سياسة

الاستثنائية الامريكية … إعادة بناء الامبراطورية ام نهاية عصر الهيمنة الامريكية؟

تقديم كتاب مهددات هيمنة الامبراطورية الامريكية للدكتور السفير عماد الدين ميرغني

خالد موسي دفع الله

هذا كتاب يقدم نفسه ولا يحتاج الي تقديم، اذ انه مهم في موضوعه وهام في توقيته. حيث يسيطر الجدل في اروقة السياسة الدولية وفصول الدراسات الاكاديمية على سؤال نهاية عصر الهيمنة الامريكية، وجعل البعض يستدل على هذه الفرضية بصورة الخروج المهين للقوات الامريكية من افغانستان (اغسطس ٢٠٢١) والافغان معلقون علي اجنحة واطارات الطائرة العسكرية العملاقة، وهي على مدرج مطار كابول.

عليه تنبع اهمية هذا الكتاب ليس من مجرد دراسته لشواهد الهيمنة الامريكية واسباب صعودها التاريخي منذ الحرب العالمية الاولي فحسب، لكن بتسليطه الضوء على مهددات هذه الهيمنة عبر دراسة وافية وعميقة وموضوعية للعوامل الداخلية والخارجية. ويصاحب هذا الموضوع تخوفات عظيمة اذ تدل شواهد التاريخ ان ضعف اوسقوط الامبراطوريات والدول المهيمنة يؤدي في الغالب الي اندلاع حروب مميتة تحصد ملايين البشر، كما ان بروز قوة منافسة على موقع القوة العظمي وتأسيس نظام متعدد القطبية بعد سيطرة نظام القطب الواحد منذ سقوط الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة ١٩٨٩، كحال الصين في الوقت الراهن يؤدي ايضا الي زعازع وتحولات دولية وحروب اقليمية وربما عالمية، اذا اهتم الدارسون بتقليل كلفة هذه التحولات التي تقتضي اعادة توازنات القوة حتي لا تقود الي مأساة انسانية، علي النحوالذي حذر منه هنري كسينجر، وبما اسماه البعض(الهبوط الناعم) لمقدرات القوة الامريكية في الهيمنة المطلقة، وهوما عناه حرفيا مستشار الامن القومي والمفكر الاستراتيجي برزنيسكي بالتحول من الهيمنة الي القيادة المشتركة للعالم كما سيرد لاحقا. وتبني الرئيس الامريكي جوزيف بايدن سياسة سلفه ترامب تجاه احتواء الصين وجعلها في قمة اولويات استراتيجية امنه القومي من اجل المنافسة وليس تعزيز الصراع حسب وصفه.

يقول القدماء اذا ارادوا تقريظ كتاب: انه شريف المعني عالي الرتبة، اما كتاب الدكتور السفير عماد الدين ميرغني فهواضافة لاهمية موضوعه وتوقيت صدوره، فهوسفر جامع مانع، متدفق وغزير في مادته ،استقصي الغاية من البحث، جمُّ الفائدة، وماتع في صحبته.

عندما شرفني الدكتور والسفير عماد الدين ميرغني بتقديم كتابه الموسوم ” مهددات هيمنة الامبراطورية الامريكية”، وافقت مغتبطا وفاءً لآصرة الصداقة الممتدة والزمالة المهنية والاخوة الانسانية. ولكن ما ان بدأت في قراءة الكتاب حتي استعظمت مهمتي وندبت حظي على الموافقة التلقائية، اذ وجدت نفسي اطالع فصول سفر موسوعي، غزير المادة، جم المعارف، سديد المنهج، سلس التناول موضوعي التحليل عالج مادته باقتدار علمي مشهود.

وجمع في منهجه بين العلمية الاكاديمية وما تقتضيه من استعراض للنظريات وتمحيص ونقد الآراء والتحليل والربط الموضوعي واستقصاء المراجع والتعريفات القاموسية، وبين السرد الوصفي الممتع لتطورات التاريخ والاحداث التي غيرت العالم.

وهوفي تحليله اقرب للمدرسة الواقعية التي خطها مورغنتاووسار علي دربها كسينجر باتخاذ مفاهيم (القوة) و(الدولة القطرية) والهيمنة و(توازن القوة) و(المصلحة القومية) اساسا للتحليل.

وهومع صرامة منهجه ومادته العلمية يجمع بين قراءات التاريخ والجغرافيا السياسية وتحليل اتجاهات السياسة الدولية، ويعيد طرح السؤال عن مهددات الهيمنة الامريكية وما يترتب عليها من تحولات في موازين القوة الدولية والنظام الاقتصادي العولمي واستدامة السلام العالمي.

واستطاع بهذا الاسلوب ان يسقي بقلمه طلا منعشا على جفاف مادة السياسة والعلاقات الدولية واستعراض تاريخ العالم، وتحليل النظم السياسية المرتبطة بالهيمنة، وهي مادة لا يأنس بصحبتها الا ذوي الدربة والتخصص المهني والاكاديمي.

واستطاع الدكتور السفير عماد الدين ميرغني ان يحيل غوامض وتعقيدات هذه المادة الي سهل منبسط وتناول سلس يخاطب العقل والحس السليم، وأُسس المعرفة العلمية فأصبح هذا الكتاب يجمع بين الرصانة العلمية والاكاديمية، وأُسس المعرفة العامة، كما بسطه للقاريء المثقف ليفيد غير ذوي التخصص. فيجد فيه المثقف العام القاريء مادة تزيد ثقافته وترفع وعيه بتعقيدات السياسة الدولية.

الاستثنائية الامريكية ليس وليدة خيط المهاجرين الاوائل الذين فروا بدينهم من الاضطهاد الكاثوليكي في اوروبا، بل هي ايضا هدية لظاهرة الجغرافيا السياسية اذ وفر لها موقعها الجغرافي أمنا حصينا منيعا بين محيطين هما الهادي والاطلنطي .

ورغم ان مصطلح الاستثنائية الامريكية صكه الفيلسوف الفرنسي توكفيل في كتابه (الديمقراطية في امريكا) عام ١٨٣٥، ليشير الي تفرد تجربة امريكا في البناء الاجتماعي والتأسيس الديمقراطي، حيث قال ان الولايات المتحدة ستحتل خلال خمسين عاما مكانة مرموقة في العالم لأنها أرض مهاجرين وانها اول ديمقراطية حديثة في العالم.

اشتمل الكتاب علي خمسة فصول، قسمها المؤلف لتوافي غايتها وهي:

تناول الفصل الاول (الهيمنة الدولية)، ولم يقف المؤلف على مجرد التعريفات القاموسية التي ركزت علي (القيادة، والسيطرة والقوة) وآراء المفكرين والمختصين فحسب، بل غاص عميقا في التاريخ وتتبع تطور المفهوم وناقش حتي الجذور الاشتراكية التي جعلت من الهيمنة استراتيجية للطبقة البرجوازية، وربط ربطا موضوعيا بين الهيمنة وقوة الدولة وتوازنات القوة في السياسة الدولية.

يبحر بنا الكتاب في فصله الثاني عن نشأة الولايات المتحدة، ويقدم المؤلف مادة غزيرة استقصت العوامل التاريخية لنشأة وقيام الولايات المتحدة، منذ تدفقات المهاجرين الاوائل الفارين من الاضطهاد الديني الكاثوليكي في اوروبا. وكيف استطاعت ان تتشكل الهوية الجامعة للولايات المتحدة عبر مخاض تاريخي عسير، عابرا اشلاء ودماء الهنود الحمر من السكان الاصليين الي الحرب الاهلية. وكما سبق وأن اشرت من قبل، فإن افضل من عبر عن التكوين الاجتماعي لأمريكا هوالفيلسوف الفرنسي توكوفيل في كتابه (الديمقراطية في امريكا)، والذي تنبأ منذ وقت طويل ان امريكا ستتحول الي دولة عظمي لبنية المجتمع الديمقراطي الذي اسماه nation of joiners، ويكشف التطور السياسي والدستوري للولايات المتحدة خاصة (الاوراق الفيدرالية) ان الآباء المؤسسين اهتموا بالحقوق والعلاقات والقانون في اطار بناء جمهوري فيدرالي متماسك يوزع السلطات بتوازنٍ صارم بين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية مع تعزيز آليات المساءلة والمراقبة، وتعظيم الحقوق الاساسية غير القابلة للتصرف مثل الحق في الحياة وحرية التعبير التي مثلت التعديل الاول في الدستور الامريكي..

ناقش الفصل الثالث الذي اعتبره أهم فصول الكتاب (صعود امريكا المثير)، ونجح الكاتب ان يقدم مادة غزيرة وهويتتبع الاسباب والخيط الناظم لصعود الولايات المتحدة وسيطرتها علي العالم.

ويستعرض الكتاب معظم الآراء التي ناقشت اسباب صعود امريكا وتفوقها، وهل هي بالفعل إستجابة للعوامل الخارجية بعد مهاجمة الاسطول الامريكي بواسطة الطائرات اليابانية في مدينة بيرل هاربور في ديسمبر ١٩٤١ مما أجبرها الدخول في الحرب؟، وهل صعودها تم استجابة لردود فعل وإن لم تكن تخطط لهذا الصعود بعد فترة العزلة المجيدة؟ ويعضد الكاتب أطروحته بالقول إن الهيمنة هي:” نتيجة غير مقصودة لردود افعال اتخذتها اما للدفاع عن نفسها اوبالنيابة عن آخرين”. لقد دخلت امريكا الحرب ليست كقوة امبريالية كما قال الكاتب لكنها تحولت الي امبراطورية مكرهة.

ويتتبع الكاتب خيط التاريخ من الثنائية القطبية الي الاحادية القطبية، ويناقش خلال هذه الرحلة التاريخية موضوعات الثروة الامريكية، وكيف دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية بعد فترة الكساد العظيم، ويتناول ايضا سياسة ونظرية الاحتواء التي افترعها جورج كينان الدبلوماسي الامريكي المرموق الذي خدم في سفارة بلاده في موسكوفي النصف الثاني من الاربعينات وتم نشر الاطروحة في مجلة (الشئون الخارجية) وكان حظه من الصيت المهني منصب الوكيل فقط.

ويتتبع بالتحليل العميق نهاية الحرب الباردة واحداث الحادي عشر من سبتمبر التي غيرت وجه العالم الي الابد.

تشرفت شخصيا بحضور ندوة قدمها الرئيس السوفيتي الاسبق غورباتشوف في جامعة جورج مايسون بفرجينيا عام ٢٠٠٧، عن دوره التاريخي في انهاء الحرب الباردة،

وكنت اتوقع خطابا اعتذاريا منه علي غرار ما قال المفكر الاشتراكي الشهير سمير امين للرفاق في موسكومع ارهاصات البيروسترويكا ان عليهم ان يتعلموا ابجديات الماركسية من مثقفي العالم الثالث. لكن كان غورباتشوف يؤكد امام طلاب الجامعة ان سياسة البيروسترويكا والغلاسنوست كانت هي المنقذ للاتحاد السوفيتي من انهيار مهين كان سيخلق فوضي عارمة في العالم.

تناول المؤلف في الفصل الرابع مظاهر الهيمنة الامريكية على المسرح الدولي، وهوفصل مكمل في موضوعه للفصل الثالث الذي سلط الضوء علي صعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في المسرح الدولي.

ويستعرض الكتاب ابرز مظاهر الهيمنة الامريكية ومنها نهاية الحرب الباردة، وبروز ملامح النظام العالمي الجديد الذي نادي به الرئيس بوش الاب. هذا اضافة الي دور المؤسسات الامريكية في انفاذ سياسة واهداف الولايات المتحدة في العالم الخارجي مثل وكالة المخابرات المركزية (سي اي ايه) واندلاع حرب الخليج الثانية، ثم دخول عصر العولمة والتفوق العسكري الامريكي.

يناقش الفصل الخامس والاخير وهوزبدة الكتاب مهددات الهيمنة الامريكية علي المسرح الدولي. وقد وُفق الكاتب في ان جعل اولي المهددات هوصعود خطاب الكراهية ضد الولايات المتحدة. Anti Americanism والتي تمثلت ابرز تمظهراته في الهجمات الارهابية في الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١.

ثم يناقش الكتاب المهددات الداخلية والخارجية ولعل ابرزها تآكل النظام السياسي الداخلي الذي ادي الي تزايد الانقسامات العرقية، وتأثير رأس المال، كما ابرز على المستوي الداخلي ايضا قضايا ضعف التعليم، وهجرة العقول الامريكية. وعلى المستوي الدولي تبرز قضية العولمة التي عدّها الكاتب من قبل احد ابرز مظاهر الهيمنة الامريكية، ولكنها في نفس الوقت اعتبرها ايضا مهددا للهيمنة الامريكية.

وحسب كتاب البروفيسور جوزيف استغلز الحائز علي جائزة نوبل في الاقتصادGlobalization and it’s discontent

ان العولمة رغم مزاياها في الغاء الحدود وحرية حركة البضائع والافكار وتدفقات رأس المال وغيرها الا انها زادت الاغنياء غني والفقراء فقرا. وقدم بعدها اطروحة ان ١٪ يسيطرون علي ٩٩٪ من الاقتصاد الامريكي.. كما رفد الصحفي الامريكي توماس فريدمان ادبيات العولمة بكتابه (سيارة الليكزس وشجرة الزيتون) وكذلك كتاب The World is Flat الذي وجد ذيوعا وانتشارا عالميا.

وتوسع المؤلف الدكتور عماد الدين ميرغني في احصاء مظاهر مهددات الهيمنة الامريكية ومنها بروز قوي اقليمية ودولية صاعدة مثل الاتحاد الاوروبي واليابان وأخيرا الصين التي تعد في الوقت الراهن اكبر مهدد للهيمنة الامريكية. وقد حذر كيسنجر بعد القمة الافتراضية التي جمعت الرئيس الامريكي بايدن والصيني شي جينبينغ في شهر نوفمبر ٢٠٢١ ان التنافس المهلك بين الدولتين سيقود الي فوضي وحروب مهلكة ومهددة للانسانية اذا لم يتم الاتفاق علي التعاون والتنافس الحر بدلا عن الصراع والحروب التجارية والعسكرية ونزعات الهيمنة والاقصاء واعادة اصداء الحرب الباردة، حيث كانت تقوم السياسة الخارجية وقتها علي معادلة صفرية zero sum game بمعني ان يأخذ طرف كل الربح ويخسر الطرف الآخر كل شيء. وهي ذات رؤيته التي فصلها في كتابه On China الذي سرد فيه الرؤية الاستراتيجية التي قادها مع الرئيس نيكسون للتعاطي مع الصين في النصف الاول من عقد السبعين من القرن الماضي.

حسب دراسات الامبراطوريات السابقة فإن العصر الامريكي Pax Americana سيستمر لعقود وان فقدت امريكا ادوات الهيمنة علي العالم، اذ يقول جوزيف ني معضدا هذا الرأي إن روما اصبحت مسيطرة بعد ثلاثة قرون من وصول ذروة قوتها. وقد انتبه زبينوبرزنيسكي في كتابه

The Choice: Global domination or Global leadership

الي هذه الثنائية مؤكدا ان الولايات المتحدة تعتبر أكبر رأسمال سياسي في العالم الحاضر. وان وظائف القوة الامريكية يجب توجيهها لقيادة العالم عبر تحالف عريض يضم العالم الليبرالي الحر بدلا من تحمل أعباء السيطرة الأحادية في ظل بروز تحديات كبيرة.

وقدم كيسنجر في بداية القرن مقاربة فكرية مهمة في كتابه

?Dose America Need Foreign Policy

مشيرا الي أن امريكا تقدم نفسها كصانع وضامن للمؤسسات الديمقراطية في العالم وحَكَم عالمي علي نزاهة الانتخابات والاجراءات الديمقراطية. وان قوة امريكا المستمدة من تفوقها العسكري والتكنلوجي والاقتصادي اضافة لفشوثقافتها الشعبية آخذة في التناقص والضعف ما لم يتم الاستدراك عليها باعادة انتاج نظام دولي جديد يرتكز على مباديء المصلحة القومية للولايات المتحدة ويراعي التطورات الهائلة في سياقات العلاقات الدولية خاصة الانتشار النووي، تحديات المناخ، اتساع نطاق تكنلوجيا الاتصالات، الإرهاب وضعف نموذج الدولة القومية الويستيفالي التقليدي بعد إقرار سياسة التدخل الانساني وتأسيس نظم للعدالة الدولية.

في ظل منهج المدرسة الواقعية في السياسة الدولية التي اختطها هذا الكتاب وهويناقش بالدرس والتحليل مهددات الهيمنة الامريكية، يتوجب علينا تسليط الضوء على كتاب يكتسب اهمية استثنائية في سياقات النظام الدولي من وجهة نظر امريكية.

في كتابه (النظام العالمي) الصادر عام ٢٠١٥ يحاول هنري كيسنجر تقديم رؤيته وتحليله لتحديات القرن الحادي والعشرين وضرورة بناء نظام عالمي مشترك في عالم يمور بالمتغيرات ويختلف في سياقات تطوره التاريخي، ومشحون بالصراعات العنيفة وانتشار التكنلوجيا القاتلة مثل السلاح النووي والايدلوجيات المتطرفة. ويؤكد كسينجر انه لا يوجد ما يسمي بالنظام العالمي حقيقة حيث قامت كل امبراطورية وقوة مهيمنة علي تصور العالم من مركزها الحضاري والسياسي مثل الامبراطوريات الصينية والرومانية والإسلامية. ويقول إن الهيمنة تنتج عندما ينهار النظام الاقليمي ويفشل ايضا في انجاز شراكة فاعلة مع المنظومات الدولية الأُخرى وهويعضد رؤيته الراهنة ان الولايات المتحدة يستحيل عليها مواصلة هيمنتها على العالم بصورة منفردة، لكنها يمكن ان تقود العالم في سياق تحالفات عريضة وبناء نظام دولي يخدم أهداف مصلحتها القومية.

ما يميز هذا الكتاب أيضا اضافة لسداد منهجه وغزارة مادته، هوانه تجاوز ادبيات ونظريات (موت الغرب) التي اصبحت هوسا بحثيا للدارسين من الشرق الاوسط ممن يتبرمون من هيمنة الولايات المتحدة ويتمنون زوالها من الخارطة الدولية. ويأتي في مقدمة من تنبأ بانهيار الحضارة الغربية في نموذجها الامريكي، الدكتور باتريك بوشمان وكتابه (موت الغرب) وقبله اوسلان اشبنغلر وكتابه (تدهور الغرب). حيث تنبأ بوشنان ان الولايات المتحدة خلال خمسين عاما لن تكون دولة غربية بالمعني المتعارف عليه، نسبة لعوامل الهجرة والتغيير الديمغرافي والتناقص السكاني، ولبروز الثقافة المضادة التي كانت سائدة في ستينات القرن الماضي، وكذلك الخواء الروحي بعد انحسار المد الديني للكنيسة مما ادي الي: “قتل الرب وأن يكون الفرد إله نفسه”.

لم يرهن مؤلف هذا الكتاب منهجه لنظريات “موت الغرب”، بل قدم تحليلا موضوعيا لمظاهر تحديات الهيمنة الامريكية.

وهنا يبرز رجحان النقد الذي وجهه نعوم تشوميسكي لسلوك الولايات المتحدة الخارجي بإعتبارها قوة امبريالية مهيمنة.

وددت لوان الكتاب ناقش بتوسع دور اللوبي الصهيوني في توجهات السياسة الخارجية الامريكية، لا سيما ارتباطه الموضوعي بتصاعد خطاب الكراهية ضد الهيمنة الامريكية، وقد أثار هذا الموضوع انتباه عدد من الدارسين اشهرهم الاستاذين جون ميرشمير من جامعة شيكاغوواستيفن والت من جامعة هارفارد اللذان اصدرا كتابا مشتركا بعنوان

The Israel Lobby and U.S Foreign Policy

ويكشف الكتاب تطفيف المزاعم السائدة بأن مبررات دعم الولايات المتحدة لدولة اسرائيل تعود الي المصالح الاستراتيجية المشتركة والي الموقف الاخلاقي للمؤسسة السياسية الامريكية لدعم اسرائيل كجزء من الإرث الأخلاقي والعقيدة الدينية السائدة. وأثبت الكاتبان ان توجهات السياسة الخارجية الامريكية الداعمة لإسرائيل هي نتيجة لعمل ونشاطات وتأثير اللوبي اليهودي في امريكا.

وعليه فإن أول الاسباب التي اوردها هذا الكتاب وهوتصاعد خطاب الكراهية كأحد مهددات الهيمنة الامريكية تعود في الاساس حسب كثير من الدراسين للدعم المطلق لدولة اسرائيل علي حساب القضية الفلسطينية، حيث نجح الرئيس الامريكي السابق ترامب في تسويق صفقة القرن التي كانت تستهدف تصفية القضية الفلسطينية وتمثلت أبرز تمظهراتها في الاتفاقيات الابراهيمية بين اسرائيل وعدد من الدول العربية.

في اطار تسليط الضوء على الأسباب الداخلية لمهددات الهيمنة التي تطرق اليها الكتاب في الفصل الخامس والأخير، أشار المفكر الامريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه

Political order and political decay

ان النظام السياسي الامريكي يمر بمخاض عسير جراء التآكل الداخلي نسبة لإختلالات توزان السلطات الداخلية بين السلطات التنفيذية، التشريعية والقضائية، وأشار بوضوح ان ما يضعف من فعالية النظام السياسي للولايات المتحدة هوطغيان سلطات التشريع والقضاء على حساب السلطة التنفيذية على النحوالذي وضعه الآباء المؤسسون في الدستور الامريكي.

وينبه الكتاب الي مخاطر تآكل النظام السياسي الذي منح امريكا تماسكها الداخلي والثبات والاستقرار ودوره في تأسيس الدولة الليبرالية الديمقراطية التي ناقشها في كتابه (نهاية التاريخ) لكن يؤكد فوكوياما أن اختلالات موازين القوة وعوامل التآكل الداخلي ستؤدي الي اضعاف النظام السياسي الامريكي وسينعكس ذلك سلبا على تمظهرات قوتها الدولية في النظام العالمي.

منذ ان تبنت الولايات المتحدة نظام التعليم المزدوج وهوOxbridge collage الذي جمع بين نظام البحث الالماني والدراسات البريطانية الذي بدأ في جامعة جون هوبكنز في الساحل الشرقي ظلت الجامعات الامريكية في موقع الصدارة العلمية في العالم، هذا رغم تدهور نتائج التعليم العام خاصة في المواد العلمية والرياضية التي تتفوق فيها الدول الآسيوية على وجه الخصوص. وقال مختصون استنطقتهم صحيفة “الواشنطن بوست” انه رغم تراجع أداء نظام التعليم العام الامريكي إلا انه قادر على استدامة التفوق في مجال (الابتكارات) لقوة الملكة النقدية والحرية الشخصية في النظام الاميريكي على عكس النظام الآسيوي(الصين، كوريا والهند واليابان) الذي يقوم على التقليد والمحاكاة والتلقين اكثر من تطوير ملكات التفكير النقدي.

إن الدكتور والسفير عماد الدين ميرغني يخوض غمار هذا التأليف وهومحتشد بأدوات الدرس ومناهج البحث العلمي والخبرة العملية. فهواضافة لتأهيله الاكاديمي الرفيع حيث انجز رسالة الدكتوراة متخصصا في العلاقات الدولية، فهوايضا دبلوماسي مطبوع وسفير مقتدر.

اذ تدرج في سلك العمل الدبلوماسي حتي درجة السفير، وعمل في سفارات السودان في أريتريا، السعودية، كوريا الجنوبية، الولايات المتحدة ،كما عمل قنصلا عاما في اسطنبول وسفيرا للسودان في مملكة النرويج.

تولي السفير والدكتور عماد قيادة العمل الدبلوماسي قائما بالاعمال بالإنابة في سفارة السودان بواشنطن في فترة عصيبة ومفصلية في تاريخ العلاقات بين البلدين، وشهد خلال فترة عمله تحولات السياسة الخارجية الامريكية عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وعاصر النقاش والحوارات الداخلية في الكونقرس ووسائل الاعلام والجامعات وفي البيت الابيض ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية حول توجهات السياسة الخارجية بعد الهجمات الإرهابية. كما شهد من واشنطن غزوالعراق وافغانستان وحصار وعزلة السودان.

وينطلق المؤلف من خبرة مهنية رفيعة في مجالات السياسة الدولية والإقليمية والعمل الدبلوماسي الثنائي ومتعدد الاطراف. كما توفرت لديه خبرة نادرة عن الولايات المتحدة وطريقة صنع السياسة الخارجية. لذا فهوجمع بين التأهيل العلمي والخبرة العملية في مجال العلاقات الدولية عامة والولايات المتحدة علي وجه الخصوص. وبهذا فهويناقش موضوعات الكتاب بمنهج علمي رصين ومعرفة عن كثب بالولايات المتحدة وتوجهات مصالحها الدولية وسياستها الخارجية. فجمع في هذا الكتاب عناصر النجاح التي يتطلع اليها كل كاتب يبتغي ايقاد شمعة للوعي والتثقيف العام.

هذا التأهيل العلمي والخبرة العملية زانتها مناقب ذاتية ولطف انساني أصيل، فالسفير عماد مهنيا صميما ومثقفا رصينا ورياضيا مطبوعا ممن يألفون ويؤلفون، وممن يسعون برفقة الزمالة والصداقة الي غاياتها منشطا ومكرها، مع تدفق اجتماعي يغترف من ينبوع لا ينضب من الحس الانساني النبيل والشفيف.

وحسبك ايها القاريء ان تجد في هذا الكتاب ما تبتغيه من معرفة، اذ بسطه كاتبه ليخاطب العقل ويتوخي الموضوعية هذا رغم ان ظاهرة الهيمنة الامريكية لا تترك لأي كاتب موقعا محايدا بل تدفعه دفعا حتي يتخذ موقفا بالانحياز اوالنقد. لكن يتميز هذا الكتاب بأنه يحلل الظاهرة في جذورها التاريخية ومهددات سيطرتها الراهنة دون ان يتخذ موقفا ايدولوجيا اوسياسيا، لكنه يدرس الظاهرة بحياد اكاديمي بارد ويعدد مهددات الهيمنة الامريكية دون ان يتبني موقفا من التاريخ اويقع في فخ التوقعات الافتراضية. وهوكتاب يفيد الدارس الأكاديمي المتخصص في قضايا السياسة وموضوعات العلاقات الدولية، كما يفيد أيضا القاريء غير المختص الذي يبتغي المعرفة والاستزادة من ينابيع الثقافة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق