ثقافة وفن

فلسطين محمد بنّيس

معن البياري

يفعل الشاعر المغربي، محمد بنّيس، في جمعِه الكثيرَ الذي كتبه عن فلسطين في كتابٍ، أمرا غير معهود، لكنه حسَنٌ، بل بديع. يُشرِك في الكتاب غيرَه، فلا يصير له وحدَه، عندما تتوزّع نصوصٌ وكتاباتٌ ومقاطع، بينها قصائد، اختارها من مؤلفاتٍ عديدةٍ، قديمةٍ لجغرافيين ومؤرّخين، وحديثةٍ لمبدعين ومفكّرين، عربٍ وأجانب، عن غير شأنٍ يتعلق بفلسطين. وبين هذه المنتخباتِ المنسوبةِ لأصحابها، ذات اللطافة والكثافة والعمق والدلالة، في سبعة أبواب، حضرت نصوص بنّيس، وبعضُها شعر، غفلٌ من اسمِه، كان قد نشرَها في دوريات وصحف ومجلات ودواوين، أو ألقاها في ملتقياتٍ ومؤتمرات. ويكتُب، في تقدمته الكتاب إنه، من خلال «تقنية التقاطع» بين النصوص، في صيغة «تأليفٍ متعدّد»، «تصبح فلسطين نقطةً مشعّةً، تلتقي فيها جميع الرؤيات التي تعبّر عنها هذه الكتابات». ولمّا اختار لهذا الكتاب، غير مألوف النوع، عنوانه «فلسطين .. ذاكرة المقاومات» (المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، 2021)، يوضِح إنه يسعى إلى «أن تكون ذاكرة المقاومات رؤيةً متعدّدةَ النوافذ، تطلّ جميعها على فلسطين، وعلى الشعب الفلسطيني».

الكتاب ثريٌّ، إذن، كيف لا، ويجتمع فيه ياقوت الحموي وابن حوقل وفرويد وغسّان كنفاني وبرنار نويل وابن خلدون وشلومو صاند وعبدالله العروي وجان جينيه ومحمود درويش وإميل حبيبي وإدوارد سعيد ووليد الخالدي وإلياس صنبر وقسطنطين زريق وخليل السكاكيني وجاك دريدا وهشام شرابي وأنجيلا ديفيز ومريد البرغوثي ونعوم تشومسكي ومعين بسيسو وسلمى الخضراء الجيوسي وكامل العسلي وإدمون المليح وجيمس بالدوين .. وغيرهم. عندما تقرأ لهؤلاء (وغيرهم) مما قطفه محمد بنّيس منهم فإنك تطوفُ في الأفق الذي تشكّله فلسطين في معناها الذي يقاوم، في جوهره، إرادة المحو والاستقواء والقتل الذي تمثله إسرائيل، ودولة الاحتلال هذه، في عُرف مثقفين رفيعين، ظلٌّ لسياسةٍ استعماريةٍ غربية امبريالية. و»الصهيونية تصرّ على إخفاء الآخر كي تخرُج من المنفى الذي توجد فيه»، بحسب عبد الكبير الخطيبي. و»إسرائيل تحتفظ لنفسها بحقّ إنكار وجود الفلسطينيين في الواقع»، بحسب جيل دولوز.

أما فلسطين في المغرب، في شعب هذا البلد ونُخبته، فواسعةٌ بلا حدود، في تجليات الوعي الوطني العام، وفي الوجدان الشعبي، وحضورُها في تجلياتٍ إبداعيةٍ وأدبيةٍ شاسعٌ منذ ما قبل النكبة في 1948. وقد واظب المثقفون المغاربة، من كل الأجيال ومن مختلف الحساسيات السياسية، على اعتناق فلسطين فكرةً وأفقا ومقاومةً وذاكرة. ومحمد بنّيس في طليعة الكتّاب في بلده الذين سيّجوا فلسطين، وطنا وشعبا، بوفاءٍ لا منتهى له، وبانتسابٍ إليها معنىً وجوهرا. وحسنا صنَع أنه يسّر للقرّاء، في الكتاب الجدير بالتثمين والاحتفاء، نتاجَه عن فلسطين، العريض، المتنوّع، المتعدّد، الفكري في بُعدٍ له ظاهر، الإبداعي والجمالي في بعدٍ أوضح، الثقافي بداهة، فثمّة القصيدة، والورقة ذات الفكرة الأطروحة، وثمّة الخاطرة المتأملة المتمهلة، وثمّة المقالة التي تجهر بالموقف الصحّ في اللحظة المواتية. كما، مثالا وحسب، قولتُه في مقالةٍ أشهرَها إبّان اتفاقيات نظم عربية مع إسرائيل في 2020، «نحن اليوم إما أن نكون مع التطبيع أو مع الحرية»، وفيها أيضا أن «الإسرائيليين لا يتنازلون عن قرار القضاء على الشعب الفلسطيني الذي يؤرّقهم وجودُه الآن وقبل الآن وبعد الآن».

تلك المقالة في مختتم الكتاب الذي زادت صفحاته عن الأربعمائة. أما في مفتتحه، فكانت التقدمة «اسمك فلسطين»، جالت في الهجرات اليهودية الغازية إلى فلسطين، وصولا إلى تدشين مقر السفارة الأميركية في القدس. وروى بنّيس عن صلته بقضية فلسطين، منذ نشاطِه طالبا في الجامعة، بعيْد نكسة يونيو 1967 التي «بثّت في نفسي عزيمة أن أقرأ وأتعلّم ما لم أكن قد قرأتُ وتعلّمت»، على ما أوضح، قبل أن يأتي على ما لفلسطين من مكان فيه، وفي حشاياه ومداركه وأخيلته. هو المولود في عام النكبة، 1948، من دون علم باليوم والشهر فيه، فيسأل، في مقالٍ حاذق تالٍ: من يقنعني بأن يوم ميلادي لم يكن 15 مايو 1948؟ .. أما النكسة، وذكراها في هذه الأيام، فلسنتِها «هول الزلزال الذي لم يسكُن بعد»، في نصّ آخر. وعندما يُدعى بنّيس من أصدقاء له، غير مرّة، إلى زيارة فلسطين، يتردّد في الأولى، يخاف، ثم يستأنس بمشورة صديقة محمود درويش، فلا ينصحُه بالذهاب، فلا يذهب، لأنه لن يحتمل. .. وفي الكتاب ثمّة الجميلُ من الأفكار والمطالعات والوقائع، بشأن زيارة ياسر عرفات صاحبنا في غرفته في فندقٍ في صنعاء، بشأن لبنان المقاوم، بشأن غزّة، بشأن الأدب الفلسطيني، بشأن «المقاومة المتعدّدة» .. شكرا محمد بنّيس.

(نقلا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق