ثقافة وفن

سقوط عبد الملك

سعيد بودبوز

أطلقت السماء طلقة إنذار من الرعد في الفراغ حول رأسي ورؤوس القطيع. وعلى الفور، بدأت الغيوم تسد الثغرات الزرقاء. كان النهار قد تجاوز العصر، والشمس تترنّح على بعد حوالي أربعين مترا من المغرب. قبل أن تبدأ السماء رجمنا بالبرد، توحّدت رؤوس القطيع مستشعرة جدية سماوية غير مسبوقة في تأديبنا هذه المرة، وانطلقت الماعز تركض في ماراثون لا يشقّ له غبار نحو الزريبة، وكان منزلنا يبعد عني بحوالي 8 كيلومترا.

وأنا أركض خلف القطيع، أحسست لأوّل مرة بأنه هو من كان يرعاني، وهو من أصبح يقودني إلى المنزل. فعلى غير عادته، فرّ هذه المرة من الرجم فرار عنزة واحدة، ودون أن يلوي على شيء، أو ينظر إلى الوراء، فأغرقني بالغبار. كنت أركض خلفه، فأتعثر وأسقط وأنهض وكأنه يجرّني أسيراً من إحدى حروب العصور الوسطى.

زمجر الرعد مرة أخرى، فخيّل إليّ أن تلك الزمجرة تلاحقني. كنت أركض مثل جلجامش أثناء حربه الباردة ضد الآلهة. سرح خيالي في أدغال الأساطير، فتصوّرت أنّ ثمة أسداً سماوياً يتربص بي وبالقطيع. انهمر المطر، والرياح تسدّد حباله إلى وجهي وظهري وكتفي كيفما اتفق. بدا المطر كأنه يتسابق معنا أنا والريح والقطيع.. كأنه يريد تطويقنا بالسيول وإغراقنا مجتمعين قبل أن نصل إلى المنزل. مازال هذا الأخير بعيداً عني بحوالي خمس كيلومترات. كنت أركض في طريق مترّبة، وكان عليّ أن أسابق الأوحال أيضاً. كان عليّ أن أصل المنزل قبل أن تزيد السماءُ طين ذلك الطريق بلّةً فتسوّغ له ابتلاعي. وفجأة التقيت بالمجنون عبد الملك الذي كان يركض في اتجاه معاكس لوجهتي ويضحك منتشياً كعادته، فهو لا يفرّق بين سراء القرية وضرائها. بدا لي مزهواً بطربوشه الصوفي المرقّط بالسواد والبياض، والذي ابتلع رأسه كاملاً بما في ذلك أذنيه وحاجبيه. اخترق القطيع أمامي، وكاد يشتّت شمله، ثم حياني قبل أن يصل إلي ببضعة أمتار؛ «السلام عليكم… إلى أين تقود هذا القطيع؟».

قلت له وأنا أتمنى أن يمرّ بسرعة إلى حال سبيله : «إلى النجاة يا عبد الملك، ألا ترى كم تبدو السماء غاضبة توشك أن تنقض علينا؟». تعالت ضحكته وهو يركض غير معني بالحذر من الانزلاق، ثم التفت إليّ وقال: «هذا صحيح»، وفي تلك الأثناء تعثّرت قدمه، وسقط سقوط غرناطة، فأوقعني في حرج كبير، بحيث لم أعد أدري؛ هل أواصل الركض خلف قطيعي، أم أعود إليه لأسعفه وأساعده على النهوض؟. كان واضحاً أنه سقط سقوطاً موفّقاً، حيث حفرت جثته في الطين وكأنّه سقط من طائرة. توقفت متّأرجحَ العقل بين الإقبال والإدبار. بدا لي أنه وقع في غيبوبة، وقد نسي بسمة على شفتيه قبل أن يغادره وعيه، فظلّ مبتسماً كأنّه شهيد دخل الجنة قبل أن يخرج من جحيم الدنيا بقليل. اقتربت منه. حركّت جثته، وقد خيل إليّ أن المطر والريح يتخطّفانها كالذئاب، ويحاولان ألا يدعاني أحّرك عبد الملك وأمدّ له يد الإنقاذ. قلت له: «يا عبد الملك، هل أنت بخير؟..» لم يرد علي. نظرت إلى القطيع، فإذا به يتقافز كأمواج السيل بعيدا عني بحولي نصف كيلومتر أو يزيد، ولكن قلت لنفسي على الأقل صار المنزل قريبا، وكان منزلنا المهترئ يظهر للعيان عجوزاً متكئا على فخذ الجبل بين شجيرات عشوائية تتكون من شجرة صفصاف شمطاء وشجرة لوز ومشمش وتين وزيتون.. إضافة إلى جيش جرّار من الصبار الهندي والتين الشوكي الذي يطوّق المنزل من كل جانب كالمغول، لا يخترقه سوى مدخل يبلغ عرضه حوالي مترين.

بعد جولة من المطر والريح، بدأت السماء ترجمنا بالبرد، لكني لم أستطع أن أترك المجنون عبد الملك وحده في غيبوبته. لقد اصطدم رأسه بقوة مع قارعة الطريق. قلبته برفق وأنا أقول: «انهض يا عبد الملك.. تماسك.. الضربة ليست خطيرة».. كنت أحاول أن أرفع معنوياته على الأقل. فتحت عينيه بأصابعي، فإذا بهما مقلوبتين تماما، بحيث لا يظهر منهما سوى البياض، عند ذلك أدركت بأن عدّه العكسي قد بلغ الصفر، فانتصبت واقفاً، وجعلت أصيح طلبا لنجدة المجنون عبد الملك، وإنقاذه من سقوطه، وإنقاذي من الورطة في سقوطه، وغضب السماء التي تقيم علينا حدّ الرجم كزانيين بأفغانستان.. خررت جالسا على ركبتي عند رأسه أصيح إلى أن استيقظتُ في المستشفى وأنا أحدق فيمن حولي أتساءل في دهشة من أمري: «ماذا أصابني؟ ! متى وكيف وما الذي جاء بي إلى هنا؟ !» فكان أغرب جواب تلقيته في حياتي، أن أحدهم قال لي: «حمدا لله على سلامتك يا سيد عبد الملك، فلا شك أنك صاحب حظّ يكسّر الأحجار كما يقولون.. لقد كان سقوطك خطيراً، حيث اصطدم رأسك بسطح صلب لا يقل صلابة عن الصخر، وكان من الممكن أن تفقد جزء هاما من دماغك، وإن كان بعض أعدائك المقربين…. !!».

بدا مترددا في إتمام عبارته، فقلت له: «أكمل، ماذا هناك؟ !». ولم أرد أن أسأله من يكون، وقد أحسست أنه كان سيستغرب سؤالي ذاك، ويفاجئني بأنه كان من أهم أقربائي قبل أن أفقد ذاكرتي، لذلك آثرت أن أسأله عما يريد قوله بغض النظر عمن يكون، فاستطرد: «كنت أريد أن أقول: وإن كان أحد أعدائك المقربين قد قال ساخراً منك قبل قليل بأنّك، على كل حال، كنت قد فقدت عقلك سلفاً، وبالتالي فلن يضيرك أن تخسر جزء من مخك أو كله إذا اقتضى الأمر..لا عليك من هذا كله، فالمهم الآن هو أنك لم تفقد شيئا، حتى طربوشك الصوفي الذي تلطخ ببعض الدماء، غسلناه لك لوجه الله، وهاهو بجوار وسادتك إن احتجت إليه ! «. قال لي ذلك ثم نهض وغادر الغرفة !.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق