ثقافة وفن

المتنبي وناقتُنا

طارق يسن الطاهر

من المعلوم أن أبا الطيب المتنبي حينما غادر مصر مغاضبًا، وهاربًا من كافور ليلة عيد الأضحى، كان راكبا ناقة، ووصف هذه الناقة كعادة القدامى، لكنَّ وصفه لها جاء مقارنة بينها وبين المرأة، فذكر أنه يُحب الناقة، ولا يُفتَن بالمرأة، فقال في قصيدة طويلة مطلعها :

أَلا كُلُّ ماشِيَةِ الخَيزَلَى

فِدا كُلُّ ماشِيَةِ الهَيذَبى

     الخيزلى وصف لمشية المرأة الجميلة ، والهيذبى وصف لمشية النوق ، فقال إنه يفدي الناقة بالمرأة، أي إن كل امرأةٍ حسنة المشية فِدَى كل ناقة  سريعة الخطو، يعني أنه من أهل السفر، وتُعجبه الإبل السريعة، والخيل القوية القادرة على السير، وليس ممَّن يعشقون النساء، ويتغزّلون بهن، ولا بمشيتهن المتثنية .

ثم يقول :

وَكُلِّ نَجاةٍ بُجاوِيَّةٍ

خَنوفٍ وَما بِيَ حُسنُ المِشَى

النجاة هي الناقة السريعة، وهي الناجية أيضا، وسميت هكذا لأن راكبها ينجو بها،  قال الشاعر عبدالله البردوني مخاطبا أبا تمام في قصيدته « أبوتمام وعروبة اليوم» :

كانت بلادك رَحْلًا ظهر ناجية  أمَّا بلادي فلا ظهر ولا غبب

والمعروف أن «الرَّحْل» هو ما يوضع على ظهر الناقة ليُركَب عليه، يقابله السرج عند الفرس.

أما الكلمة المحورية فهي «بجاوية» التي وردت في قول المتنبي:

وَكُلِّ نَجاةٍ بجاوِيَّةٍ

خَنوفٍ وَما بِيَ حُسنُ المِشَى

فهي نسبة إلى البجة من قبائل شرق السودان، وقيل نسبة إلى  بجاوة، وهي قبيلة في مناطق النوبة في شمال السودان، ومن هنا تنتقل النوق إلى منطقة «دراو» في جنوب مصر التي تمثل سوقا كبيرة لبيع النوق السودانية إلى يومنا هذا، وهذه النوق توصف بالسرعة، فقد روى ابن جنى عن أبي الطيب، قال:  (يرمي الرجل منهم بالحربة، فإذا وقعت في الرمية طار الجمل إليها حتى يأخذها صاحبها) .

والثابت لدى شُرَّاح المتنبي أن أبا الطيب استعمل إحدى هذه النوق البجاوية»السودانية» في رحلة هربه من كافور التي امتدت قرابة ثلاثة أشهر، وخلَّدها بهذا البيت:

وَكُلِّ نَجاةٍ بجاوِيَّةٍ

خَنوفٍ وَما بِيَ حُسنُ المِشَى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق