ثقافة وفن

مؤتمر معجم الدّوحة التّاريخيّ للُّغة العربيّة وأبعاده العلميّة والحضاريّة

مقبل التّام الأحمديّ

صُنِّف، قُبيل تَصَرُّم القرن الثّاني الهجريّ، أوّلُ معجم لُغويٍّ عرفته العربيّة، وهو كتاب «العين»، صنّفه أحد أساطين ذلك العصر، وهو الخليل بن أحمد الفَراهيديّ المتوفَّى نحو 175هـ، وهو مَنْ هو بَصَرًا وبصيرةً، صاحب الرُّؤية النّافذة والعقل المبدع المبتكر، وكان تصنيفه في وقت كان فيه العَرَب قد اختلطوا بغيرهم من الأُمم الأخرى رومًا وفُرْسًا وغيرهم، ولا سيّما في الدّولة العبّاسيّة، فكثر لذلك اللَّحن، وفَشَتِ العُجْمة، وصارت الحاجة مُلِحّة إلى وضع معجم يحفظ للعرب لغتهم، ويكون مادّة صالحة لغيرهم من الأقوام الّتي دخلت الإسلام، وصارت تحت النّفوذ العربيّ.

وصُنّف، في نهاية القرن الثّاني عشر الهجريّ، آخرُ معجمٍ للعربيّة على الطّريقة التّقليديّة، وكانت العُجْمة وقتئذٍ ضاربةً أطنابها في أكثر الأمصار العربيّة، لتَغَلُّب غير العرب على حُكْم تلك الأمصار، حتّى صارت العربيّة غريبةً في مضاربها، وصار المتغلِّبون لا يكادون يفقهون قولًا في العربيّة، فكان كتاب الزَّبيديّ المتوفّى سنة 1205هـ: «تاج العروس من جواهر القاموس»، وهو من أعظم المعجمات جِرْمًا، وأكثرها فائدة وحَشْدًا، وأَسْيرِها ذِكْرًا.

أمّا وقتنا المعيش هذا، فالعربيّة رغم انتشار التّعليم، وفُشو مدارسه وجامعاته ومراكزه البحثيّة، قليلةُ النًّصْرة أمام السَّيْل الجارف للُّغات الأجنبيّة، ولا سيّما الإنكليزيّة والفرنسيّة، لأسبابٍ لا مجال لحصرها في هذه العُجالة، إلّا ما كان من ذِكْر طُغْيان أدوات التَّخاطُبِ السّمعية والمرئيّة والمكتوبة على الحياة المعيشة بمختلف جوانبها؛ ولهذا معالجات كثيرةٌ، ليس ههنا مجال الكلام عليها أيضًا.

غير أنّ ثمّة حَدَثًا من شأنه أن يُبَدِّد سحائب التَّشاؤم حول واقع لُغتنا العربيّة وآفاق مستقبلها، وهو ميلاد فكرة المعجم التّاريخيّ للُّغة العربيّة، قبل نحو عشر سنوات، ثمّ انطلاق هذه الفكرة الطَّموحة مشروعًا سَبّاقًا رائدًا في دولة قطر، بكلّ ما تمثّله هذه الدّولة من ريادٍة وإرادة، وهِمّة بقَدْر أُمَّة، فكان «معجم الدّوحة التّاريخيّ للُّغة العربيّة»، والّذي  يُعدّ نهضةً علميّة، وثورةً معرفيّة، ونقلةً في رَصْد تطوّر معاني اللُّغة العربيّة، وهو بهذا وبغيره، سيفوق ما قبله من المعجمات في اللُّغات الأخرى، لثَراء مادّة اللُّغة العربيّة، وسَعة مدوّنتها، وبتجاوز أرباب المعجم وصُنّاعه للأخطاء الّتي صاحبت بدايات التَّجارِب في صناعة معجمات اللُّغات الأخرى، وبالإفادة من الطّرائق الصّائبة لصُنّاع تلك المعجمات، فضلًا عن الاستفادة غير المحدودة من أدوات العصر الّذي نعيشه، وتسخير تلك الأدوات، كالحاسوب والموسوعات وما هو مبذول على  الشّابكة، وغير ذلك من أدوات الإحاطة بمفردات اللُّغة العربيّة؛ إمّا من خلال استعراض المدوّنة الخاصّة بالمعجم، أو من خلال المدوّنات الأخرى المتاحة على الشّابكة، يُضاف إلى ما تقدّم سرعة الحصول على المعلومة اليوم أنّى كانت، وهذا ما لم يكون متوافرًا في اللُّغات الأخرى أيّام صناعة معجماتها التّاريخيّة، ولعلّ هذا من أهمّ الأسباب الّتي قد تجعل المعجم  متاحًا في حياة صُنّاعه؛ إذ جُعل سَقْف المدّة الزّمنيّة لصناعة «معجم الدّوحة التّاريخيّ للُّغة العربيّة» خمسة عشر عامًا، قد مضى أكثرها، في حين استغرقت المعجمات الأخرى عقودًا ذوات عدد، بلغ زمن صناعة بعضها نحوًا من نصف قرن، في حين تراخى عمر بعضها إلى نحوٍ من قرن.

ويأتي اليوم، ونحن على أعتاب إنهاء المرحلة الثّانية من عمر معجم الدّوحة التّاريخيّ للُّغة العربيّة، وبعد نحو ثلاث سنوات من إنهاء المرحلة الأولى، وهما مرحلتان اشتملتا على نحو عشرة قرون من عمر العربيّة، تنتهى بنهاية القرن الخامس الهجريّ، عَقْدُ المؤتمر الدّوليّ الثّالث لمعجم الدّوحة التّاريخيّ للُّغة العربيّة، وأبعاده العلميّة والحضاريّة، وشارك في المؤتمر نحوٌ من أربعين من علماء العربيّة وأساتذتها، في اختصاصات شتّى؛ واستغرق يومين تامّين (10- 11 مايو/ أيار 2022)، بسط فيهما عَروضٌ فيها زُبدة ما انتهى إليه خبراء المعجم، الّذين يبذلون أقصى الجهد، ويصلون اللّيل بالنّهار لإنهاء المرحلة الثّانية وفقًا للسّقف الزّمني المضروب لها، مع مراعاة أعلى مستويات الجودة، فضلًا عن المراجعة والاعتماد بعد الفراغ من التّحرير، الّذي هو لُبّ الصناعة المعجميّة. وقد كُسِرت جلسات المؤتمر إحدى عشرة جلسةً، سبقها الجلسة الافتتاحيّة الّتي استهُلّت بكلمتين جامعتين للمدير العام عزمي بشارة، والمدير التّنفيذي للمعجم عزّ الدّين البوشيخيّ؛ وقد فُرِزت الجلسات بحسب موضوعاتها.

وبالنّظر إلى ما تقدّم من مشتملات المؤتمر يلحظ النّاظر البعدين العلميّ والحضاريّ للمعجم، ويلحظ بوضوح أيضًا أنّ المعجم التّاريخي للُّغة العربيّة ليس مَحْض معجم للمعاني، يسرد المفردات كما هي مبسوطة في المعجمات، وإنّما هو راصدٌ أمينٌ لتطوّر الكلمة العربيّة على مدى عشرة قرون، وهو بهذا البعد يربط  الحاضر بالماضي في محاولة جديدة وجادّة لاستنطاق المعنى من شواهده الحيّة، وهو بهذا أوّل معجم يعتمد على مدوّنة يَستلّ منها شواهده، ويستخرج من تلك الشّواهد المعاني بألفاظٍ صحيحة قدر الوُسْع، بعد تمحيص وتدقيق عظيمين، يُماز فيهما الصّحيح من  غيره، ويدفع بهما، عن مادّة المعجم، ما كان مصحّفًا أو محرَّفًا. فيكون معجم الدّوحة التّاريخيّ للُّغة العربيّة، اتكّاء على ما تقدّم، قد وفّر لنُشّاد العربيّة مادّة ثرّة، مستلّة من شواهد حيّة، يمكن أن تدار عليها الأبحاث والدّراسات، وتقام حولها النّدوات، ومن تلك الوَفْرة في الألفاظ والمفردات يمكن أن يُعاد قراءة التّاريخ من خلال اللُّغة الّتي جرت على أفواه النّابهين والخاملين، والملوك والسُّوقة، والقضاة والمُجّان، فتكون القراءة بذلك صورة عن المجتمع كلّه من خلال رَصْد للُّغة، وليس من خلال مُصنّفات رصدت حياة طبقة من طبقات المجتمع فحسب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق