبهذا التحالف يكررون خطأً تاريخياً، برمي ثقلهم على العسكر ليحملوهم إلى السلطة. فهم تناسوا أنهم لدغوا منهم أكثر من مرة، الأولى في العام 1999 حينما أطاح الجنرال عمر البشير حسن الترابي عرّاب الحركة الإسلامية السودانية وعرّاب انقلاب 1989 الذي جاء بالبشير إلى السلطة. أودع البشير الترابي في السجن وهدد بقتله، طبقاً لما تواتر من روايات قريبة من البشير. أما اللدغة الثانية فكانت في العام 2019 حين قرر العسكر الحاليون أنفسهم بقيادة البرهان، التمظهر بالانحياز للشارع، لإطاحة نظام الإسلاميين ومن ثم الانفراد بالحكم.

وما خطبهم لودّ الإسلاميين مرة أخرى إلا هبوطاً اضطرارياً ينتهي بزوال المطبات، ولعل الإسلاميين أنفسهم هم أول من يدرك تباعد أجندتهم مع العسكر، في مواقع عدة أبرزها علمانية الدولة والتطبيع مع إسرائيل. الخطأ الثاني الذي سيقع الإسلاميون فيه، هو العودة إلى الحكم من دون مراجعة تجربتهم السابقة في الحكم، والاستفادة من أخطائها، وما أكثرها. فالحركة التي حكمت السودانيين بقبضة حديدية في سنوات سابقة، لا تزال بعيدة من قضايا الحريات العامة. والدليل أنها تقف الآن على الحياد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي يقوم بها العسكر، بما في ذلك القتل اليومي في شوارع البلاد المنتفضة. وحتى منهج استخدام الإسلاميين للخطاب الديني بعد واقع تجربتهم في الحكم بحاجة أيضاً لمراجعات ومكاشفات. خطأ أخير لا يقل جسامة عن سابقيه، هو أن الحركة الإسلامية السودانية ترغب في العودة بذات الوجوه القيادية القديمة التي ارتكبت أخطاءً عدة، وإذا لم تتدارك الحركة كل تلك الأخطاء، فستُلدغ من الجحر مثنى وثلاث ورباع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق