ثقافة وفن

قصة قصيرة

الخوف من القادم

د. إسماعيل محمد النجار

 مسعود طاهر الطنم، عمل والده في التجارة، داخلياً وخارجياً، وبورصة لندن ودبي بأمواله، ومن استثمر بواسطته. أفلس وخسر كل ثروته بالمضاربات في البورصة، وحجز على أملاكه وسجن، ترك أولاده: مسعود، وعمره خمس سنوات، وثلاثة إخوة أصغر منه، ووالدته المريضة بالقلب.

انتقل الأولاد من فيلتهم الكبيرة في حدة [بصنعاء اليمن]، إلى بيت شعبي صغير في الصافية [بذات المدينة]، ليبحثوا مع والدتهم يومياً عن طعامهم من الصدقة، ليأكلوا يوماً، وتمر أيام دون طعام، وأصيبوا بسوء التغذية، مرض إخوانه الواحد تلو الآخر، وتوفوا جميعاً، عدا مسعود ووالدته، واضطر مسعود للخروج من المدرسة، وعمره تسع سنوات، وبحث عن عمل بجدية للإنفاق على مرض والدته ومعيشتهما، ليحصل على أول عمل في إصلاح الأحذية، وبعدها عامل في مطعم.

ولخوفه من قادم الأيام، يركض مسعود في الشارع للحاق بعمله، وتنفيذ ما يوكل إليه من صاحب العمل، حاملاً جزمته بيده، لتتكون طبقة سميكة متشققة على رجليه المتسختين، وتصبح جزمته أنظف من رجليه، وكل همه وخوفه أن يلحق بإخوانه، ومما زاده رعباً وخوفاً وهلعاً وفاة والدته، وانتابه إحساس أن الدور عليه، ليبذل طاقة وجهداً أكبر في العمل.

أحبه كل من تعامل معه في إصلاح الأحذية والمطعم، ليبحثوا عنه شخصياً؛ لجديته وسرعة إنجازه للعمل، وتعامله بخلق، فأول ما يدخل زبائن المطعم ينادونه، ليحضر إليهم سريعاً، موجهاً انتباهه، ومنصتاً ومتفهماً لكل طلباتهم، ليسجلها مع أرقام الطاولات على ورقة خاصة، ويتابع بجدية، ويحرص على أوقات الزبائن؛ حتى لا يتضايقوا، ويضمن عودتهم في الأيام التالية، وعند دفعهم الحساب، يعطونه مبالغ، ليرفضها، ويصرون عليه، والبعض يقسم يميناً أن يأخذها.

ركز عليه (وديع)، مهندس إلكترونيات، لكثرة تكرره على المطعم لتناول وجباته اليومية، وفي آخر مرة عند تناوله طعام العشاء، قال لمسعود أثناء تقديمه الوجبة: يا مسعود، أنت ولد مجتهد ونشيط وذكي، ما رأيك أن تعمل معنا في الورشة، وتكتسب حرفة أفضل من عمل المطعم. ليرد عليه: لكنني خرجت من المدرسة، وأنا في الصف الخامس، ولا أملك شهادة. ليرد: أنت ذكي وعملي، وسوف تتعلم وتحترف المهنة سريعاً. فرح مسعود، وذهب للورشة، وهو خائف ومتوجس أن لا يقبل، ويخسر عمله في المطعم.

أعطي [مسعود] فرصة للتعلم، وبذل كل جهده ومداركه، وطاقته العقلية، ليلتقط ويحفظ سريعاً، ولم تمر الستة الأشهر إلا وقد أجاد المهنة، وطور قدراته، ومارس مهنته، تحت شعار: (ابذل طاقتك اليوم، فقد يأتيك الموت غداً)، تابعه مدير الورشة، والمهندس وديع، وأعجبا به، واتخذ مدير الورشة قراراً بمكافئة مسعود، وإدخاله دورة إلكترونيات تخصصية لمدة ثلاثة أشهر، تشجيعاً له، اجتازها بنجاح وتفوق، لتزيده إبداعاً وشهرة. رد مسعود الجميل لمدير الورشة، ببذل كل جهده، وقدراته الإبداعية لتطوير الورشة، ليعطيها قفزة نوعية كبيرة.

مرت على مسعود فترة سنتين، شعر بالاستغلال والإجحاف بحقه؛ لبذله جهداً طيلة اليوم، وتميزه بالإبداع والابتكار في مجال الإلكترونيات، وسرقتها وتسجيلها بأسماء غيره من المهندسين، أصحاب الشهادات، وخاصة وديع.

شعر مسعود بالظلم، وانتظر فرصة مناسبة للحصول على عمل، تعامل معه وهبان ناصر، أحد موظفي السفارة الإماراتية، وأصلح له الكثير من الأجهزة المعقدة، والمعطلة إلكترونياً، بعد أن عجز المهندسون في اليمن عن إصلاحها، وتمسك به، وطرح عليه فكرة السفر لدبي، ليقول مسعود: لكنني لا أملك مؤهلاً، باستثناء دورة في مجال الإلكترونيات، لمدة ثلاثة أشهر، ولا أعرف أحداً في دبي. ووعده أن يساعده في الحصول على العمل بوضعه القائم.

وبعد شهر، اتصل وهبان ناصر، وأخبر مسعود عن فرصة للعمل بشركة دبي للإلكترونيات، ليعمل في ورشتها، على أن يحدد راتبه وفق المقابلة والامتحان الذي يجرى له. أبدى مسعود تخوفه، ليطمئنه ويشجعه وهبان، وأعد له فيزا دخول دبي.

وترك مسعود العمل، وسافر دبي، واتصل بالشركة، وحدد له موعد، بمساعدة وهبان ناصر للمقابلة والامتحان، واجتازها بنجاح وتفوق مذهل، وحصل على وظيفة في ورشة شركة إلكترونيات دبي، وأبدع في عمله، وطور الورشة للأفضل، ورفع من سمعة الشركة، وحصل على المال الوفير.

وبعد فترة، وصل لقناعة أن المبالغ الذي يحصل عليها مقابل جهده، لا تساوي النزر اليسير من دخل الورشة، الناتج عن عمله، وفكر بدراسة الوضع، وجدوى فتح ورشة إلكترونيات حديثة، ليتخذ القرار بعد تأكده من النجاح.

أقام مشروعه الخاص، وترك العمل في ورشة دبي للإلكترونيات، وأنشأ ورشة الخليج للإلكترونيات الحديثة، واشتهر مسعود بكفاءته وابتكاراته العالمية، والتي سجلت باسمه، وكسب ملايين الدولارات.

توفي والده في السجن، ليزداد حزنه وتوجسه من الموت، ليكون خاتمة الأسرة، وقرر الزواج سريعاً، بعد أن تعرف على أمريكية تعمل في مجال التسويق الإلكتروني، وأبدت إعجابها مراراً وتكراراً بعقليته، وقدراته الفنية، ليقيما علاقة ودية مع بعض، تهيئة للارتباط، واتفقا على الزواج، وأقيم لهما حفل عرس بهيج، في ولاية ميتشجن الأمريكية.

وخلال فترة حياتهما، أنجبت أنجلا خمسة أولاد وبنت، رباهم مسعود، وعلمهم على الحرص والجدية، مستلهماً تجربة أسرته في الحياة، وأدخلهم جميعاً كلية الهندسة الإلكترونية في اليابان، بمراحل زمنية مختلفة، ليتعلموا بجد وإبداع.

لفت [أولاد مسعود] انتباه مدرسيهم اليابانيين، لتعود ذاكرتهم لوالدهم مسعود المبدع والمبتكر، ليهتموا بهم أكثر، بل وأعطوا والدهم عروضاً للعمل في شركات يابانية عملاقة للإلكترونيات، ليشكرهم مسعود ويعتذر.

وبعد تخرج أولاده، عادوا للعمل في ورشتهم، ليستوعبوا كل صغيرة وكبيرة تتعلق بدراستهم، واكتسبوا الكثير من خبرات والدهم.

راهن مسعود على تخرج أولاده، ليكونوا شركة إلكترونية في دبي، أو في اليابان، أو الولايات المتحدة الأمريكية، وعمل كل جهده لاكتسابهم خبرات التقنيات الحديثة؛ لتطوير ملكاتهم الإبداعية.

وبعد فترة من ممارسة عملهم، كون مسعود شركة الخليج للإلكترونيات في دبي، واستمر فترة، وواجهوا حرباً من الشركات الإلكترونية الكبيرة، والمدعومة داخلياً وخارجياً، مما جعله يفكر بنقل شركتهم الاستثمارية لأمريكا، لتتاح لهم الفرصة للتوسع والتطوير، وسافروا ودرسوا محتاجات السوق الأمريكية والعالمية للمنتجات الإلكترونية الضرورية والشائعة في الحياة، ليقوموا بالتركيز عليها، وحصلوا على المزيد من الأرباح، وكونوا ثروة لا يستهان بها، واشترى واستثمر مسعود وأولاده الكثير من العقارات في اليمن والخليج، وجنوب شرق آسيا.

وعلى الرغم من ثروته الهائلة، حرص [مسعود] أن لا يصرفها إلا للضرورة المعيشية لأسرته، وتعليم أولاده المستمر، وتطوير قدراتهم.

أصيب مسعود بالفشل الكلوي المفاجئ، وتبرعت ابنته بإحدى كليتيها، لتزرع لوالدها، وعلى الرغم من ذلك، لم يتقبلها جسمه، لتستمر حالته الصحية بالتدهور، وقبل أن يتوفى، عبر لأولاده عن خوفه أن يضيعوا ثروتهم، وكرر تذكيرهم بتجربة والده، وما لقاه إخوانه ووالدته بعد وفاته، وكيف كون الثروة، ورباهم وعلمهم، ليستجيبوا لكل نصائحه، وتعهدوا بتماسكهم، واستمراريتهم على ثوابت نهجه، مع التطوير المستمر لشركتهم، وحرصهم على تراكم الأرباح، وأن لا يصرفوا منها إلا الضروري لحياة كريمة، ولتوسيع وتطوير الشركة، وأن ينقلوا الثروة والخبرة لأولادهم بعدهم، تخليداً لسمعة الأسرة وشركتهم.

 أخذه الأستاذ يعقوب للإدارة، وقال لمدير المدرسة: من الآن وصاعداً أنا ولي أمر غازي في المدرسة. ليعود غازي للورشة وهو يتقفز فرحاً وسعيداً، ويقول: أنا أعظم شخص بالكون، لقد عرفت المدرسة من أنا، وقدري.

وفي اليوم التالي، مر على الورشة الأستاذ يعقوب الساعة الثانية موعد وصول غازي، ووقف يتأمل في باب الورشة، ووجد غازي يتحرك بين العمال والسيارات، ويعطيهم التوجيهات الفنية للإصلاح، ويدخل ويقول بصوت مرتفع: أين صديقي غازي؟ ليتفاجأ ويذهب إليه، ويحتضنه الأستاذ يعقوب ويقبله، ويسأله: هل تناولت الغداء؟ ليرد: لا، لكن تناولت سندوتشات أثناء استراحة الدراسة.

وأخذ الأستاذ يعقوب، وعرفه على صاحب الورشة مصطفى، ليأخذهما الحديث، ويقطع الحديث الأستاذ يعقوب قائلاً: لنا لقاء آخر يا أستاذ مصطفى. ويشكره على اهتمامه بغازي، ويقول: ليس هناك متسع من الوقت لنتحدث، ولقد أتيت لأخذ غازي لتناول غذائه في منزلي.

حاول مصطفى وغازي الاعتذار قائلين: الغداء أعد، وموجود في الغرفة. ليأخذ بيده بقوة، ويعتذر لمصطفى، وأخذه بسياراته، وعندما وصل للبيت وجد أن أولاده الخمسة: ثلاثة أولاد، وبنتان، أكبرهم ناظم، وعمره عشر سنوات، وأصغرهم ليلى، ثلاث سنوات، وزوجته لطيفة في استقباله، ليرحب به بلطف، وأخذته لطيفة لتقبله وهي تدمع، وتقول: بارك الله فيك يا إبني، اعتبرني من اليوم أمك، ويعقوب أبوك، وأنت الأخ السادس للأولاد، وستأتي لتناول وجباتك معنا يومياً. ليعتذر لبعد المسافة، وحرصه على وقت العمل والمذاكرة، ليوافقهم أن يأتي يوم الجمعة. وطلبت لطيفة أن يحضر ملابسه لغسلها، وقال له الأستاذ يعقوب: إذا لم تأتِ سنأتي إليك. ليتعهد بما اتفقوا معه.

وبدأ من الأسبوع التالي الذهاب إليهم، وأحس بالراحة والدفء وحنان الأسرة، عدا سليمان يعقوب، وعمره تسع سنوات، يتأفف من وجوده، على الرغم من إغداق غازي عليه بالهدايا والمال ليسترضيه، وقد شعر والده ووالدته بتحسس غازي، ليقولا له: لا تأخذ عليه يا إبني، تصرفاته مضطربة، وناتجة عن سقوطه من سطح المنزل قبل ست سنوات، ليحدث له اضطراب في التفكير لأصابته في الدماغ، وسمحنا له أن يبيت ليلة الجمعة في منزل جدته وعمه سعيد المقعد، ويعود صباح السبت للمنزل ليتناول الفطور حتى لا تتحسس. ليرد: لا تجعلوني مشكلة، وتبعدوا سليمان. ليردوا: يا إبني، جدته بحاجة إليه أيضاً، ما عليك من هذا الموضوع.

تابع الأستاذ يعقوب غازي المقرمي في المدرسة والورشة، وساعده في حل كثير من مشاكله، ويراجع ويشرح له الفيزياء والرياضيات ليوسع من مداركه، خاصة يوم الجمعة، وإذا لم يأتِ يذهب أو يرسل أحد أولاده للإتيان به، ويأخذ جميع ملابسه لغسلها، ويحثه على الاهتمام بخواته، ليقول له: ازورهن بشكل دائم، وأوفر لهن كل ما يحتجن إليه.

وينسق الأستاذ يعقوب بالاتصال المستمر مع مصطفى صاحب الورشة، ويناقش كل أمر يهم غازي، ومنها بناء غرفة فوق السابقة للنوم، السفلية للاستراحة واستقبال الضيوف، والجلوس مع العمال أو زملائه في المدرسة.

في يوم الإثنين خرجت والدة الأستاذ يعقوب للمشفى، وعند عودتها للمنزل فتحت الباب، ووجدت ابنها سعيد مقتولاً، والدم يملأ الصالة، ليجن جنونها، وتم إبلاغ الأمن بالحادثة، وأجريت التحريات، ولم يتوصلوا لنتيجة، وسجلت القضية ضد مجهول، وخافت جدة سليمان من السكن وحيده، حزن الجميع عليه، وخاصة سليمان، ليبكي معظم وقته بحرقة، حتى أثناء تواجده بالفصل الدراسي، تأتيه نوبات من البكاء.

اضطرت الجدة أن تطلب من ابنها يعقوب أن يبقي سليمان معها، على الرغم من محاولته أخذها لتعيش معه في المنزل، ليوافق بعد رفضها، على أن يتردد سليمان لمنزل والده بين الوقت والآخر، ووقف يعقوب مع غازي على وتيرة واحدة، خاصة في دراسته، حتى تخرج من الثانوية العامة، بنسبة ستة وتسعين بالمائة، وتابع له المنحة الدراسية للهند في مجال هندسة ميكانيك، ولم يسافر إلا بعد أن زوج أختيه، وودعهن باكياً، وتذكر الجميع أمهم، ليقولوا: تسع عشرة سنة، ولم تذكرهم أو تسأل عنهم. وكانت أمنية ابنتيها أن تحظر فرحة زواجهما على الأقل، وأخبرهن غازي أن ينسينا أمهن، ويكن قويات في الحياة، ويعتمدن على أنفسهن.

سافر غازي الهند، ودرس البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وحصل على عمل في مجال الهندسة الميكانيكية للطيران، ليثبت جدارته وإبداعه في اكتشاف الخلل والإصلاح وابتكار قطع الغيار، ليصبح المهندس الأول للطيران، وعين ضمن فريق دولي للتحقيق من حوادث سقوط الطيران، وتعين في جامعة سدني، وتدرج في الألقاب العلمية، ليحصل على درجة الأستاذية، ويصبح بروفسوراً محاضراً وزائراً. انقطعت صلة غازي باليمن تماماً، وتزوج على فلسطينية مهاجرة، وأنجب ولدين.

تعرض يعقوب بعد سنة من سفر غازي لكارثة أسرية هزت الرأي العام اليمني، ففي أثناء تواجده في إحدى ورش التربية لتدريب مجموعة من الموجهين الجدد، عاد للمنزل وضغط الجرس أكثر من مرة، ودق الباب بقوة، ولم يفتح له أحد، لينزل سريعاً، ويستعير سلماً طويلاً، ليكسر ويفتح أحد النوافذ ويدخل، وعندما دخل وجد زوجته مقتولة، وهي راكعة فوق السجادة، ودمها ينزف، وأحد أبنائه على باب غرفته مطعون، وآخر داخل غرفته، وبنته الصغرى اختبأت تحت إحدى الطاولات، ليلحقها القاتل ويقتلها، وابنه الكبير على باب المنزل أثناء دخوله، وقد استخدم القاتل سكيناً كبيرة وحادة، وطعنهم حتى الموت.

وأصيب الأستاذ يعقوب بحالة انهيار عصبي، وأسعف للمشفى، وكلما فاق يطلب منهم أن يحقنوه بإبرة القتل الرحيم، ليحدثه الكثير أن يحمد الله على كل ما جرى له، وأن طلبه يعتبر انتحاراً.

وعندما استدعي سليمان كان طبيعياً، وعندما لاحظ الوضعية أنهار أيضاً، وحاول الانتحار أكثر من مرة، وحضرت الداخلية للبحث والتحري، واستجوبوا جميع من لديه علاقة بالأسرة، وربطت بقضية قتل سعيد المقعد، وتوصلوا لقناعة أن القاتل من داخل الأسرة، وتوقفت قضية البحث حتى تظهر نتائج جديدة.

علم مصطفى صاحب الورشة بالقصة، وقام بزيارة الأستاذ يعقوب ليعزيه، وأخبره بمعلومة هامة أن غازي تعرض لمحاولة الاغتيال ذبحاً بسكين كبيرة وحادة، وأن من حاول قتله سليمان، ليندهش، وتفاجأ، وعادت به الذاكرة لما قاله دكتور المخ والأعصاب: أن حالة سليمان بعد الحادثة عندما يكبر يشكل خطورة على محيطه؛ نتيجة إصابته في الدماغ، وطلب من مصطفى أن يكمل الحديث ويقول له، علي الرغم من ضخامة وقوة سليمان، فقد تمكن غازي من الإفلات، واجتمع عليه عمال الورشة وضربوه ضرباً مبرحاً، وأخذوا السكين، وما زلت محتفظاً بها.

وأخذ سليمان وكتف، ووضع في الحمام لتأتيه نوبات عصبية، حاول أن يخنق نفسه، ليسمع الجميع صوت صراخه، ليأمر غازي أن يفتحوا له الباب، وأحاطوا به وبأيديهم قطع من الحديد، وحاول الاعتذار، بل وركع على أقدامهم ليتركوه، وأن لا يخبروا والده، والتزم أن لا يتعرض لغازي مرة أخرى.

انتابت يعقوب نوبة من الخوف الشديد، وطلب من مصطفى أن لا يتركه، وتوقع أن يخلص عليه ابنه سليمان، ليأتي باثنين من عماله الأقوياء، ليرافقوا الأستاذ يعقوب، ونصحه مصطفى أن يبلغ الداخلية فوراً. واتصل بالأمن، وطلبهم للحضور فوراً، وهو مرعوب، ولاحظ المرافقان تواجد سليمان على بوابة المشفى، وحاول الدخول ومعه شيئاً يخفيه.

حضر ثلاثة من ضباط الأمن، ونزلوا من فوق طقم مليء برجال الأمن، ودخلوا المشفى، وعندما رآهم سليمان أخفى ما كان يحتفظ به، وعندما التقى الضباط بالأستاذ يعقوب سألوه: هل لديك أخبار أخرى؟ ليقول: نعم. وطرح عليهم قصة ابنه سليمان، ومحاولته اغتيال غازي جلال، وتحفظوا عليه، وذهبوا للتحقيق في الأشخاص الذين حضروا واقعة محاولة اغتيال غازي، وبحثوا عن سليمان، ووجدونه في منزل جدته، التي أصبحت مقعدة، ويحاول اقناعها أن تخبر الشرطة أنه كان في المنزل أثناء وقوع عملية الاغتيال في منزلهم، وأثناء دخولهم وجدوها في مكانها خائفة مرعوبة، ليأخذوا سليمان للاستجواب، وواجهوه بما عمل، واعترف بسهولة، وغير نادم على ما أقدم عليه، قائلاً: إن الجميع يكرهونه ويحقدون عليه، وأن جدته الوحيدة التي تحبه، وعبر عن فرحته لقتلهم، وندم أنه لم يخلص على غازي المقرمي.

في نفس لحظة التحقيق، وصلت لهم أخبار وفاة جدته من الخوف، لتنتابه حالة من العصبية، وأسعف، وأعطيت له حقنة، ليستعيد وعيه، وعندما صحا، قال: عليكم أن تعدموني فوراً، فلم تعد الحياة مهمة. وأخذ للسجن، وقدم للمحاكمة، وحكم عليه بالإعدام، لكن والده طلب من المحكمة بقائه في السجن حتى يموت، ليغضب سليمان، ويقول لوالده وهو يضحك: على دمارك يا أستاذ يعقوب.

وبعد هذه الحادثة، توقف الأستاذ يعقوب عن العمل، وأحيل للتقاعد، ليستلم راتبه التقاعدي، ويصرفه على نفسه، ويرسل بمبالغ لابنه سليمان.

حاول سليمان مراراً طلب والده لزيارته، ليقنعه أن يعفي عنه، ويزوجه لينجب ويعوض العائلة، ويستمر النسل، لكن والده رفض قائلاً: هذا جنون، هو يريد أن يحصل على فرصة ليخلص عَلَيَّ.

توقفت رواتب الموظفين، وشكلت أزمة حقيقية للأستاذ يعقوب، وأنفق كل ما لديه، وباع حتى أثاث منزله، واستأجر دكاناً مع حمام، وكل ما يملكه فرش وبطانية ثقيلة، وملابسه وكتبه وضعت في كراتين مغلقة، يبلغ عددها أكثر من ثلاثة آلاف كتاب، ويعتبرها ثروته الحقيقية، ومعظمها في مجال تخصصه، والبقية ثقافية وأدبية.

ومرت الأيام، وتضرر من الجوع، ليذهب متنكراً للمطاعم، ليحصل على بعض الطعام المتبقي للزبائن، وفكر بعد معاناة التردد على المطاعم عرض كتبه على المكاتب، ليبخس في سعرها، ليبيع البعض ويقتات عليها، على أن يعرضها على أحد أرصفة الشوارع في حدة، ومر عليه الكثير من طلابه سابقاً، وركزوا على صورته، ويسألونه: ماذا يقرب إليك الأستاذ يعقوب؟ لتغير الكثير م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق