ثقافة وفن

بين كذب السياسي وعنف السلطة

عبد العزيز كوكاس

بلغة شذرية، وبنفس تأملي، يتتبع الكاتب عبد العزيز كوكاس عمق علاقة الخطاب السياسي بسلاح الكذب ويستكنه بلغة شفيفة عنف السلطة، المتجلي منها والمستور.

كذب السياسي

اغتيال غموض الحقيقة بوهم الدفاع عن تجليها.

في السياسة وحدها يسير الكذب والحقيقة على شكل متوازي، لكن الكذب يتقاطع بقوة مع الحقيقة، ففرص إثبات وجوده أقوى من فرص ظهور الحقيقة التي لا أتباع لها ولا حشود.

في السياسة، للكذب ابتهاج أقوى بالحضور مرتين: حضوره الطبيعي ككذب وحضوره الثاني حين يُزيح الحقيقة ولا يسمح لها بحق الحضور..

-لكن متى تسعد الحقيقة حتى بغيابها؟

-حين تجد أن الكذب لعب أدوارا مهمة في حياة أمة أحسن مما لو سادت فيه كحقيقة!

الصالح العام

شجرة تخفي غابة من المتوحشين الآدميين:

انتهازيون وقناصو فرص، مصاصو دماء، زعماء سياسيون ينبتون مثل الفطر يحترفون الكذب وبقوة الخيميائي يحولون الخسارات الموجعة إلى انتصارات على غير مثال سابق، جنرالات خططوا لحروب لم يخوضوها وجنوا مغانم لا تحصى، جرائم ذوي الياقات البيضاء، «فيدورات» الفساد، أفّاكون ومنافقون ممن ساعدوا الزلزال أن يرتفع أكثر على سلم ريشتر، ليبنوا للأحياء الناجين بيوتا بسعر السوق السوداء، تجار الحروب وأكاذيب كثيرة..

كم يلزم من حرائق لنكتشف كل الحقائق المختبئة في جوف شجرة الصالح العام !

المصيبة والمصيب

السلطة مصيبة والجالس على الكرسي دوماً مصيب!

لا قبر يتسع للزعيم

نادراً ما مات الديكتاتور على سرير نومه بشكل هادئ وبدون زوابع، فموت الطاغية مستفز، استثنائي، فرجوي، ميلودرامي، مليء بالإثارة.. يموت الحاكم المستبد وتتناسل حكايات وأساطير تنمو مثل كرة ثلج حول شكل موته الغريب والوحشي.. ولأن الطغاة دهاة حتى في موتهم فإن الأحياء يستمرون في القلق من جثثهم التي لا يتسع لها قبر.

جثة الطاغية ذات مكر خاص، تظل مصدر خطر داهم بالنسبة للأحياء.. حتى الثوار منهم لا يثقون بنصرهم إلا بعد إحراق جثته وذرها في البحر، أو إخفاء معالمها عن عامة الناس، هكذا هم الطغاة يحيروننا لما يحكموننا، ويحيروننا لما نقتلهم ويموتون.

صدق الكذب

الكذب مجرد تنفيس عن احتقانات الحقيقة، وحاجة الصدق لعدم الوضوح.

الكذب حبل قصير للمشنقة.. أشبه بأُكلة مع الشيطان بملاعق من ذهب.

التباس مفهومي

أيهما أكثر صدقا:

من يحسن التعبير عن الكذب أم من يسيء التعبير عنه؟

حجاج

الكذب فن البحث بمكر عن حجج للإقناع، فيما الصدق ساذج لا يُتقن الدفاع عن صدقيته.

هاجس مؤرق

السهر الدائم للسلطة هو ما يؤرق الحاكم

فالعين التي لا تنام.. لا ترى.

درس في الإستوغرافيا

الكذب هو ما يجعل السياسة ممكنة والتاريخ حفنة وقائع لم تحدث يرويها أفاكون وأدعياء.

انقلاب

الثورة لها مدة صلاحية محددة كرمز للتجديد والتغيير، بعدها تحمل في ذاتها نقيضها وما

جاءت بالضبط من أجل هدمه.

شهوة الكذب

شهادة الكذاب مثل شاهدة القبر تدلنا على أمكنة لا يقيم فيها أحد.

الذئب والحمل

السياسي الذي يبدو زاهدا في السلطة، لا يكذب ولا تتسخ يداه بدم المنافسين ولم يتحالف مع الشيطان، إما سياسي فاشل أو ذئب بقناع حمل وديع.

حقيقة

العري في الحقائق مجرد كذب.

حرمان

ما يفتقده الكذاب، ليس قول الصدق، بل فضيلة الزهو وسعادة الاعتقاد بقول الصدق.

الكذب كفعل

ولو حملتَ مصباح ديوجنيس فلن تجد أي حقيقة في خطاب السياسي والداعية، سوى حقيقة فعل الكذب، أي المراوغة، المكر، التدليس، الخداع، المخاتلة…

فالكذب، كما يعلمنا دريدا، هو إتلاف حقيقة الواقع وإخفاء مستنداته الأصلية.

الخادع والمخدوع

كم يُبدع الكذاب ويجهد نفسه في تحريك قاع أخيلته ليقول الكذبة الحقيقية؟

لا يخيف الكذاب سوط الحقيقة ولا كلفة الكذب، بل سذاجة الصادقين الذين يتلقون الكذب ببراءة..

ما يؤلم الكذاب هو تلك النظرة الخبيثة التي تصدر من المخدوع نحو الخادع.

لغة السلطة

لغة السلطة هي كل لغة تملك حجية الإقناع بالشيء ونقيضه:

الحرية والقمع، الزبونية والكفاءة، الحياة والموت، الكذب والصدق…

لأن أول ضحية في لغة السلطة.. هي الحقيقة.

الصدق

هو القبول المسبق باستعمال الحق في الكذب.

الزعيم لا يموت!

من شنق صدام إلى سحل القذافي.. لم يصدق الكثيرون أن الزعيمين قد ماتا.

موت الطاغية يظل في اعتقاد عامة الناس أشبه بالخدعة، فالمستبد استثنائي، كائن يقترب من الأسطورة، وبحكم دهائه ومكره يملك قدرات غيبية لينبعث من جديد، يتجمهر الناس حول جثة الطاغية يريدون التأكد من أنه غادر عالم الأحياء ولن يعود إلى سابق بطشه، إنهم لا يثقون بالأخبار الرسمية، فالشعب المضطهد يصطف في طوابير للتأكد من موت الزعيم، وأنه ليس أمام خدعة حرب، بل إن الجثة نفسها لا تقوم كدليل على موت الحاكم المستبد، إذا لم تُلمس أو تصور أو ترى في مشهد فرجة جماعي.. لكي لا ينبعث من مرقده الأخير، ليس الحاكم، ولكن حكمه المستبد، إرهابه وطغيانه ورعبه.

حقيقة الكذب

نُنعش جذور الأمل فينا بماء كذب الآخرين..

أحيانا يبدو الحبل القصير لمشنقة الآخرين هو الدليل الوحيد على ما تبقى فينا من وجع

الحياة.. فالكذب لا يُوقف نَسْل الحقيقة!

وهم

الشفافية والمساواة محض كذبة لبناء وهم التماسك الاجتماعي.

عنف السلطة

هل كان ميكيافليي حقا منظرا للسياسة أم مجرد مبرر لاستعمال توابل العنف في صلصة

السلطة، فهذا الرومانسي ظل مفتونا حد النخاع بالنموذج الروماني القديم للحكم، ألم يكن

كل مساء، حين يدخل مكتبه يلبس حُلة ملكية تليق ببلاط إمبراطوري.

أثر من لاوتسو

الصدق كلمات حقيقية ليست جميلة

الكذب كلمات جميلة ليست حقيقية.

كِدية

كَذبُ السياسي لا يصدقه مَيِّت يمني النفس بعودة الحياة إلى قلبه.

لِم تحمله الحشود دوماً كزاد لا يثمر!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق