ثقافة وفن

عرض وقراءة في نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه لكتاب (محمود محمد طه والمثقفون)

وتعقيب مؤلف الكتاب الدكتور عبد الله الفكي البشير عليه (5-18)

بقلم بدر موسى

شهادة عالم أنحنى للحق وهو يجسد التواضع

يقول المفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه: «التواضع هو أصل الخلق الرصين، الذي يسوق إليه العلم الصحيح».

جاء في صدر الطبعة الثالثة من كتاب: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، التي صدرت عن دار بدوي للنشر (ألمانيا)، 2022، والكتاب هو موضوع سلسلة حلقاتنا هذه، شهادة قدمها البروفيسور حسن أحمد إبراهيم، عميد كلية الآداب (الأسبق)، وأستاذ كرسي تاريخ السودان بجامعة الخرطوم، في حق الكتاب وفي حق المقالات الثلاث لمؤلفه الدكتور عبد الله الفكي البشير، والتي جاءت تعقيباً على نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه، أستاذة تاريخ السودان الحديث والمعاصر، ومديرة جامعة الخرطوم (السابقة)، كتب البروفيسور حسن أحمد إبراهيم في 29 يناير 2015، قائلاً: «أخي الأستاذ عبد الله.. تحياتي اطلعت بِحرصٍ شديد على المقالات الثلاث التي أجدها محقة في ما ذهبت إليه من قُصور في الدراسات السُّودانيَّة وفجوة لابد من الاعتراف بِها والتداعي لسدها بدلاً من دفن رؤُوسنا في الرمال. ولا أدري لماذا يُكابِر الناس حيث أن ما قلته في سفرِك القيَّم عين الحقيقَة. أشكرك على لفت نظَرِنا جميعاً لهذا الأمر المهم. لك الود والتقدير». حسن.

علَّق الأستاذ عصام عبد الرحمن البوشي، مدير جامعة ود مدني الأهلية، على شهادة البروفيسور حسن أحمد إبراهيم، فكتب، قائلاً: «قلادة شرف لك واعتراف عالم انحنى للحق».

نواصل في هذه الحلقة حديثنا بعرض ما كتبه الدكتور عبد الله الفكي البشير في تعقيبه على نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه لكتاب: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ. ونتناول في هذه الحلقة ثلاثة محاور هي:  الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه، والمحور الثاني: الدكتور محمد سعيد القدال، والمحور الثالث: الأطروحات الأربع وتجليات التغييب.

الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه

أولاً أشكر البروفيسور فدوى على أنها لفتت نظري للخطأ المطبعي في مفردة (البريطاني) في عنوان كتاب الدكتور فيصل، فقد رسمتها (السوداني)، وللخطأ في تاريخ ائتلاف حزب الشعب ال ديمقراطي مع الحزب الوطني الاتحادي عام 1967 فقد ورد عندي 1965، وقد سجلت الملاحظتين لتعديلهما في الطبعة الثانية القادمة.

وفصل عبدالله بشأن الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه، وبين أن قولها (ليس صحيحاً البتة، ما ذهبت إليه البروفيسور فدوى، من أن الدكتور فيصل لم يعتمد على مصدر أولي. لقد اعتمد الدكتور فيصل في كتابه، على مصادر أولية، وليس مصدراً واحداً، بل لم يعتمد الدكتور فيصل في هذا الكتاب أو في كتابه الآخر الموسوم بـ: السودان على مشارف الاستقلال الثاني (1954م-1956م)، مركز عبد الكريم  ميرغني الثقافي، أم درمان، ط1، 2010م، فيما أورده عن الحزب الجمهوري والأستاذ محمود، إلا على مصادر أولية. وهذه حقيق ة. لقد خصص الدكتور فيصل الفصل الثامن من القسم الثاني من كتابه: الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني، للحزب الجمهوري، وجاء الفصل بعنوان: «الإعلان في 4 نوفمبر 1945 عن قيام حزب استقلالي آخر: الحزب الجمهوري».وتناول الفصل قيام الحزب الجمهوري، ومبدأ الحزب وغرضه، وعلاقة الحزب بمؤتمر الخريجين، وعلاقة الحزب بالأحزاب الأخرى، ورؤية الحزب للعلاقة بمصر… إلخ. اعتمد الدكتور فيصل في كتابه هذا على العديد من المصادر الأولية، وليس مصدر اً أولياً واحداً، منها على سبيل المثال لا الحصر: بيان الحزب الجمهوري عن «دستور الحزب الجمهوري» وتضمن البيان «مذكرة تفسيرية»، صدر البيان في يوم 26 أكتوبر 1945، ونشر في صحيفة النيل يوم 4 نوفمبر 1945. واعتمد الدكتور فيصل كذلك على بيان الحزب الجمهوري الذي أصدره في 9 نوفمبر 1945 ونشر موسوماً بـ: «موقف الحزب الجمهوري من المؤتمر ومن وثيقة الأحزاب المؤتلفة»، بتاريخ 22 نوفمبر 1945 بصحيفة النيل. واعتمد الدكتور فيصل على منشور الحزب الجمهوري رقم (20)، بعنوان: «نداء من الحزب الجمهوري» وهو نداء موجه للمصريين.. تكررت فيه عبارة: «أيها المصريون»، ونشر البيان بصحيفة الأهرام، في يوم 5 فبراير 1947. كذلك اعتمد الدكتور فيصل في إشارة أخرى عن الأستاذ محمود، ضمن كتابه، في غير ذلك الفصل، على مصدر مباشر. فقد أورد تصريح الأستاذ محمود عن رحلة وفد الجبهة الاستقلالية إلى مصر، ونشر التصريح في يوم 8 يونيو 1952، بصحيفة السودان الجديد… إلخ.مع التذكير بأن الاطار الزمني لكتاب الدكتور فيصل الذي أشارت له البروفيسور فدوى هو الفترة ما بين 1936- 1953).

الدكتور محمد سعيد القدال

وتناول عبدالله ما كتبته البروفيسور فدوى، وهي تتحدث عن مؤلف كتاب الأستاذ محمود والمثقفون، قائلة: «لكنه كان انتقائياً فيما أورده واكتفى فقط بعبارة: وفصل القدَّال في ذلك (ص 371)، علماً بأن ما كتبه المؤرخ القدَّال عن الحزب الجمهوري يتجاوز الصفحة الواحدة بقليل وكان في معظمه نقد للحزب الجمهوري. فضمن طائلة ماذا يقع تغييب المؤلف  لنقد القدَّال؟ طائلة تزوير التاريخ أم عدم الالتزام الأكاديمي والأخلاقي». مؤكدًا بان من المهم الإشارة إلى أنه لم يطالب بأن لا ينقد الناس الحزب الجمهوري، وليس عنده أن القدَّال فوق النقد، مع كامل احترامه له، بل زاد في التأكيد على ان النقد مطلوب، وأن (والنقد هو إحضار وحضور للمغيب، كما أنني أرى أن لا تطور بدون نقد). مضيفًا (إن الذي طالبت به ليس عدم النقد، وإنما عدم التغييب والتهميش وبتر المعارف. فذكر الحزب الجمهوري حتى لو كان بالنقد، ذكر مطلوب ومحمود. أما حديثي عن الدكتور القدال، لم يكن عن كتاب واحد وإنما قلت «معظم كتب القدَّال»، وهذا ما يفسر أن القدال حينما خصص عنواناً للحزب الجمهوري في كتابه: تاريخ السودان الحديث 1820 – 1955، اعتمد على كتابه: الإسلام والسياسة في السودان 1651- 1985، وقد كان ضمن قائمة مصادره، وقد تحدث فيه عن الحزب الجمهوري والأستاذ محمود، حديثاً مطولاً اعتمد فيه على مصادر أولية منها كتب وبيانات وتصريحات، ومنها على سبيل المثال، لا الحصر كتاب الأستاذ محمود: زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان: 1. الثقافة الغربية2. الإسلام من كتابه: أضواء على المشكلة الدستورية، و كتاب: «الإخوان الجمهوريون، حيثيات المحكمة العليا في قضية الأستاذ محمود محمد طه: انتصار للحق، ودحض للحكم المهزلة»، إلى جانب أنه أورد كلمة الأستاذ محمود في محكمة المهلاوي يوم 7 يناير 1985، واعتمد على بيانات وحوارات وتصريحات للأستاذ محمود بشأن محكمة الردة الأولى، ونشر بعضها في صحيفة الأيام خلال الفترة: 17- 18- 19- 20 -21 نوفمبر 1968. وغطى حديث القدال في كتابه صفحات كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر، صفحة: 157، 158، 159، 160، 226، 227، 228، 229… إلخ. الشاهد أن القدال، ليس فوق النقد، ولم أقل أنه فوق النقد، فقط قلت أن معظم كتبه، تضمنت الإشارة إلى الأستاذ محمود، وهذا ما قصدته بقولي عن المؤرخين: «ولم ينفرد من بين هؤلاء إلا عدد قليل، منهم محمد سعيد القدَّال الذي تضمنت معظم كتبه الإشارة للأستاذ محمود وإلى نضاله والحديث عن حزبه».وقد أشرت إلى آخرين غيره، كان منهم فيصل عبدالرحمن علي طه، ومنصور خالد، وفرانسيس دينق، والتجاني عامر، وقلت وهناك آخرون غيرهم.

الشاهد أن تخصيص الدكتور فيصل، فصلاً في كتابه عن الحزب الجمهوري، وتخصيص الدكتور القدَّال، عنواناً باسم الحزب الجمهوري في كتابه، أمر، حسب علمي، لم يأتِ به أحد غيرهما، إلى جانب الذين أشرت لهم معهم، ممن كتب عن تاريخ الحركة الوطنية، أو تاريخ السودان السياسي، ولم يسبقهما فيه أحد، سوى أحمد خير المحامي في كتابه كفاح جيل. مع التأكيد على أن كليهما استخدم مصادر أولية).

الأطروحات الأربع وتجليات التغييب

الأطروحة الأولى: قضية إسلامية الدستور والقوانين وتأثيرها على الاستقرار السياسي

وقال عبدالله أن البروفيسور فدوى قد بدأت نقدها وتوضيحها برسالة الباحث عبد العظيم محمد حمد أبو الحسن: قضية إسلامية الدستور والقوانين وتأثيرها على الاستقرار السياسي 1955- 1985م، ماجستير غير منشورة، جامعة الخرطوم، 2010م.

وقد قال عبدالله في كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون: «فما كنت أعتقد أن هذه الرسالة ستكون قائمة مصادرها ومراجعها خالية من كتب الأستاذ محمود وبياناته ومناشيره». السؤال: هل خلت قائمة مصادر ومراجع هذه الأطروحة من كتب الأستاذ محمود وبياناته ومناشيره… إلخ؟ وهل ورد في قائمة مصادرها ومراجعها كتاباً واحداً من الكتب التي تصدر باسم الإخوان الجمهوريين؟

الإجابة: لقد خلت قائمة مصادر ومراجع هذه الأطروحة من أي كتاب باسم الأستاذ محمود أو بيان أو منشور… إلخ، كما لم يرد ذكر في قائمتها لأي كتاب من كتب الإخوان الجمهوريين. هذه حقيقة لا جدال فيها).

وعن قول البروفيسور فدوى، بأن المعلومات في الأطروحات «استقت من مصادر أخرى، وهو أمر معروف ومشروع في أبجديات البحث العلمي». علق عبدالله بأن: (هذا صحيح ولكنه ليس صحيحاً كل الصحة. فمن المعلوم كذلك في أبجديات البحث العلمي، ولعل البروفيسور فدوى تتفق معي، أن الاستقاء من المصادر الأخرى في ظل توفر المصادر الأولية Primary Sources يمثل نقطة ضعف أساسية في البحث العلمي، كما ورد آنفاً. الشاهد أن النقد هنا نقد مستحق، وأعتقد أن هذه الجزئية كان يمكن للبروفسير فدوي، أن تقدم لنا فيها، نقداً ذاتياً مستحقاً ومطلوباً في الدوائر العلمية. فاعتماد الباحث، على كتاب: عبداللطيف البوني، في ظل وجود وتوفر المصادر الأولية أمر يمثل نقطة ضعف جوهرية، تحتاج منا لإعمال الحس النقدي).

سأواصل في الحلقة القادمة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق