سياسة

حامد بشرى والصراع الروسي /الأوكراني (2-3)

حامد فضل الله/ برلين

قام الكاتب والصحفي دانيل آرك ” Daniel Erk ” بإجراء حديثٍ مع المؤرخ الأمريكي تيموثي سنايدر ” Timothy Snyder ” وقد تم نشر المقابلة في الصحيفة اليومية البرلينية

” Tagesspiegel ” بتاريخ 14 أبريل 2022

هنا نقدم ملخصاً وافياً لهذه المحادثة، والتي تمثّل وجهة نظر أمريكية أخرى، تختلف عن وجهة ننظر الباحث الأمريكي الأخر (جون ج. ميرسهايمر)، الذي قدمناه في الحلقة الأولى.

ــ دانيل أرك: السيد سنايدر، إنك تعتبر أشهر خبير بأوكرانيا في الولايات المتحدة وقد ألفت العديد من الكتب عن الدولة وأوروبا الشرقية. هل فوجئت بقسوة هجوم الجيش الروسي؟

ــ تيموني سنايدر: لا، كان الغزو الروسي منذ البداية حرب إبادة، وقد أُعُلن على هذا النحو. من الواضح أنّ حديث بوتين عن “نزع النازية” كان يدور حول تدمير الأمة الأوكرانية، ولم يكن لها أي علاقة بالنازيين الفعليين، لأنّ روسيا نفسها تدعم النازيين. ولكن وفقاً للتعريف الروسي الرسمي، فإن أي أوكراني يرفض الاعتراف بأنّه روسي في الواقع هو نازيّ. وعن طريق “نزع السلاح” عنىَ بوتين تدمير الدولة الأوكرانية ذات السيادة. لا يمكن أن تكون أي دولة ذات سيادة منزوعة السلاح.

ــ هل تعتقد أن تصاعد العنف من قبل الجيش الروسي هو ردّ فعل على المقاومة الهائلة من قبل الأوكرانيين أيضاً؟

ــ لا، لو كانت روسيا قد حققت نصراً سريعاً، لكان هناك عنف مروع ضدّ المدنيين أيضاً – وهذا واضح  في أي مكان تسيطر فيه روسيا على الأراضي الأوكرانية أيضاً. بدلاً من ذلك، صدت المقاومة الأوكرانية العنف الروسي.

ــ لماذا هاجم بوتين أوكرانيا من كلّ مكان؟ في ظل ظروف سياسية مختلفة، هل كان يمكن للعدوان الروسي أن يصيب بيلاروسيا الديمقراطية أو دول البلطيق؟

ــ السبب الأول هو أننا نتعامل مع هوس مُحدد للغاية لفلاديمير بوتين. لقد كان بوتين واضحاً جداً بشأن أوكرانيا، لا سيما منذ عودته كرئيس في عام 2012. تحدث في عام 2013 ، خلال زيارة إلى كييف، عن كيفية تشابك أوكرانيا وروسيا روحياً بإرادة الله.

ــ والسبب الثاني؟

ــ كلما تقدم بوتين في السن، زاد تفكيره في إرثه والإنجازات الميتافيزيقية العظيمة – و هي أقل وأقل في روسيا كما هي بالفعل. أعتقد أنه يرى تدمير أوكرانيا ودمجها في إمبراطورية أكبر بمثابة الانتصار العظيم الأخير له في سيرة حياته كرئيس دولة.

ــ إذا كنت محقاً في ذلك، فلن يكون هناك سلام، يتم التفاوض عليه سياسياً في نهاية المطاف.

ــ هذه مشكلة: يفكر بوتين بمصطلحات سياسية غير مفهومة تماماً لمعظم السياسيين الديمقراطيين وغالبيتهم في الغرب. لهذا السبب لا علاقة للحرب بما قامت به أوكرانيا. الحرب لها علاقة بالمسار الشخصي لبوتين، فحاكم روسي آخر سيتخذ قرارات مختلفة. ثالثاً، لا ينبغي لأحد أن ينسى أن بوتين قد وصل إلى ذروة طغيانه. لا يوجد مجتمع مدني أو برلمان أو أي مؤسسة أخرى يمكن أن تسيطر عليه. مصالح بوتين الشخصية ورغباته تحكم كل شيء. لقد أصبحت روسيا دولة طاغية مثالية. وقد ساهمت الدول الأوروبية في ذلك. لو كان ردّ فعل أوروبا أكثر قسوة على الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2014 ، لو لم يتجاهل الغرب إلى حدّ كبير جرائم الحرب في سوريا، لكان ذلك على الأقل نوعاً من السيطرة الخارجية.

ــ  لذلك كان لا بد لبوتين، أن يكون له الانطباع، بأنه لم يعد هناك أي شخص يمكن منعه.

ــ لقد ارتكب الأوروبيون والأمريكيون أخطاء جوهرية. أولاً ، من خلال الاستمرار في معاملة روسيا كدولة طبيعية. كنا في الغرب نخشى من استخدام المقولات الأيديولوجية التي كانت مناسبة لفترة طويلة – مقولات مثل اليمين المتطرف أو الفاشية. هناك الكثير من الجدل في أوروبا وأمريكا حول من هو الفاشي. لكن الأمر يبدو كما لو كنا عُميان عن المركز الحقيقي للفاشية في العالم. إنها موسكو.

ــ ما هي الأخطاء الأخرى التي ارتكبها الغرب؟

ــ كان ينبغي أن نتفاعل في عام 2014 كما نتصرف الآن. نفذت روسيا  في عام 2014 غزواً غير قانوني تماماً لشبه جزيرة القرم أيضاً. لكن الغرب واجه صعوبة في إدراك ما حدث بالفعل. انتظر الأوروبيون حتى يوليو  2014، حيث تم أسقاط طائرة الركاب الماليزية، قبل أن يأخذوا الغزو الروسي لأوكرانيا على محمل الجدّ. خطأ أخر وهو خطأ ألماني على وجه التحديد: لم يعتبر الألمان أوكرانيا كذات، بل كتابع.

ــ ماذا تقصد بذلك؟

لقد أساءت ألمانيا باستمرار فهم الحرب العالمية الثانية، بطريقة تتجاهل أوكرانيا تماماً وتضع روسيا في المركز. قلة قليلة من السياسيين الألمان قادرون على قول شيء بسيط مثل: كانت أوكرانيا هدف هتلر الرئيسي في الحرب العالمية الثانية. أو: قد قُتل من  المدنيين الأوكرانيين في الحرب العالمية الثانية أكثر من الروس. إنها لمغالطة كبيرة ألا نأخذ التاريخ على محمل الجد. لذلك تتحمل ألمانيا قدراً كبيراً من المسؤولية، عن قدرة روسيا، أن تعتبر أوكرانيا كمستعمرة..

ــ هل كان هذا سبب الاعتماد غير المسؤول على روسيا فيما يتعلق بسياسة الطاقة في الماضي أيضاً؟

ــ نعم ، هذا بالطبع جانب آخر من جوانب مسؤولية ألمانيا: سياسة الطاقة. إذا نظرت إلى تاريخ الغرب في القرن الحادي والعشرين، فإن حرب العراق تتبادر إلى الذهن، والتي كانت بالطبع خطأً استراتيجيا وأخلاقياً فادحاً. وسياسة الطاقة الألمانية أيضاً، والتخلي عن الطاقة النووية وقرار الاعتماد الكامل على الغاز الطبيعي الروسي، لقد كانت كارثة أخلاقية وجيوسياسية.

ــ كيف ذلك؟

ــ كان نورد ستريم 2 على وجه الخصوص فضيحة أخلاقية منذ البداية، لأن منطق نورد ستريم 2 كان أساساً هو أن روسيا غزت أوكرانيا ثم كافأتها ألمانيا بتسهيل إمدادات الغاز الروسي. وبذلك ، حُرم الأوكرانيون من إحدى الرافعات المالية القليلة، وإحدى وسائل الضغط التي كانت لديهم ضدّ روسيا أيضاً ، وهي خطّ الأنابيب عبر أوكرانيا. تأثرت النظرة الألمانية لأوروبا الشرقية والتاريخ الألماني منذ عام 1945 بعاملين. أولاً: التركيز على الهولوكوست البولندي. ومن ناحية أخرى، التفاهم مع روسيا بخصوص تعويضات الحرب العالمية الثانية.

ــ هل يؤدي هذا إلى سوء تقدير للسياسة الروسية؟

ــ من الإنصاف، إذ يستحق الألمان الفضل على الإطلاق في التفكير في الماضي – وهو أمر فريد تماماً بين الديمقراطيات الحديثة. لكن من المهم فهم الماضي بشكل صحيح. عندما يتحدث الناس عن الحقبة النازية والمحرقة في ألمانيا،  يكون هناك تركيز كبير على معسكرات الاعتقال وأوشفيتز. بالطبع،  كانت أوشفيتز موقعاً مروّعاً للمحرقة (للهولوكوست) ولا شكّ في ذلك. وقتل هناك مليون يهودي.

ــ لكن أوشفيتز يقلل بشكل جذري من جغرافية الهولوكوست في هذا المكان الوحيد. ماذا يعني هذا بالنسبة لأوكرانيا؟

لقد تم ارتكاب الهولوكوست، لأنّ ألمانيا كانت تشن حرباً استعمارية في الشرق. كان هدفها الرئيسي غزو أوكرانيا، البلد الذي يسكنه العديد من اليهود. خطأ آخر هو الخلط بين السوفييت والروس. صحيح أن النازيين انتهجوا سياسة، قتلت ملايين السلاف وكانت مُصممة على قتل ملايين آخرين من السلاف. لكن هؤلاء السلاف لم يكونوا من الروس فحسب، بل كانوا بيلا روسيين وبولنديين وأوكرانيين أيضاً. بشكل عام، قُتل من الأوكرانيين أكثر من الروس.

هل تعتقد أن هذه النظرة الخاطئة للتاريخ الألماني كانت السبب الأعمق لسوء تقدير السياسة الروسية؟

هناك علاقة مباشرة بين الأساطير الألمانية وذكريات الحرب العالمية الثانية من ناحية، والفشل في عدم أخذ أوكرانيا على محمل الجد وإعطاء الأفضلية دائماً لروسيا من ناحية أخرى. لكن بوتين يرى أن الذنب الألماني مورد جيوسياسي. لقد غرست روسيا الذنب الألماني وهي تبذل قصارى جهدها لتوجيهه في اتجاهات معينة. أفهم أنّ الألمان يفكرون في الحرب العالمية الثانية. لكن من الخطأ إعطاء نظام يميني متطرف مثل روسيا القوة، ليقرر كيف تفعل ألمانيا ذلك.

ــ قلت إنّ ألمانيا سمحت لروسيا برؤية أوكرانيا كمستعمرة. هل تعتقد أنّ الحرب في أوكرانيا هي نوع من إعادة الاستعمار؟

ــ إنه كذلك بالتأكيد “الاستعمار” هو النموذج الأكثر أهمية هنا. عندما غزا الكومنولث البولندي أوكرانيا في القرن السادس عشر،  كان ذلك بمثابة استعمار. عندما غزت النمسا وألمانيا أوكرانيا في عامي 1917 و 1918 ، كان ذلك بمثابة استعمار، أو على الأقل محاولة استعمار. كانت فكرة “سلة الخبز” من ورائها. حتى تزود أوكرانيا بكلّ الطعام الذي يحتاجه الجيش الألماني للفوز بالحرب العالمية الأولى. في النهاية، لم يحدث ذلك ، لكنها كانت فكرة استعمارية.

ــ كيف ترتبط الحقبة السوفيتية بهذا؟

كان برنامج ستالين لتحديث الاتحاد السوفييتي في الواقع، استعمارياً صريحاً فيما يتعلق بأوكرانيا. اعتقد ستالين أنّ الاتحاد السوفياتي يجب أن يمرّ بجميع مراحل الرأسمالية،  بما في ذلك المرحلة الإمبراطورية. وقال على وجه التحديد إن الاتحاد السوفييتي يجب أن يكون لديه برنامج استعمار ذاتي. كان هذا يعني أنه كان لابد من استغلال الأراضي الخصبة لأوكرانيا من أجل تصنيع الباقي. أدى هذا إلى مجاعة، أودت بحياة حوالي أربعة ملايين أوكراني.

هولودومور،  “القتل عن طريق الجوع” في بداية الثلاثينيات، والذي قدرَ بحياة ثلاثة إلى سبعة ملايين شخص.

كان لهتلر صورة استعمارية لأوكرانيا أيضاً. كان يعتقد أن الأوكرانيين شعب بدائي استغلتهم “القيادة اليهودية للاتحاد السوفيتي”. لهذا السبب، اعتقد هتلر أنّ كلّ ما على ألمانيا فعله هو غزو الدولة السوفيتية وتدميرها – وسيكون الأوكرانيون سعداء. لكن خطّة هتلر كانت استخدام الطعام الأوكراني واستخدامه لبناء الرايخ الألماني الأكبر أيضاً. لذا فإن طريقة بوتين في الحديث عن أوكرانيا هي مجرد جولة أخيرة من الخطاب الإمبراطوري الذي يستهدف أوكرانيا. الفرق هو أنّ الأوكرانيين يقاومون هذه المرة.

ــ إذن  في النهاية، كانت القوى الأوروبية الكبرى كلها مهتمة بأوكرانيا – لكنها تجاهلت الأوكرانيين؟

  ــ نعم. هذه هي بالضبط الطريقة التي تعمل بها الأيديولوجية الاستعمارية. إذا كنت ترغب في جني أرباح مجنونة من بلد ما، فستجد سرداً استعمارياً لتبرير هذا المسعى أيضاً. ثم يُفهم الأشخاص الذين يسكنون الأرض على أنهم “غير موجودين حقًا” أو “أدنى منزلة”. إنهم محرومون من تاريخهم ولغتهم وحقوقهم. يقول بوتين كلّ هذه الأشياء عن الأوكرانيين. إذا تحدث الأوروبيون بهذه الطريقة عن شعب خارج أوروبا، فسيعترف الجميع على الفور بأنه مستعمر – ويدينونه. لكن يمكن للأوروبيين استعمار الأوروبيين أيضاً. يُظهر التاريخ ذلك بوضوح شديد. يجادل بوتين مثل المؤرخ الهاوي الذي يعتقد أن بلاده لها الحق في مناطق معينة، متجاهلاً كلّ ما يجادل ضدها.

ــ تعجبني فكرة بوتين كمؤرخ هاوٍ.

ــ إذا وضعنا كلّ الرعب جانباً للحظة، فهذا شيء أراه كثيراً كمؤرخ: إنه مثل أولئك الأشخاص الذين يقرؤون كتابين ثم يفكرون،  بثقة كبيرة، أنهم يستطيعون تعليم أي شخص آخر. الفرق هو أن بوتين رئيس دولة ولديه جيش. كان الهجوم الروسي على أوكرانيا يُفهم في ألمانيا غالباً، على أنه “حرب بين الأشقاء”.

ــ ربما لا يرى الناس في أوكرانيا الأمر بهذه الطريقة.

ــ هذا هو الشيء الغريب في هذه الاستعارات العائلية: إذا ادعى شخص ما بأنه أخوك،  فمن المحتمل أن تسأل نفسك. بالطبع ، كان هناك شعور تقليدياً بأن الأمة الأوكرانية والأمة الروسية قريبان من بعضهما البعض. لكن ذلك انهار في عام 2014. كانت “الأخوة” في الاتحاد السوفيتي، ذريعة لغزو دول أخرى أيضاً. وكان المصطلح التقني لهذا هو “الدعم الأخوي”.

ــ ما هو هدف بوتين الجيوسياسي الأكبر؟ هل يريد السيطرة على دول البلطيق وبيلاروسيا وأوكرانيا ومولدوفا كلها؟

لست متأكدا. تُحكم روسيا من قبل شخص مصاب باضطراب القلق الديموغرافي.

ــ تقصد: بوتين يخشى أن تموت روسيا في النهاية بسبب معدل المواليد المنخفض؟

ــ نعم. لكن من وجهة نظر بوتين، الأوكرانيون مجرد روس،  سواء كانوا يعرفون ذلك أم لا. وبالتالي فإن الحرب هي فرصة لبوتين ليخترع ببساطة ملايين الروس. وفقاً لاتفاقية الإبادة الجماعية، فإن أفعاله هي بالضبط: الإبادة الجماعية. الطريق إلى هناك هو قهر الدول وتدمير النخب وإعادة بناء النظم التعليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق