ثقافة وفن

التعبيرية … بدايات التجريب الألماني فتح منافذ فنون ما بعد الحداثة

بشرى بن فاطمة

إن محاكاة التعبيرية باعتبارها تيارا فنيا حداثيا انفلت من عمق المآسي وتماهى أبعد في الفكرة البصرية التي خلقت تماسا مع الكلاسيكي في تراكماته الجمالية لتثير فزعا شوّه الخيال الحالم بصدمة قاسية، لم تكن مُسقطة بقدر ما كانت نتاجا لحروب وصراعات دموية لتناقضات إنسانية أزعجت الخيال وأرهقت الحواس فميّزت فترات تاريخية إنسانية معينة.

فهي ليست مجرد توقّف عند الألوان أو تركيب الفكرة مع الأحاسيس المختلطة ولا تفاعل التمازج بين كل الحالات النفسية وتحميلها مبالغات تفيض على الواقع نفسه بخلق مشاهد أكثر انفعالا وقسوة، بل هي استدراج للمشاهد وتحوير للأفكار والمشاعر وانتصار من زوايا متعددة على الظلم الناتج عن حالات الصمت من وعيها الجماعي إلى انكساراتها الفردية.

تطوّرت مع تطور الأحداث والأفكار والايديولوجيات وعرفت عبر مراحل تكوينها الناضج صعودا وهبوطا أثار فيها الصمت والصخب بكل التناقضات البصرية التي استغلت فيها التجريب لتقوم مجددا على فكرة التعبيرية الجديدة Neo-Expressionism  التي حاولت أن تضاهي فنون ما بعد الحداثة وتثير ضجتها في سوق الفن من جديد فكوّنت حركة فنية متنوعة سيطرت على حركة البيع الفني في أوروبا والولايات المتحدة في أوائل ومنتصف الثمانينيات.

غير أن الحديث عن التعبيرية الجديدة واستمرارها لا يمكن أن يتم دون المرور بالتعبيرية نفسها كمدرسة كيف بدأت وكيف استمرت وما هي خطوط صمتها وتراجعها وصخبها وتماسها مع حركات فنون ما بعد الحداثة.

«لا يتم إنشاء التعبير فقط من خلال العاطفة التي تنعكس في وجه الإنسان أو من خلال لفتة مؤلمة، يساهم في التعبير كل من المساحة التي يشغلها شكل أو كائن، بالإضافة إلى المساحة الفارغة التي تحيط به –في التعبيرية-كل شيء يلعب دورًا « (HENRI MATISSE).

التعبيرية هي حركة فنية ظهرت في بداية القرن العشرين في شمال أوروبا، وخاصة في ألمانيا، لمست التعبيرية مجالات فنية متعددة، الرسم والعمارة والأدب والمسرح والسينما والموسيقى وقد استمرت حتى ظهور النظام النازي الذي رفضها واعتبرها تيارا فنيا «منحط».

تماما مثلما حصل مع الظهور الأول للتعبيرية في ألمانيا القيصرية، فقد كان هناك رفض صريح للتطورات الجديدة في الفن لان السياسة الثقافية الرسمية كانت تحمل العقلية الوطنية ذات التصور الكلاسيكي المثالي الرافض لكل التطورات التي كانت تعرفها فرنسا مثلا في الفنون باعتبارها «فن الحضيض»، فقد أثارت أعمال EDVARD MUNCH   التي عُرضت لأول مرة في برلين عام 1892 –فضيحة هائلة، لأنه بدلاً من التجديد المألوف قام بالتعبير عن الذاتية النفسية المتزايدة بشكل غير متوقع.

ورغم الرفض لم تكن أعمال مونش تلك بالعابرة بل لحقتها تجربته مع الصرخة والأعمال المتأخرة لفان غوخ وتحاليل سيغموند فرويد النفسية لتظهر التعبيرية كمصطلح فني وحضور تشكيلي لتيار فني، حيث اعتمد هذا المصطلح لأول مرة الناقد الفني الألماني Wilhelm Worringer في عام 1908.

فكانت عودة نشأة التعبيرية واستمرارها الفكري في ألمانيا بمثابة المتنفس خصوصا من قبل المجموعات Die Brücke و Der Blaue Reiter، كردة فعل على الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي والفني ردا على المدرسة الانطباعية بالفكرة بالحاسة بالخامات بالرموز بالمعاني والمواقف التي خلقت صلتها بين الواقع والانسان وبينه وبين الأمل الدافع للاستمرار بحثا عن حقائق وجوده وتفسيرها حسيا حيث تستثير الوعي الذاتي للفنان بخلق حركة عكسية تستنطق تفاعله الداخلي فكرة وإحساسا وتضعه في تماس مع واقعه دون وساطة.

لم تكن التجربة التعبيرية الألمانية بالعابرة بل كانت نتاج الابتكار والتجريب والجرأة والاندفاع والتأثيرات الفلسفية والنفسية العامة والخاصة التي تداخلت معها أحداث ما بين الحربين وتأثيرات الحرب العالمية الثانية وما بعدها ما استثار البحث عن التجدد مع القيمي والفلسفي والاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي وهو ما أفرز ثورة فنية عالمية وفتح منفذ على فنون ما بعد الحداثة.

«رغم أن التعبيرية بكل تراكماتها السوداوية لم تكن محبّبة لدى الكثير من الجماهير الفرنسية إلا أنها كانت جدا موائمة للتصورات الأيدولوجية الفكرية والذهنية لدى الأوساط الألمانية فقد تطوّرت معها  بشكل توافق مع طبيعة التلقي والالتقاط والابتكار الذي استطاع أن يتحوّل بها أبعد في خلق المنجز الفني، فقد تحوّلت إلى السينما والمسرح والصناعة الوثائقية والفوتوغرافيا والتشكيل والنحت وصناعة أفلام الفيديو ما جعلها رؤى ألمانية بامتياز كان لها بُعدها التأثيري على الحركة التعبيرية المعاصرة التي خاضت عدة تجارب بوسائطها التعبيرية الجديدة.»

فالتعبيرية في الفترة المعاصرة لها تجلياتها التي من خلالها يمكن اتباع التقنية الأسلوبية للتنفيذ على مستوى الأعمال السينمائية والتشكيل والتي لا تختلف على مستوى الإيماء والعلامة، فمساحة الصمت التي تكون إما في التوافق المؤثر على المشاهد أو المسطح العام للوحة، يكون للعمل فيها خطوط واضحة لقلب موازين الواقع الحاضر والتصرف فيه وفق الإحساس والحساسية.

تتوافق التعبيرية مع الروح الحاضرة المعاصرة في تجليات التنفيذ بين تفاصيل مختلفة، إذ أنها حاولت أن تتجاوز التعبيرية نفسها على عدة مستويات ومحامل حيث وظّفت التلاقي البصري مع التنفيذ المفاهيمي من حيث الأداء والعرض والخامات والتقنيات، وهو ما جعل التعبيرية تستمر في عدة نواح وزوايا وعمق بصري على مستوى دولي جعل قوة التأثير فيها تتميّز حسيا ذهنيا فنيا وجماليا حيث قدم الفنانون التعبيريون الجدد زخارفهم بطريقة قاسية ووحشية تقريبًا من خلال إحياء أعمال الفرشاة شديدة التنظيم والتعبيرية والألوان المكثفة في أعمالهم ذات الأحجام الكبيرة كان تجسيد المعاناة فيها شديد التنسيق غالبًا.

اعتبر بعض مؤرخي الفن أن التعبيرية التي بدأت كمرحلة حاسمة لتحديد مرحلة مهمة من تاريخ الفن هي مرحلة الفنون الحديثة هي نفسها التي فتحت المنفذ أمام فنون ما بعد الحداثة من خلال تجارب التعبيريين الجدد والتعبيرية المعاصرة.

استخدم التعبيريون الجدد الألمان في أعمالهم عدة تقنيات متطورة وأساليب مختلفة مبنية على الفتوغرافيا والفيديو والخامات المشكلة والقطع الجاهزة والنحت لدراسة ألمانيا ومشاكل التاريخ الحديث، فبالنسبة لهؤلاء الفنانين كانت العودة إلى التعبيرية جزءًا من تحول اجتماعي أكثر عمومية للتعامل مع الماضي المضطرب لذلك حافظوا على استمرار التعبيرية كجزء مهم من تاريخ الفن والمنفذ الذي فتح الباب أمام التجريب والانتقال لمرحلة فنون ما بعد الحداثة.

ونظرًا لأن أعمال الفنانين التعبيريين الجدد كانت أعمالهم مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحركة البيع والشراء ونظام المعارض التجارية وتسارعها ما جعلها تبدو أحيانا مستنفذة أو بلا معنى أو صادمة في تعاملها مع اللامألوف، تراجع بعض عشاقها وهو ما كان سببا لخفوت بريقها.

ولكن رغم تداخلات سوق الفن وما تفرضه المزادات إلا أنه إذا ما تعلق الأمر بالتعبيرية والتعبيرية الجديدة فإن الأمر يختلف بعض الشيء لأن التعامل البصري معها أجاد ترك مساحات عميقة من التأثر البصري الفني الجمالي الإنساني بينها وبين المتلقي خاصة في الأسلوب التوثيقي البصري الذي فرض الانفعال والتقمص والانجذاب خاصة الذي ظهر قبل الحرب العالمية الثانية، في أعمال جورج باسيليتز وماركوس لوبرتس.

فقد كان بعض الفن التعبيري الألماني الجديد سياسيًا بشكل علني، كما هو الحال في أعمال يورج إميندورف، الذي تعامل مع مشاكل ألمانيا المنقسمة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وهو ما مهد الطريق لخلق التجريب والمحاولات المبنية على التجديد المبالغ في ابتكاراته ففرض التطورات لما بعد التعبيرية.

يعتقد البعض أنه من خلال عمل جوليان شنابل وفرانشيسكو كليمنتي، أصبحت التعبيرية الجديدة مرادفة للاتجاهات الأكثر تحفظًا في الفن في الثمانينيات وأقل مع الطليعة.

وعلى الرغم من أن العديد من فناني الحركة قد جلبوا محتوى سياسيًا وثقافيًا لأعمالهم مثل أنسالم كيفر، إلا أن القليل منهم كانوا مهتمين بالسياسة اليسارية، والتي ارتبطت بالاتجاه النقدي لما بعد الحداثة، فلم يشعروا بأنهم مجبرون على تمجيد العالم أو التلاعب بالواقع، كما قال كليمنتي، ولكنهم ببساطة مطالبون بالتعامل مع المادة وتصوير العالم كما هو موجود بكل قساوته.

رغم كل النقد الذي تعرضت له التعبيرية وكذلك التعبيرية الجديدة إلا أن التجريب والتطوير والاستمرار ومواكبة العصر بصريا ساهم في نجاح التيار وكذلك التعبيرية الجديدة، لأنها أثّرت عالميا وسيطرت على القيمة الأساسية للتعمق الفكري في التصور البصري والمثال على مدى تأثيرها في عدة تجارب فنية في العالم ومنها التجربة العربية، فقد ساعدها تراجع مبيعاتها وتأثيرها على حركة الفن في البيع والشراء وانهيارها في السوق في أواخر الثمانينيات لتعود مجددا لمراجعة رؤاها البصرية وحضورها بأكثر من خامة وتقنية ورؤية ومحمل وتنهض بأكثر جرأة وابتكار وتجدّد.

*الأعمال المرفقة:

غسان عكل-سمير الصفدي-أسامة دياب

Norwood-MacGilvary –Claude Buck

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

-المراجع:

*دراسة جامعية للباحث فرانسوا روبار سنة 2015 جامعة مرسيليا للعلوم والفنون بعنوان التعبيرية وقضايا الفنون المعاصرة

https://dumas.ccsd.cnrs.fr/dumas-01424486/file/ROBERT_FRANCOIS_BAT.pdf

*حركة التعبيرية المعاصرة:

مقال تحليلي موقع Das kreative

https://www.daskreativeuniversum.de/neoexpressionismus-kunst/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق