ثقافة وفن

الهميم الماحي … تشكيليّ كوكبيّ

ثورة فنيّة في طريقها إلى قمم الثّريَّا ... فنًّا وإنتاجًا

د. محمد بدوي مصطفى

الهميم الماحي، ابن الريف، هذا الرجل الذي علّم نفسه بنفسه، الفن والصناعات الكثيرة التي لا يمكن ذكرها في سياق هذه السانحة المقالية. نعم، يعرفه الكثيرون، أولئك الذين يأتون إليه حاجين، راجلين، سائقين من كل صوب وحدب. يقصدون مكانه البديع على الهواء الطلق وعلى مسمع ومرأى من كل البريّة، ناشدين المتعة والصفاء عند رؤية معرضه الذي تفرد بوجوده بشارع النيل الظليل و أمام أعظم متحف من متاحف أفريقيا: المتحف القومي السوداني. يقف الفنان الجميل الهميم المحامي بكل تألقه ونشاطه المعروف، وبهمّة منقطعة النظير، محبًّا لما يقوم به، مومِئا بكل احترام لمن يأتيه قاصدًا له، باحثًا عن بشاشته الخلوقة، أو ليجالسه، يصبو لمعرفة سوالفه وسوالف الفن وأهله الكثر في السودان والعالم. 

يدهشني هذا الرجل البديع، الفنان الكوكبيّ الهميم الماحي، بإنتاجه الغزير وتطور أدواته الفنيّة المضطرد، بذكائه في احتواء ونهم المواد التي يتلقاها عبر الأسافير، التي تتيح له رؤية العالم من على البعد، وتجعله يتوسع بكل أريحية في مجالات الرسم المختلفة والمترامية الأطراف، يتمطّى في رحابها وبكل فروعها ومجالاتها الواسعة ويجوب أرجاءها وجخانينها يدرس ما احتوته سمات غزيرة ومتباينة بكل وعورتها وبتدرجاتها الكثيرة والكبيرة. كما يدهشني الأستاذ الهميم الماحي بتواضعه الجمّ وأدبه العظيم، فعلًا هو إنسان بكل ما تحمل الكلمة بكل معانيها، وأخ وفيّ وصديق صدوق لمن يعرفه حقّ المعرفة وأب رحيم بأولاده الخمسة. حقيقة، لقد تعاملت مع العشرات أو المئات من التشكيليين في السودان وخارجه، على نطاق العالم، وبطبيعة الحال هناك الصالح والطالح، بيد أنني حقيقة لم أجد فنّانا تعامل معي شخصيًا ومع من أعرفهم بنكران ذات وتواضع وهمّة مثل الأستاذ الفنان الهميم الماحي. ضف على ذلك أنّه اتسم بأعماله الكبيرة فنًا ومعنويةً، ولو كره الكافرون الحاقدون عليه وعلى سيرته الذاتية التي ما هي إلا طريق من نور، وأيّ نور، أن يعلم المرء نفسه بنفسه. ورغم كل هذه المرارات التي عاشها، ظل هذا الرجل إنسانا في تعامله وصادقًا في تبادله ومنصفًا فيما يطلبه من المحبين لفنّه كأتعاب لأعماله، حتى بعد جفاف أمواج الزوار عن المتحف القومي، ورغم هذا الجفاف الطارد، فقد ظل أولئك الزوار لا سيما الأجانب منهم، وفيين لعلاقتهم به، إذ يأتونه دون انقطاع من المؤسسات الأجنبية الكثيرة دون ذكر الأسماء. يتسم الهميم بأنه رجل منصف، صادق، لا يهمه المال بقدر ما تهمه العلاقة وصيرورتها، فهو حكيم وبعيد النظر، عكس الكثيرين ممن يدعوا الفن، يعلم أن الطمع – كما يقول المثل السوداني – ودّر ما جمع. للأسف تجربتي مع الكثير من التشكيليين جعلني أكون حذرًا مع من أتعامل، وحذرًا من أفواه وأيادٍ شرهة لا ترنو إلا للدولار ولا تنشد أبدًا معرفة الآخر، إذ يهمها فيما يهما أمر واحد فقط: الضربة القاضية السريعة، لا العلاقة المستدامة.

إن  الأستاذ الهميم الماحي هو  بعيد كل البعد عن هذه الصفات وهو حقيقة فلتة وتميز، متفرد بإنسانيته في فضاء الفن التشكيلي بالسودان وخارجه، وسوف أجتهد ما استطعت، كناشر وفنان وكاتب وصحفي ونائب برلماني مسؤول في سياق التربية والتعليم والفنون الجميلة، أن أقدمه للمحافل العالمية وأن أحتفي بفنّه بما يستحق، لأن فنّه عميق في معانيه، متفرد في إيحاءاته، نادر في رونقه، وجميل بكل المقاييس العالمية والكوكبية، وأقول للهميم وما جزاء الإحسان إلا الإحسان؛ متمنيًا أن يكون عملي الجزاء الوفاق في حقّه. فسوف يعلم الناس عن الهميم المحامي وسوف نرى نجمه في سماء الفنون في العالم بإذن الله ونحن معًا على الدرب سائرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق