سياسة

اليمنيون … بناء الدولة والاستنجاد بالأجنبي

قادري أحمد حيدر

الاستنجاد بالخارج (الإماراتي السعودي الإيراني) اليوم يذكرنا بمرحلة الصراعات اليمنية الداخلية في اليمن القديم (القرون: الرابع والخامس والسادس للميلاد)، حين تراجعت الدولة المركزية (الملكية)، لصالح دويلات العشائر والقبائل (الأقيال والأذواء)، وفي خدمة المحتل الذي استنجدنا به لنستقوي به على بعضنا في الداخل، من الأحباش والفرس، حتى العثمانيين في المرحلة الإسلامية، وكأن التاريخ اليوم يعيد نفسه في صورة تراجوكوميدية.

إن الصراعات الداخلية بين القبائل والأقيال والأذواء الذين وجدوا أنفسهم يستنجدون بالأجنبي ليحتلهم، كما كان في التاريخ القديم، ويحولهم إلى حكام على بلادهم بأمر منه، ويؤدون له الجبايات، ( كما هو حالنا اليوم), هو أمر يمكننا قراءته وفهمه كتاريخ، وكمرحلة في تطور معنى «الوطن» و»الشعب» و»الدولة» في التاريخ.. هي مرحلة في تطور معنى الذات الجمعية/الاجتماعية، في علاقتها بتطور مفهوم الشعب، من الشعب، القبيلة في التاريخ القديم، للشعب الوطن والمواطنة والدولة بعد ذلك، في سياق عملية سياسية تحررية تاريخية .

أما أن تكون الصورة هي ذاتها اليوم، فذلك دليل على خلل جوهري في منطق تفكيرنا، أو في تفكير البعض منا، نحتاج معه إلى أن نطرح على أنفسنا سؤالاً جوهرياً: هل نحن بشر أسوياء؟ هل ما نزال نعرف وندرك، أين تقع وتكون مصالحنا في التقدم للأمام؟ ماذا نعمل بأنفسنا وبشعوبنا، والعالم يدخل عتبات العقد الثالث من الألفية الثالثة؟!! حيث الصورة اليوم هي ذاتها مع فارق الزمن التاريخي الذي بحسب لصالح ما كان!! مع بعض الرتوش الحداثوية. وكأننا ما نزال حتى اليوم نمارس هواية أو غواية اللعبة العبثية القديمة/ الجديدة، في الاستنجاد بالأجنبي، ولا تفسير لكل ذلك سوى أننا فقدنا الثقة بأنفسنا، وهو قمة الانهيار الذاتي/ النفسي ، والسقوط الاخلاقي والوطني، بعد أن استبدلنا الإرادة الحرة لنا بالتبعية للأجنبي، الممول المالي لبعضنا، ومصدر رزقهم، وبالنتيجة فقدنا/فقدوا بوصلة الرؤية، ولم نعد/لم يعدوا يفرقون بين طين الأرض، والغبار بين علو الهمة والسمو، وبين التعري السياسي، بين العدو، والصديق، بين التناقض الرئيس، والتعارضات الثانوية التي يمكن حلها دون اللجوء للعنف/الحرب.

  حروب عنوانها المركزي: مصادرة وتغييب وجود معنى الدولة في حياتنا، حروب هي «خروج» سياسي عسكري يومي وفعلي على فكرة وقضية بناء الدولة، بدأت مع يحي بن الحسين القاسم الرسي «الهادئ» في الربع الرابع من القرن الثالث الهجري، ولم تتوقف حتى اليوم.

هذا، بعد أن كنا أقمنا/ وشيَّدنا أساس معنى الدولة، قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وجددنا بإبداع خلاق إعادة إنتاج ذلك البناء للدولة في الفترة الإسلامية، مع إقامتنا الدولة الصليحية (دولة التسامح الديني/والتوحيد الوطني)، وبعدها الدولة الرسولية، الدولة النموذجية التي جمعت بين الوطني والعالمي في صورة بنائها للدولة، وفي إدارتها للدولة وفي علاقتها مع الدول الأجنبية ،الدولة التي أبهرت العالم كله في صورة إدارتها للدولة ،وفي النظام الإداري والمالي والاقتصادي والعسكري والقانوني، دولة بدون جبايات قهرية تعسفية، لا تحول ضريبة» العشري», إلى جبايات،»خراجية»  .. حتى الدولة الطاهرية، على بساطة ومحدودية دورها وأثرها في الواقع، قياساً بالدولتين الصليحية والرسولية، على أنها – الدولة الطاهرية – كانت تحمل وتجسد كل معنى مقومات الدولة اليمنية، ولها إنجازات مشهودة في مختلف مناحي الحياة، وهي الممالك والدول التي جاءت وكأنها استمرار متطور ومتقدم لمواصلة تاريخ بناء الدولة الذي كان في اليمن .. تأكيداً  لاستمرار الحضارة اليمنية في صورة هذه الدول التي ووجهت بمقاومة من دويلات الأئمة/الإمام، في ذلك الحين – المرحلة الإسلامية – لأن هدف الأئمة كان بناء مشاريع دويلات عصبية سياسية خاصة بهم كجماعة، باستقلال وقطع مع ما كان في التاريخ، أي تقهقرنا إلى دويلات العصبيات البدائية المتخلفة (الإمامية), دويلات «الجبايات « و»الحروب» و»الخروج»، على قاعدة «الحق الإلهي /التفوق العنصري»، حتى وصولنا اليوم إلى دويلات عصبيات/الميليشيات القبلية والمذهبية والمناطقية والقروية، الممسك بها وممولها /الخارج، الذين كل مهمتهم ودورهم إعادة إنتاج قهرنا وتخلفنا قرونا سحيقة للخلف، كما هو حاصل اليوم حيث نجد أنفسنا اليوم أمام خارج احتلالي في صورة (مندوب سامي جديد ومتخلف ، هو يقرر عنا في كل شيء ، بما فيه اختيار الحكومة ،والرئيس ،و»المجلس الرئاسي», التابع للخارج الاحتلالي ، مجلس قيادة ورئاسة، صنعته دولتا الاحتلال :السعودية والامارات، وبحضور القيادة اليمنية الرسمية «الشرعية»، التي تم استبعادها واستبدالها بطريقة غير شرعية ومخالفة للدستور ، وبحضور ومباركة من القيادات الحزبية والمدنية والقبلية، الذين يتبعون «اللجنة السعودية الخاصة», بصور وبدرجات متفاوتة، وهو قمة الاذلال والخنوع والخضوع ، الذي يدخل في عداد اللامعقول من الفكر والممارسة ..وكأننا شعب بدون ارادة ،وبدون تاريخ ولا ذاكرة تاريخية وطنية. !!

فكيف يحق لمن استقدم من الخارج ليساعد في استعادة دولة، أن يقوم هو بمهمة تغيير وابدال الداعي له، ويتحول بقوة الاحتلال إلى شرعية مقررة، وفوق كل الشرعيات الداخلية؟! وهو من يحدد نصابها في الرئاسة، وفي الحكومة!!

إن الإشارات الفكرية والمدونة في كتب المؤرخين الأجانب قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وحتى الكتابات الإسلامية، والوسيطة، وصولاً للمعاصرة، جميعها تكرر الحديث عن تسمية ووصف الممالك والدول اليمنية القديمة بـ»العربية السعيدة»، أي دول جنوب الجزيرة العربية (اليمن)، ولم تصفها أو تسمها بـ»العربيات السعيدة»، أو «السعيدات», على تنوع وتعدد الممالك والدول واختلاف تسمياتها: سبأ، معين، قتبان، اوسان، حمير،  سبأ وذو ريدان، إلخ ) ، وبعض هذه الدول وصل حكمها إلى الحجاز وإلى مكة، وهو تأكيد يشير إلى  الهوية اليمنية الجامعة الواحدة، وإلى النطاق الجغرافي، والجيو/سياسي الذي يجمع ويوحد تلك الممالك والدول، تحت تسمية «العربية السعيدة», كدول وممالك لها شأن ودور في صناعة الحضارة الإنسانية القديمة، وصولاً لصدر الإسلام، ودور اليمنين في الفتوحات الإسلامية، وفي الفكرة والثقافة الإسلامية.

حين يدور الحديث عن بناء الدول والممالك في تاريخ الشرق القديم، وحتى عن غير الشرق، تأتي اليمن ودوله وممالكه في الصدارة، إلى جانب بلاد الرافدين ومصر وسوريا (الشام) واليونان وبيزنطة والفرس. هذا هو اليمن في تاريخ بناء الدول والممالك، كما تتحدث به المصادر الكلاسيكية والتاريخية، بل أنه يمكنني القول أن فكرنا وتفكيرنا السياسي بالدولة اليوم قد تراجع القهقرى، إذا ما قيس بمفهوم «الزمن التاريخي» هو أبعد من تفكيرنا القديم بالدولة!

  كان بناء الدول والممالك هو القاعدة في الحياة السياسية لليمنيين في تاريخهم القديم، والاستثناء هو التمزق والتفكك وخراب الدول، الذي أفرز حالة الاستنجاد بالأجنبي، وبهذا المعنى فإن المطلوب اليوم هو العودة للقاعدة، ونقض الاستثناء.

إن من يراجع صفحات التاريخ السياسي اليمني القديم، والاسلامي، والوسيط، والحديث، والمعاصر، سيجد أن جميع التدخلات والاحتلالات الأجنبية لليمن، كانت في فترات ضعف وتمزق وخراب الدول: الأحباش، والفرس الأيوبيون، والمماليك والعثمانيون، إلى الاستعمار البريطاني، حتى احتلال السعودية للأراضي اليمنية منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وصولاً إلى ما يجري اليوم، من تمزق وتشرذم واحتلالات.

وعلينا اليوم أن نبحث: أين كان بداية الخلل في تاريخ بناء الدولة في حياتنا اليمنية الإسلامية والوسيطة والحديثة والمعاصرة، بصورة موضوعية وعقلانية.

  إن المشكلة، في تقديري، بقدر ما هي سياسية/تاريخية، مرتبطة بالصراع المتخلف من أجل السلطة والثروة (الملك/ الحكم)، فإن لها في تقديري جذراً تاريخياً مطلوب منا إعادة انتاج قراءته بصورة عقلانية / موضوعية نقدية تاريخية، لنعرف بداية، أين كان جذر وأصل الانحراف عن خط ونهج بناء الدولة في تاريخنا السياسي اليمني؟ ولماذا كان ذلك، وأسبابه الذاتية، والموضوعية؟ ومتى بدأ، وكان ذلك القطع العبثي والعدمي مع ذلك التاريخ المعرفي والسياسي والعملي لنا في بناء الممالك والدول؟ هل كان مع انهيار سد مأرب كما تقول بعض التحليلات التاريخية؟ إن التأسيس النظري والسياسي والعملي تم وكان بعد ذلك ؟ وهي أسئلة مفتوحة للجميع للتفكير فيها . . أي إعادة انتاج قراءتنا ومعرفتنا لأنفسنا، وللتاريخ الذي كان لنا في بناء الدولة في تاريخنا اليمني، دون إهمال أو تجاهل دورنا السياسي، والعملي السلبي المعاصر في بناء الدولة، وفي تعميق ذلك الانحراف في كل التاريخ اللاحق لنا.

فقط نحن اليوم استبدلنا الأحباش بالسعودية والإمارات، وبقي الفرس/ إيران، المحتلون القدماء، القاسم المشترك في الماضي والحاضر، في صورة تمظهراتهم السياسية والعسكرية (الاحتلالية) التي تغطي وجه حياتنا اليوم.

بداية الحل/للخروج من النفق:

إن سبب فشلنا وتعثر مقاوماتنا في التاريخ القديم، خاصة في القرون: الرابع والخامس والسادس، في صورة مقاومة الوجود الحبشي (340/525 م)، والفارسي (٥٧٥م)، خطأها الجوهري أنها كانت مقاومة لمحتل، بمحتل آخر، كحالنا اليوم.

ومن هنا تعثرها/تعثرنا في بعض المراحل في الماضي، واستمرار تعثرنا في الحاضر، ولا خيار أمامنا سوى مقاومة ذاتية وطنية مستقلة مكتملة الأركان، تتجاوز العقل التبشيري، بالسؤال العقلاني النقدي، مقاومة على منوال مقاوماتنا المشهورة في التاريخ التي جعلت من صيغة وعبارة «اليمن مقبرة الغزاة»، عنواناً لاسمنا/ لهويتنا في التاريخ، في موازاة ومقابل ظاهرة الاستنجاد بالأجنبي، التي أجدها عبارة مطلوب تجاوزها ومنع تكرارها اليوم في حياتنا .. مقاومة على غرار مقاومتنا في جنوب البلاد ضد الاستعمار البريطاني، ومقاومتنا في حصار السبعين يوماً، بوحدة الجيش الوطني المنظم في أبسط أشكاله وهيئاته، وبوحدة الشعب، و»المقاومة الشعبية» المنظمة.. الوحدة الوطنية والشعبية التي انتصرت بعدة وعتاد بسيطين، قوامهما خمسة آلاف مقاتل/مقاوم.. مقاومة أسقطت عدواناً وحصاراً لأكثر من خمسين ألف ملكي، ومرتزق أجنبي من مختلف أصقاع أراضي الارتزاق، وبدون أي سند ودعم خارجي، انتصرنا حين تخلينا عن عادة الاستقواء والاعتماد على الخارج، حين قررنا مسك زمام امرنا بأيدينا.. زمان جاء الدين الإسلامي (٦٢٦م)، ليخرجنا/ ينقذنا من دوامة الانقسام والتمزق، وعلينا اليوم أن لا ننتظر الإنقاذ من أحد، وأن نستلم أمرنا بأيدينا، وبأن حقنا السياسي والوطني لن يأتي لنا به سوى نحن، بعد أن نستعيد بوصلة الرؤية على طريق مشروع نهضوي يمني ديمقراطي، نوكل فيه كل أمرنا لنا/لأنفسنا، وهنا سنبدأ رحلة الالف ميل نحو امتلاك قرارنا السياسي الوطني المستقل بإرادتنا الحرة، وبأيدينا، على طريق بناء دولة الحرية والعدالة والمواطنة والحقوق لجميع مكونات المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق