سياسة

خارج المتاهة

«الديمقراطية» ... فاقد الشئ لا يعطيه

محمد عتيق

النظرة الجادة لظروف السودان وطبيعة مشكلاته وقضاياه تقودنا إلى القول بأنه لا معنى لقيام حركة مسلحة طالما أن الاستقلال الوطني عن المستعمر قد تم بالتوافق ، أما قضايا مرحلة ما بعد الاستقلال ، والتي تتلخص في دعم الاستقلال السياسي بالاجتماعي والاقتصادي وقضايا البناء الوطني ، فإن مواجهتها لا تحتاج إلى بندقية .. البندقية وممارسة الكفاح المسلح تكون ذات جدوى – في مثل حالنا – عند مواجهة الاستعمار بهدف الاستقلال ، أما وأنه قد تم فإن ممارسته لا تعني سوى إضافة مشكلات وتعقيدات إضافية للمشكلات القائمة أصلاً في الوطن ( كما سنرى لاحقاً ) ..

   تلك كانت النظرة التي اعتملت طويلاً في العقل وفي الوجدان كمبدأ ، غير أن الرؤى والأفكار التي طرحها الدكتور جون قرنق في تبرير قيام «الحركة الشعبية لتحرير السودان» قد وجدت استحساناً فحدث الإستثناء ، فرغم أنها حركة جنوبية (من جنوب السودان) جنوبية المنشأ والهوى إلّا أن قائدها الشهيد أكد على أنها ؛تستهدف تحرير كل السودان من الموروثات البالية وعلى رأسها التمييز على أساس اللون والدين والجنس «أنثى أم ذكر» ومساواة الجميع أمام القانون ، و تدعو إلى «السودانوية» كنهجٍ وكبؤرةٍ تجمع كل السودانيين وتُوحِّدهم و…و..إلى آخر الرؤى التي جسَّدَها حتى في سلوكه الشخصي وعلاقاته مع الآخرين ، غير أنه (رحمه الله) كان يتعامل مع واقع قَبَلي شديد التعقيد ، فاضطر إلى التعامل مع ذلك الواقع حتى في الاختيار الديمقراطي لمن كان ذلك الواقع يفرضه عليه أن يكون في المواقع القيادية العليا .. وظلَّ يؤكد على تلك القيم النبيلة إلى أن وصل إلى السلطة (انتصاراً أو  تفاوضاً وتوافقاً) ، وتأكَّدَ ألعالم بأجمعه أنَّ هذا الرجل لا ولن ينطلق في كل الأحوال أو المواقف إلا من مصالح السودان العليا ، وهنا – في إعتقادي – كان مصرعه ، بعد أن وجد التفافاً شعبياً لم يحدث لأحدٍ في السودان ، وربما أراد له الله تعالى أن يمضي إليه مُحاطاً بذلك البريق وتلك الهالة الجميلة.. فمن يضمن الوضع بعد أن يصل الثائر إلى السلطة ؛ التعقيدات الاجتماعية التي فرضت عليه التعامل معها بالأمس ، وبعد الوصول إلى السلطة ، ستغدو أكثر تعقيداً وأكبر حجماً .. عندما تواجهك المطالب :»نفِّذ ما كنتَ تدعو له» ! ، وهل الحركة المسلحة (في حالتي المعارضة والسلطة) هي أصلاً ديمقراطية ؟ هل تُمارس أو ستمارس الديمقراطية أم مثلها مثل الأحزاب التي نعرف ؟… إلى آخر الأسئلة..

وبعد أن (حدث ما حدث) وانفصل جنوب السودان ، أصرَّ أعضاء الحركة من أبناء الشمال أن تستمر الحركة في الشمال (في جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة) تحت اسم الحركة الشعبية/شمال.. وسبق ذلك ، عند انفجار الأوضاع في دارفور ، أن انطلقت حركات مسلحة : حركة تحرير السودان التي انقسمت لاحقاً إلى جناح مناوي وجناح عبد الواحد ، وحركة العدل والمساواة ؛ لم نجد لأيٍّ منهم في دارفور والمنطقتين إنتاجاً فكرياً واضحاً يبرر قيام عمل مسلح.. جميعهم ذهبوا يكررون أقوال وتسميات وتشبيهات الحركة الشعبية لتحرير السودان في عهد وبلسان د.جون قرنق ، يتقمَّصون روحه وأفكاره رغم الاختلاف وعدم التشابه في واقع وخلفيات المناطق التي يمثلونها ، بمعنى أنّ حركة قرنق كانت تعبيراً جنوبياً عن أزمات السودان كله ، شمالاً وجنوباً ، في حين أن حركتي دارفور (بانقساماتها اللاحقة) تحدثت عن بعض أزمات التطور الوطني في البلاد بعيداً عن أية خصوصية تنفرد بها دارفور عن الشمالية أو جبال النوبة عن الشرق أو جنوب النيل الأزرق عن وسط السودان ، معتمدةً فقط على السلاح وعلى القبليَّة والقبائل كممثلين لها ولمصالحها ؛ ممثلين ل «قبائل» … لا جديد في الأمر سوى التقليد ، لا عقائد وأفكار واضحة سوى الذي يُقال عن حركة العدل والمساواة بأنها الجناح المسلح للمؤتمر الشعبي (جناح حسن الترابي في تنظيم الكيزان) …

لاحقاً نشأت «الجبهة الثورية» كتحالف بين الحركة الشعبية/شمال، حركة العدل والمساواة ، وحركة تحرير السودان/جناح مناوي .. عنصرين من حزبي الأمة والاتحادي ظهرا كأعضاء وقياديين في : الحركة الشعبية ومَثَّله السيد نصر الدين الهادي المهدي الذي استدرك الأمرلاحقاً وانسحب تماماً من المشهد . الاتحادي الديمقراطي ؛ وقد مَثَّلَه السيد التوم هجو في حركة العدل والمساواة .. أرادت تلك الحركات أن تَتَزَيَّن بهما (تعبيراً عن : قُوَّتها وانتشارها واختراقها حتى للحزبين «الكبيرين») !! وسبق ، خاصةً حركة العدل والمساواة  أن كانت تَتَسَتَّر خلف عناصر من أبناء قبائل معينة في شرق السودان يأتون بهم إلى أسمرا (على هامش اجتماعات قيادة التجمع الوطني الديمقراطي) كَدُعاةٍ لها في تمثيليات ساذجة ..

الميثاق الذي ضم حركة العدل والمساواة مع جناح مناوي والحركة/شمال في إطار «الجبهة الثورية» كان ينصُّ على دوريَّة الرئاسة ، وكانت الدورة الأولى للسيد مالك عقار (رئيساً للجبهة الثورية) ولكنه رفض ترك المنصب عند نهاية دورته ،، انتظره جبريل إبراهيم (الرئيس القادم) ولما أصر السيد عقار على الاستمرار في المنصب انقسمت الجبهة الثورية إلى قسمين : العدل والمساواة ، والآخر يضم الحركة/شمال وحركة مناوي. وفي تطور لاحق أعلن السيد عبد العزيز الحلو نائب رئيس الحركة/شمال انقسامه عنها محتفظاً تحت قيادته بالغالبية العظمى من قوات الحركة في جبال النوبة ، وببعضها في جنوب النيل الأزرق ، وفي انقسامه هذا خرج السيد الحلو بحركته من «الجبهة الثورية» ..

سقوط رأس النظام كمرحلةٍ أولى من مراحل ثورة ديسمبر ٢٠١٨ الجبارة ، استدعى قيام سلطة انتقالية تقاطعت للسيطرة عليها كثير من المصالح الإقليمية والدولية ..

   الجبهة الثورية بقسميها : جناح عقار وجناح جبريل جاءت مهرولةً لترتمي في أحضان عدو الأمس (المكون العسكري ومليشيا الجنجويد) ، ولتساهم لاحقاً ، بالتأييد أو بالتشجيع ، في انقلاب البرهان/حميدتي في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ .. بعض عطاء هذه الحركات المسلحة ومواقفها تقول :

** بمجرد سقوط النظام كان المُتَوَقَّع أن تأتي قيادات تلك الحركات إلى الخرطوم لتشرع مع زملائها في قحت في وضع الخطط اللازمة لمواجهة قضايا ومشاكل دارفور والمنطقتين بدءاً بالنازحين واللاجئين والمنزوعة قراهم وحواكيرهم … الخ ، وبدلاً عن ذلك ذهبت تطوف على دول الإقليم بحثاً عن «سلامٍ» يتفاوضون عليه مع السلطة الانتقالية التي هم جزء منها  (افتراضاً) !! وبذلك كشفوا عن تواطؤٍ مع مخططات إقليمية  ( كُلٌّ مع الدولة التي تناسبه ) إلى أن استقرُّوا في «جوبا» تحت رعاية واحد من كبار (البلطجية) في الدولة الشقيقة ، وانتجوا إتفاق سلام جوبا الذي صمَّمَتْه منظمة أمريكية ضمن خطة تستهدف تقسيم السودان وفق المسارات التي حَدَّدَتْها تلك الاتفاقية ، وبعد التوقيع جاؤوا إلى الخرطوم مهرولين نحو الوظائف التي قاتلوا من أجلها ..

** الكثير من عناصر تلك الحركات تم ضبطها ضمن عصابات نهب مسلح ..

** السيد قائد حركة العدل والمساواة ، ومن خلال وزارة المالية هجم على إمكانيات البلاد ومصادر دخلها من ضرائب ورسوم …الخ بإسم حقوق أهالي دارفور (وتنفيذاً لإتفاقية جوبا بخصوصهم) وحوَّلَ حياة الناس بؤساً على بؤسها واهلاكاً على هلاكها ..

** نفس الشباب الذين ساهموا في إسقاط النظام وفتحوا الطريق أمام قيادات العمل المسلح أن يأتوا إلى الخرطوم ، نفس الشباب في تظاهراتهم الاحتجاجية السلمية ، خرج عليهم السيد مالك عقار ، رئيس الحركة الشعبية/شمال وعضو المجلس السيادي (قبل وبعد الانقلاب) ليصفَهُم بأنهم أطفال مخرِّبون و…و..(نفس لغة نافع وأحمد هارون) !!!

الثورة التي أسقطت واحد من أعتى الانظمة الشمولية بسلاح السلمية (الإيمان ، الثقة) قادرة على مواجهة وإسقاط البرهان/حميدتي/والحركات .. وفعلاً : فاقد الشيء لا يعطيه ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق