بدوياتسلايدر

عندما تنعي القوافي مظفر نوّابها وتبكي بحورها بالدمع الغزير (1-2)

أحاديث الذِّكر مع د. محمد حسين بزي صديق الشاعر

د. محمد بدوي مصطفى

توطئة:

إن إشراقة هذا المقال (تحت عنوان مؤقت: الشعر ينعى مظفر النواب) جاءت من وحي صديق جميل، شاعر نبيل، وناشر جليل، ابن لبنان العروبة وبيروت السلام والصمود، فقد كتبت عنه في غير موضع، في الصحف والأسافير والأضابير، ولا زالت صحائفي مليئة بالحديث عنه وعما يقوم به من أعمال ثرّة في مجال الأدب والشعر والصحافة والنشر. أو لنقل لا تزال طاولتي مليئة بالخبز في شأنه، على حدّ قول المثل الفرنسي. والمعني بالحديث أعلاه د. محمد حسين بزّي، وهو صديق وفيّ لشاعر العرب المخضرم مظفر النوّاب، ويا للجمال ونبل الصداقة عندما يرحل منّا الأصدقاء يبقى فينا القليل من الأوفياء وقوفاً، يشيرون لهذا وذاك بالنصح ألا ينسوهم وأن يذكروا حسنات شعرائهم، أدباءهم وموتاهم على العموم. وهكذا تجلت كلمات د. محمد حسين بزي تجاه مظفر النوّاب.

کنت قبيل أيّام أقرأ كتاب المرشد لأشعار العرب، وفي مقدمته كتب البروفسير عبد الله الطيب، هذا العالم العلامة والحبر الفهامة، ابن السودان البار وبرهان علمّه المكنون، فوجدته يشير لشيء هام جدّا؛ قضية الاقتباس والسرقة عموما من علمه دون الإشارة إلى المرجعيات فقال: «رأيت بعض الفضلاء يأخذون منهم ولا يشيرون إليه.» وهكذا جاء إحساسي تجاه شعر مظفر النوّاب الذي أثرى عالمنا العربي، بجرأته، جماله، صموده وموسيقاه الدافقة الدفاقة، العامرة بالطرق والضرب والحسبان.  أقصد أن كثير من الفضلاء يأخذونه دون الإشارة إليه. فرأيت وصديقي د. محمد حسين بزّي أن نُعيد لهذه القوافي حقّها في الكتابة عنها والإشادة بها وأن نصرخ في وجه من يأخذون قوافي واحساس مظفر دون الإشادة أو حتى الإشارة إليها. فالنبل يتجلى في صدق التعامل مع الأدب والشعر بالاحترام وكنه الاحترام أن نبجل دندنات القوافي ومن سهر الليالي في أن يجعلها واقعا بين دفات المكتبات في طرقات الكتب والأسافير وطرقات العلم وترهاته الشاقة المديدة.

مظفر لم يخشَ في الله لومة لائم:

أحد أهم شعراء بلاد الرافدين، دجلتها وفراتها، رصافتها وجسرها، ودون مغالاة يا سادتي فقد، ودعوني ألعب بجذور لغتنا العربية الرائعة لأردّ لهذا الشاعر ولو بعض من جمائله علينا وأن يكون نعم الجزاء الوفاق، وما جزاء الإحسان إلّا الإحسان؟! فشاعرن المخضرم قد ظَفَرَ، ظَفَّرَ، ظَافَرَ، أظفرَ، تَظَفَّرَ، تَظافَرَ، اِنظَفَرَ، اِظطَفَرَ، اِظَفَرَّ، اِستَظفَرَ بقلوبنا وأفئدتنا، كما وحاز على حبّ بلاده بجمالها وبحبّ أهلها وناسها، ومن هناك انطلقت شعلةُ الظَّفرِ النوَابَيّةِ لتشمل كل أعطاف الوطن العربي وتحتوي قلوب البشر العطشى لجرعة الحرية ولقمة الكرامة، ذلك من الخليج إلى المحيط.

تعرض مظفر للحبس ونُكِّل به كما نُكِّل بزملائه المعارضين لحكومة صدام حسين، فهو وإن لم أغال من قلّة الشعراء الشيوعيين الذين دفعوا، بسبب شجاعتهم وأنهم لا يخشون في الله لومة لائم ثمنًا باهظًا لآرائهم فبقوا في غياهب اليمّ وفي دهاليز السجون وبيوت الأشباح سنين عددا.

وبعد كل تلك الكوابيس القاتلة استطاع أن يقضي وقتًا طويلًا في دمشق الصمود وبيروت الجمال والعديد من الدول الأوروبية الأخرى التي دعته لينعم بالحرية التي فقدها بوطنه ومسقط رأسه، لأنه كما الحلاج، قال «أنا الحق»، نعم قولة الحق، وقال «ظز» دون أن يتصافق في وجه الجبابرة وبصق في أعينهم ليقول لهم «أولاد ال….» في قصيدته المشهورة.

وتعود أصول شاعرنا المخضرم إلى بيوت عراقية عريقة وسامية، وقد كان والده من الأثرياء في تلك الفترة، ولكنَّه تعرض فيما بعد إلى العديد من الانتهاكات والإشكالات التي أفقدته ثروته، وتعود جذور أسرته إلى موسى الكاظم. لقد خلّف لنا مظفر النوّاب كنزا من بيوت الشعر وبحورها العظام، لقد ترك قصائدًا عديدة من بطون الشعر العاميّ أو لنقل الشعبيّ العراقيّ، كما ورثنا منه وعنه كنوزا بالفصحى، وسوف أقف في هذا المقال على بعض ومضات حياته، أنفاسه وتجلياته، التي أثرت حيواتنا أدبًا وشعرًا، جمالًا وألقاً، حبًّا وحكمًا، صراحة وفضحًا، والحديث يطول، «فليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح، ولا أرضى له كلمي».

د. بزي يعيد ذكرى سلطان القوافي وسيّاف الكلمات:

في حديث ثر مع صديقي الكاتب، الشاعر الجميل بزي، يكتب لي قائلاً أخي محمد من منا لا يعرف الشاعر الكبير مظفر النواب؟، من منا لا يعرف هذا البحر الهادر والشاعر الثائر؟ من منا لا يحفظ ولو مقطعاً من شعره؟ مظفر صاحب الصوت الشجي، والإلقاء المميز، يغيب عن دنيانا عن عمر ناهز 88 من السنوات التي قضى معظمها غريباً عن وطنه العراق، مظفر المرتحل الدائم بين العواصم لم ينعصم يوماً عن حب فلسطين، ولا عن قضايا التحرر العربية والعالمية، لم يكن إلا الشاهد المتواصل شعراً وحباً، حزناً وفرحاً، ومهما اختلفت معه فلا بد لم من أن تحبه، لشاعريته من جهة، ولصدقه وثباته من جهة أخرى.

مظفر النواب الذي نعته معظم النخب والمنابر والهيئات الثقافية والشعرية في العالم العربي؛ حتى لا تكاد تحصيها، ومنها ما كان لافتاً ومميزاً، ومن هذا اللافت والمؤثر كان نعي الشاعر والروائي اللبناني محمد حسين بزي الذي ربطته علاقة عميقة بالكبير مظفر النواب.

يبدأ محمد حسين بزي نعيه بكلمات شاعرية شجية تشي بمدى تأثره بمظفر وحزنه على رحيله حيث يقول: «شهقة على دم المستحيل، غربة وسع المدى، شعر يرد الصدى، نرجس الحرف ونواره حيث يصدح غزل الكادحين، فؤاد الصمت المتواضع في سكون الثوار الصاخب، ريح حمراء ينقشها البحر تحت عنق الشمس؛ فلا تغيب، بسمة الطفل المحاصر في تلّ الزعتر، وأنخاب الظالمين في جماجم الشهداء.. كلّهم يشهدون أنّك المتفرّد الفرد بين الجمع الذاكر للأرض في زمن عزّ أن يتكرر.. كلّهم يشهدون أنّك المِرود الذي انتجبته السماء لرمشها الأقصى عند القيامة في القدس يوم اكتحلت بتربة الصخرة؛ وأنت تنحت الوقت على رزنامة الغيم الثائر حتى يتعامد كما رمش السماء على الأرض، إنّه نهر العراق الثالث أو مظفر النواب».

ويضيف «بزي»: «بدأت معرفتي بمظفر النواب في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، مقهى «المودكا» في شارع الحمرا، وقصر «اليونيسكو» الحافظ للعهد والوعد، ويوم فاجأتني باكراً في منزلي الصغير؛ وكم أصبح كبيراً بك، في رحلة البحث عن «الريل وحمد»، واللقاء العامر بالحبّ والشعر والمسرح والدمع مع الأستاذ جواد الأسدي.. وما أدراك ما جواد الأسدي..! في هذا اليوم قرأت عليك قصيدة كنت كتبتها في أستراليا ولم أنشرها حتى الساعة، فسال ضياء يديك على الطاولة كطيف يبتسم للمطر وهو يربت بحنان وأنت تقول عن مقطع منها: «لم يسبقك إليها أحد.. أعدها، أعدها»..! ويوم قلت لي عن أحدهم، انشر ديوانه، «إنّه شاعر يقاتل بالغَمام»..!،..» ويضيف «بزي» في حرقة: «أتذكر يا أبا عادل يوم استوقفتنا تلك البصّارة على «الروشة»..؟ فقرأتْ لي حظ خطوط الشعر وأنت تبتسم، لكنك كنت تصوّر بعينيك كل حظوظ البحر من الماء وخطوطه من الموج، وبعدها قرأتُ عليك «كفّ المير والبصّارة» التي طلبت مني إعادة قراءتها لمرتين، وشهدتَ أنّها مسرحية متكاملة.. وما أشهاها تلك الأمواج التي كانت تضطرب مجنونة بالصخر الصلد تحت أعيننا وقت جلستنا في «دبيبو» والقهوة بيننا تستزيد الشعر انهماراً، فكأنّ بيروت عصرت شِعرها الأسمر في تلك الفناجين التي احتفظت بالأسرار. وتستمر الحكاية في دمشق الياسمين، مقهى «الروضة» العريقة رغم قلّة سطورها، ثمّ مقهى «الهافانا» الأسطورية حيث طاولتك المعهودة المحاذية لواجهتها الزجاجية وأنت تتأمل في وجوه المارّة، وتحدثهم بالشعر الذي يصمد على أوراقك التي تشتبك فيها الأبيات والتفعيلات والخربشات، كأنّها معمودية الحبر المشفَّرة حتى تنقطها».

ويعود «بزي» إلى بيروت مستحضراً النواب ويقول: «ونعود إلى بيروت، إلى أمسية قصر «الأونيسكو» السبت 2/12/2000 يوم اشعلتَ مسرحه شعراً، فانفجرت الجماهير عن بكرة آبائها وأجدادها، فسرت قشعريرة السحر الثوري في شوارع المدينة.. قصائدك، صوتك، أنفاسك، التي ارتعدت منها ولا زالت فرائص الظالمين.

وفي آخر لقاء أواخر سنة 2012 كان في «الجامعة الأمريكية» في بيروت».

ويختم «بزي» كلامه عن النواب شاكراً الإمارات العربية المتحدة على حسن رعايتها للشاعر الكبير: «مظفّر النوّاب صاحب المدرسة الشعرية المتفرّدة والجارحة التي امتدت لأكثر من نصف قرن؛ غريب بغداد، عاشق القدس، وحبيب بيروت، ونديم تلّ الزعتر، وصاحب «وتريات ليلية»، وحادي «للريل وحمد» لم يخسره العالم العربي فحسب، بل خسره العالم أجمع، لما لهذه الشخصية من بصمة إبداعية حاكت الشعوب، وعاشت همّها، ودافعت عن قضايا التحرّر، سيما نصرة القضية الفلسطينية ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، فكان الشاعر الثائر، والمثقف الهادر، والمنفي المهاجر من بلد إلى بلد، ولكنّه رغم النفي والسجن والملاحقة؛ فإنّه لم يساوم ولم يهادن، بل زاد منعة وشكيمة وتحديًا للظلم. مظفّر النوّاب مُشعِل العواصم وشاغلها وشاعرها الأكبر جماهيرياً، الذي دفع ثمن مواقفه سجنًا وملاحقة وغربة وأمراضاً، ورغم كلّ المفارقات والادعاءات، فإنّه لم يجد ملاذًا آمنًا لعلاجه والعناية به في مرضه الأخير الذي استمر لسنوات سوى الإمارات العربية المتحدة، خاصة عناية واهتمام حاكم الشارقة الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، وهذا حري بالشكر والعرفان للإمارات وللشيخ القاسمي».

وكان الشاعر العربي الكبير مظفر النواب قد وافته المنية في مستشفى الجامعة في الشارقة بعد صراع مرير مع المرض يوم الجمعة 20 مايو/ أيار 2022 عن عمر ناهز 88 عاماً، ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه في النجف ليدفن فيها بناءً على وصيته.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق