ثقافة وفن

سعاد البازي تهمس في أذن القصيدة

اسماعيل السخيري – تطوان

انجرفت موجة الحداثة الشعرية نحو الذات الفردية، فأسكنتها في أبراج عالية وصروح شامخة، لاسيما بعد الهزائم المتتالية التي عرفها العالم أجمع والعالم العربي خاصة، لكن ما الذي يجعل من شاعرة ما تدمن التحليق في سماوات الذات والهروب منها إليها؟،هكذا بدا لنا شعر الشاعرة سعاد البازي المرابط، التي تسكن في منازل الأبجدية وتغادر الكلمات المجترة وتتمرد على ركود اللغة وتنصهر في سوسنات العشق، وتفرغ ملامحها في الشعر ولعل تجربة هذه الشاعرة المغربية التطوانية كفيلة بإدخالنا في مروج التيه و الغوص في درر الكلمات.

هي شاعرة تعيد الاعتبار إلى أقنوم وأساس القصيدة المتحررة على حد تعبير الناقد والشاعر  سعيد يفلح العمراني الذي قدم ديوانها الأخير الموسوم ب: مكعبات كذب الذي صدر عام 2021، ومنه سننطلق للتفرس في تجربة شاعرتنا التطوانية الحداثية، هي تجربة ما كان لنا أن ندخل شعاب بحرها لولا أنها تعد من التجارب الفريدة استنادا غلى معيار الكيف والمضمون وكذا الكم والتراكم، فالشاعرة تنتقي من العبارات أجملها لتسبح بنا في ملكوت اللغة الشعرية المشتهاة، لغة تعيد تشكيل الأشياء والذوات والعالم.

تتكئ شاعرتنا على لغة البيان وهذا واضح وجلي من خلال هذا الديوان»معكبات كذب» حيث نجد في الكتاب العزيز قوله تعالى في سورة يوسف، الآية18 « وجاءوا على قميصه بدم كذب» إن الدم الذي خدع به أخوة يوسف والدهم، ستخدعنا به هذه المرة سعاد البازي، لكن بمنطق خرير شعرها المنساب  وبدم من مجاز، ربما ستسبح بفلك اللغة في تجارب غرامية لم تكن سوى مكعبات كذب واهية، إن هذا الذي تشكل في هيئة مكعبات قادر على أن يتشكل في هيئة شيء آخر، لكن الأصل فيه هو الكذب، لكن هل هو كذب الأيام؟ هل هو كذب إحساس وشعور؟ أم كذب حدس لطالما تنبأ ببزوغ فجر جديد؟..

لا نعلم هذا لكننا نعلم يقينا أن الشاعرة قدمت لنا مكعباتها الشعرية في حلة مجازية راقية أو همتنا من خلالها بصدق وجود معكباتها الكاذبة.

جاء شعر هذا الديوان مرميا بورد اليومي محشوا به، تقول في قصيدتها هذه أنا:

مجنونة

لا أحن إلى العقل

أنا وحصاني نقفز

نخرج من ثغرة مفترضة

في سياج شائك

…إلى آخر القصيدة

الشاعرة التي تشرب اليقين و تهرب من بوتقة الأوهام وتسقي الحبر وتريد الحقيقة وتشرب النهر وتكشف عن منسوب الحب، قادرة على نسف زيف اليومي الكاذب ومواصلة السير من علياء الجرح نكاية في الروتين واستشرافا للحب والوفاء واليقين وهروبا من منحدر الإسفاف والسقوط، تقول في قصيدة من علياء الجرح:

حتى لو أحدثت السقطة دويا

لن أعترف للمنحدر

سأخبره أني

أختصر الطريق إلى النهر..

تواصل الشاعرة عد مكعباتها الكاذبة لتختم الديوان بآخر قصيدة عن الوفاء وهو باب من الصدق يكاد يغيب في معاملاتنا الانتهازية السخيفة، تقول:

هو الوفاء إرث كالأزمة القلبية

كولع القمار

خطأ فريد في الجينات

لن نسأل من دسه

الوفاء ثقيل

الخيانة

ريح ترفع الخفيف

.. إلى آخر كلمات القصيدة

هكذا اتسمت تجربة الشاعرة سعاد البازي المرابط بالانفتاح على جزر الذات الفردية، مرسخة بذلك الاتجاه الذي جسدته الحداثة الشعرية التي أعلت من قيمة الذات الشعرية، فأصبح الدال الشعري خادما لهذه الذات الشعرية وعبدا لها وفقا لدفقة الشاعرة الشعورية، وعليه فإن تجربة سعاد البازي الشعرية كما تجلت لنا من خلال هذا الديوان، هي تجربة خصبة ومتطورة ورومانسية لا تركن إلى الهموم القومية بقدر ما تشيد أسوارا عالية تطل من خلالها ذاتها المنغمسة في اليومي والتفاصيل على قنوات الممكن والمحال والسائد، ومن ثم فإن البصمة التي وضعتها الشاعرة في ساحة الأدب تتسم بالبوح والهمس الضروريين لحيوية كل شاعر وشاعرة داخل حيوات القصيدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق