ثقافة وفن

التجريد الهندسي تصورات لونية وتفاعلات بصرية

Sidney Jonas Budnick

بشرى بن فاطمة

  يمكن تلخيص التجريد في فكرتين الأولى عقلانية بوصفه نظام مستقل عن الواقع الخارجي والثانية تعبيرية ورمزية للون وإيقاع الأشكال واستقلالها، وهنا يقول كوبكا التشكيلي التشيكي “إن التجريد هو تأثير يثير فينا حالات ذهنية، يبدو الأنسب استجوابها مع أحاسيس الضوء بطريقة مختلفة القوالب والقيم والقواعد التعبيرية.”

فقد بدأ التجريد مطلع القرن العشرين عندما كان المشهد الفني يتألف بشكل أساسي من أساليب فنية مُرتكزة على الوحشية والتكعيبية والتشخيص والانطباعية، أصبح الفن فيها يتميّز بالتحرّر اللوني والشكلي والمفهومي للمحتوى، غير أن التعبيرات المنفصلة عن الواقعية حوّلت الفن شيئا فشيئا من السطح إلى العمق ومن شكل الصورة إلى فكرتها، حينها لم يعد للتشكيل مجال لتوظيفات الأبعاد العامة والمألوفة في التفعيل العادي للوحة فتم التخلي عن المحتوى من أجل الحصول على شكل نقي وهو ما ميّز منفذي هذا التيار بالجرأة والبحث اللوني والتحرّر المتمرّد من القيود الأكاديمية.

فالتجريد ينقسم إلى فئات فرعية لها خصوصياتها التفسيرية ودرجاتها المقصدية حسب كل منطق فني وجمالي لعل أبرز هذه التقسيمات كانت التجريد الهندسي.

وهو أسلوب خاضه بحريّة إبداعية التشكيلي الأمريكي Sidney Jonas Budnick  (1921-1994).

فللهندسة حضور ملفت في تجربته لما أثارته في قواعده من ابتكارات ذات رؤية عميقة طغت على المفاهيم والأفكار وحدّدت صياغاتها، بتصوراته الحداثية والمعاصرة، برموزها وعلاماتها البصرية مُتطوّرة المقاسات والقياسات التي أرضخها لمنطقه المتماهي مع التجريب والتطوير المستمر، ما مكّنها من التفاعل الفكري مع المفاهيم.

فكانت تجربته ذات مسار تشكيلي مستفزّ القراءات والتشكيلات جمع بين التجريب التعبيري التجريدي وعالمه البصري الذهني الذي اخترق منافذ جمالية بمسارات أفقية وعمودية للتواصل مع المساحة والفراغ واللون والضوء والتداخل مع معانيها وضروراتها، فمكّن التعبير الفني التشكيلي من خلق أساليب جديدة من عمق التجريد نفسه وذلك بالامتزاج المتكامل بينه وبين الأشكال الهندسية.

بدأ سيدني الفن مبكّرا وكان شغفه يحمله أكثر إلى الهندسة وتفاعلاتها مع اللغة الفنية الأخرى لتخلق فيها تماسا حسيا بين التجريد والتعبيرية فكانت لها مساحاتها البارزة والمؤثّرة، الأمر الذي دفع سيدني أكثر للتجريب من خلال مرونته التي توافقت مع اندفاعه للبحث الفني فقد تأثر بالفنان التشكيلي الهولاندي “بييت موندريان” والألماني “هانس هوفمان” حيث كان تأثره بأساليب التداخل البصري اللوني والهندسي بين الأسلوب التجريدي والعمق التعبيري المنحدر من خصوصيات التجربة التعبيرية الألمانية وتصورات المزج اللوني القاتم فيها مع التكامل بين اللغة البصرية والهندسة في تقابل فني تجريبي مع التاشيزم كحركة تقنية فاعلة في رسم خطوط التجريد الهندسي التي أسّسها سيدني واندفع بها نحو فضاءات مختلفة اتسعت في ضيقها وانكمشت في اتساعها الرحب جامعة تناقضات الواقع في حسياته الفلسفية الباحثة عن تفاصيل الكيان الإنساني وتداخلات الوجود.

درس سيدني الفن والتصميم والهندسة وتخرج بدرجة ماجيستير انتقل بعدها إلى ألمانيا حاملا تجربته وشغفه وبحثه وخبرته وبحوثه ليثبّت أفكاره ما ساهم في إنشاء مدرسة باوهاس للفنون والتصميم بألمانيا، بعدها عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليؤسس تيار التجربة الأمريكية الرائدة في التجريد التعبيري والتصورات الممتدة من خلالها عبر الهندسة والحواف الصلبة والتاشيزم حيث استطاع أن يحمل أفكاره ويقدّمها بجرأة جعلت اسمه محفورا في تاريخ التجربة العالمية للتجريد والحركة العالمية للفن اللاموضوعي والتجريد الهندسي.

في أعماله يوظّف سيدني التصوير التجريدي للهندسة كفلسفة داخلية تبعده عن التشويش الذي بدوره لا يجذب الجمال الموضوعي بل يخوض في التجريب الماورائي للصورة ويستفز منها الرمزيات والعناصر المتصادمة في علاماتها والمتناقضة في أحاسيسها المتداخلة حيث يربط بينها وبين دورها التعبيري الداخلي في عمق العاطفة الذهنية وفي تفاعل المفاهيم  ومن هنا تتكون القراءة التي تتحمّل التأويلات الفهمية للمتلقي وتوقعه في التفسير بانطلاقة متحرّرة من قواعدها الثابتة في التفسير الجمالي وهو يكسر قواعد المألوف بأسلوب مستفز أثبتت حركيّته الحيّة استمرارية تفاعلاته وقدرة استخراج اللون من جموده وبعث حيويته.

فالرؤية الجمالية تفرض أسلوبها على الحركة الهندسية وتحدث داخل فراغاتها امتلاء قابلا للتعبير لا تقف عنده الفلسفة البصرية فحسب بل ترتّب قواعده وثبّتها على مدى متكامل مع الجانب الهندسي رغم عبثيته المتمردة تضفي الحكمة البصرية رؤى مُنظمة وهي تخلق له قاعدة فنية تثبت انتماءه الحر لما بعد الحداثة في التعبير وتصله مع مدارس الفن دون أن يكون دخيلا أو متمرّدا أو حتى متشدّدا وهنا نجح سيدني مزج الهندسة كأسلوب خلق النظام اللوني الخاص به مع تحفيز الخط الجمالي في الهندسة الرياضية المتفوقة على الفضاء بتجريد الشكل.

*الأعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق