
مؤلف كتاب صحيح البخاري نهاية أسطورة 1/2
يكتب أبو هريرة حقيقة أم خيال؟
رشيد أيلال
كنت نشرت هذه المقالة قبل أربع سنوات، أعيد نشرها اليوم تعميما للفائدة، وتعميقا للنقاش الدائر حول التراث الإسلامي ومدى مصداقيته وصدقيته، فإلى المقالة:
قبل أن أشرع في مناقشة موضوع اليوم ، أريد أن أنبه إلى أمور أراها هامة، في سياق ما أقوم به من نبش، في تراثنا الديني، الذي أرى انه نتاج عقول بشرية تأثرت بالزمان والمكان، والظروف والملابسات السياسية والاقتصادية والشخصية والجغرافية والثقافية وغيرها، في كثير من الأحيان، وأنا هنا أفرق بين الدين وبين التراث الديني، لأن الدين هو ما أنزله الله لنا وما ارتضاه لنا، عبر بلاغ رسله عنه، وبه نتعبد الله وندين به له سبحانه، إلى أن تم هذا الأمر بختم النبوة، ليبدأ عصر الإنسان عصر العلم عصر العقل، عصر الأنبياء الجدد، لكن يبقى فهم هذا الدين، من آراء نسبت للرسول والصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين غير ملزمة لنا ولسنا بها ندين لله، بل نأخذ منها ما نراه موافقا للوحي والعلم والعقل والمنطق والإنسان، ونأخذ منها ما فيه خير لعصرنا ومصرنا وأحوالنا، وندع ما دون ذلك، فهم رجال أو نساء ، ونحن أيضا رجال أو نساء ، ولا عصمة لبشر ولا قداسة، ولم يأمرنا الله إلا بطاعته وطاعة الرسول في الرسالة، ولم نؤمر بطاعة أحد في أمور الدين خارج هذا الإطار، ولعل من الشخصيات التي أثير حولها جدل كبير بل الأكبر في تراثنا الإسلامي ، شخصية “إبي هريرة ” نظرا لكونه من كبار المكثرين للرواية عن الرسول، فقد حسب الحاسبون ليجدوا أن أبا هريرة روى في الكتب الستة 5374 حديثا مع عدم استبعاد المكرر طبعا، كما أثار الباحثون والمتتبعون أيضا روايته لغريب الحديث وانفراده ب 42حديثا في الكتب التسعة، كما أن العديد من مروياته أيضا تخالف كتاب الله وتناقضه، وبعضها يعارض الثابت من العلم، كما أثير استغراب كبير حول كيف مكن أن يتفوق أبو هريرة -وهو الذي لم يصحب الرسول إلا ثلاث سنوات على أفضل تقدير حسب طبقات ابن سعد- على الكثير من الصحابة الذين صحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم منذ فجر الدعوة؟ كأبي بكر وعلي و فاطمة الزهراء، وعثمان وزيد بن ثابت ، وأنس ، وعمار بن ياسر، وغيرهم من الصحابة الذين سبقوا أبا هريرة بردح كبير من الزمان، فوقف فريقان من أبي هريرة موقفين متناقضين، الفريق الأول ، وهو الفريق المقدس للصحابة والذي لا يجيز إخضاعهم لمنطق الجرح والتعديل، وبالتالي فكل ما صدر عنهم فهو العلم والحق، وان خالف كتاب الله المنزل إلى عباده ، وبالتالي فهم ينزهون أبا هريرة عن كل ما يمكن أن ينسب إليه من جرح أو شك أو رفض، وأما الفريق الثاني فقد اتهم أبا هريرة بالكذب على الرسول، واختلاق أحاديث لتزوير الإسلام ، و قد اتهمه الصحابة ومنهم عائشة وعمر بإكثار الرواية عن الرسول الأكرم، بل إن عمر بن الخطاب منعه من التحديث عن الرسول وهدده بالنفي من المدينة وإلحاقه بمسقط رأسه حسب تذكرة الحفاظ للذهبي، وبالتالي فهذا الفريق رفض رفضا قاطعا الأخذ عن أبي هريرة. والحقيقة أني كنت مع الفريق الثاني قبل أن يلمع في فكري سؤال:” هل كان أبو هريرة شخصية حقيقية فعلا؟ أم هو مجرد شخصية خيالية أسطورية، صنعها آخرون كي ينسبوا إليها ما يريدون، وما يبتغون تحقيقه، خصوصا أن وسائل الإعلام في ذلك العصر لم تكن كعصرنا، فيمكن أن تكذب الكذبة وتخترع شخصية ما، وتجعل من شخصية وهمية، شخصية حقيقية، في غياب وسائل النفي، أو الإثبات، ويتأتى لك ذلك، وما جعلني اطرح هذه الفرضية، أو هذا الرأي ، هو عثوري على مجموعة من الأمور حول هذه الشخصية التي تعتبر الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الإسلام ، وسأشركك ايها القارئ الكريم فيما وقع لدي من معلومات ، وما وصلت إليه من نتائج
الاختلاف في اسمه واسم أبيه :
لم يتم الاختلاف في اسم صحابي كما تم الاختلاف في اسم أبي هريرة واسم أبيه، فقيل اسمه عبد الرحمن بن صخر وقيل بن غنم وقيل عبد الله بن عائذ وقيل بن عامر وقيل بن عمرو وقيل سكين بن رزمة بن هانئ وقيل بن ثرمل وقيل بن صخر وقيل عامر بن عبد شمس وقيل بن عمير وقيل يزيد بن عشرقة وقيل عبد نهم وقيل عبد شمس وقيل غنم وقيل عبيد بن غنم وقيل عمرو بن غنم وقيل بن عامر وقيل سعيد بن الحارث و قيل غير ذلك من الأسماء ، وقد قال هشام بن الكلبي: اسمه عمير بن عامر بن ذي الشرى بن طريف بن عيان بن أبي صعب بن هنيد بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس وهكذا قال خليفة في نسبه إلا أنه قال عتاب بدل عيان ومنية بدل هنيد ويقال كان اسمه في الجاهلية عبد شمس وكنيته أبو الأسود، فمن هو إذن “ابو هريرة” الحقيقي من هذه العشرات من الأسماء؟ راجع سير أعلام النبلاء للذهبي الجزء الثاني، أما ابن حجر في الإصابة فقد قال:” وقال القطب الحلبي: اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولا مذكورة في الكنى للحاكم، وفي الاستيعاب وفي تاريخ ابن عساكر. قلت ووجه تكثره أنه يجتمع في اسمه وحده نحو من عشرين قولا” كيف إذن نقبل بوجود شخص حقيقة، مع الاختلاف فيمن يكون، إن كل اسم يحكي شخصية ما، فأين شخصية “أحفظ” الصحابة، من هذه التراكمات في الأسماء والشخصيات، وكيف يمكن أن نتصور بأن أحد أكثر المكثرين في الرواية عن الرسول لا يعرفه حتى من رووا عنه؟ إذ لا يعرفون اسمه الحقيقي، لا اسم أبيه ولا اسم أمه، ولا يعرفون يقينا قبيلته، ولا أصله، فهل يمكن أن يرووا عنه حديث رسول الله دون أن يعرفوا اسمه الحقيقي أو اسم أبيه؟ إذ حسب علم حديثهم يعتبر هذا الشخص مجهول الحال، حقا إنها لمعضلة تستفز ذكاءنا وتجعلنا نستغرب ونتساءل بدورنا “من يكون “أبو هريرة”؟”، وينسب إلى البخاري في الصحيح المنسوب اليه” انظر كتابنا: صحيح البخاري نهاية أسطورة” بأن أبا هريرة روى عنه الحديث حوالي ثمانمائة من الرواة، منهم صحابة وتابعون، غير أن أيا من هؤلاء لم يذكر الاسم الحقيقي لأبي هريرة ولا اتفقوا على اسم أبيه ولا اسم أمه، وا عجبي! .
أتعجب كثيرا، لأن العرب اهتمت بالأنساب، تفاخر بها وتناجز، حتى أنهم نسبوا للرسول أنه قال:” إن الله أذهب عنكم رجس الجاهلية وتفاخرها بالآباء … الحديث” فقد نبغ من بين العرب أشخاص متخصصون في الأنساب يطلق عليهم” نسابة” وصلوا إلى معرفة أزيد من أربعين جدا، ومع ذلك فان هؤلاء العرب، لم يستطيعوا معرفة نسب أهم شخصية في الرواية عن رسول الله عبر تاريخنا الإسلامي، وهذا أمر يحتاج إلى أكثر من وقفة، وأعجب كيف لنا ألا نعجب من هذا الأمر الغريب.




