ثقافة وفن

“رسائل من بعيد” والكسندرا كلونتاي

محمد عثمان الفاضلابي

روى الأديب الروسي الشهير مكسيم غوركي، على لسان مارتوف قوله: «يوجد في روسيا شيوعيان اثنان فقط، لينين ومدام كولونتاي» إنها السيدة ألكسندرا كولنتاي، المناضلة الروسية التي كانت تستقبل رسائل لينين وترسلها إلى بطرس بيرق، كذلك قامت بالعديد من الأنشطة في سويسرا والمانيا والولايات المتحدة ضد الحرب العالمية الأولى ومن أجل الثورة.  (رسائل من بعيد) إنها رسائل لينين التي خلدها التاريخ لمساهمتها الكبرى في إشعال ثورة أكتوبر الاشتراكية الكبرى في روسيا لذلك تكرر إعادة نشرها من قبل الصحف واهتم بها الكتاب والثوار وكثيراً ما طالع القاري في الماضيً

كتب لينين من منفاه السويسري:

وهي الرسائل حول افكار السيد فلادمير اليتش اوليانوف، الشهير بلينين العظيم، ولكن الكثيرين لم يفكروا في طريقة وصولها مع بعد المسافات بين زيورخ وبطرس بورغ خاصة صعوبة المواصلات في تلك السنوات، مع ذلك وجدت تلك الرسائل حظها من الاهتمام والشهرة والتحليل عبر التاريخ، الا ان طريقة وصول الرسائل من زيورخ والى روسيا لم تجد الاهتمام الكافي والتوقف عندها، من كان يظن من سكان مدينة زيورخ آنذاك أن الروسي (فلادمير) والذي كان يسكن في أحد أذقة المدينة القديمة بزيورخ في شقة متواضعة من مبانيها العتيقة ويتجول في أذقتها الضيقة وعلى نهر الليمات وبحيرة زيورخ.

هو الذي سيكون زعيماً لأحد أهم الثورات في التاريخ؟

رغم أنه كان قد ألف كتبًا، وعقد محاضرات ولقاءات مع مختلف المثقفين، حتى سقوط القيصر الروسي واشتعال الثورة، وبدلًا من إلقاء المحاضرات فكر لينين في أن يبعث رسائل ورقية طويلة من منفاه في سويسرا إلى الداخل الروسي، بعنوان (رسائل من بعيد) تطالب العمال بالقطيعة مع الليبراليين البرجوازيين، والاستيلاء على السلطة بأنفسهم وقام بذلك بالفعل وتم نشرها في مجلَّة «برادا» التابعة للحزب الشيوعي الروسي. كانت تلك وسيلته الوحيدة للوصول للجماهير وضخِّ أفكاره حول الثورة، وكان يبعث بتلك الرسائل إلى مدينة أوسلو النرويجيَّة الى صديقته ورفيقته في الحزب الكسندرا كولونتاي،  ولدت ألكسندرا دومونتوفتش في أسرة عقيد بالجيش الروسي في سان بطرس بورغ عام 1872، وتزوجت أحد أقاربها، المهندس فلاديمير كولونتاي. تأثرت باكراً بالأفكار الثورية عبر نظرية داروين واهتمامها بالتربية وعلم نفس الأطفال. ًوسافرت من بعد الى سويسرا ودرست الاقتصاد السياسي بجامعة زيورخ السويسرية ونلاحظ العديد من الكتاب يعتقدون انها درست في المانيا بحكم ان زيورخ أحد اهم المقاطعات السويسرية الناطقة بالألمانية تجدر الإشارة أنه مع أفول القرن التاسع عشر، كانت كولونتاي في عداد ذاك الرعيل من النساء الأرستقراطيات والبرجوازيات. كان فلادمير يرسل رسائله الى مدام كولنتاي والتي حطت الرحال بأوسلو بالنرويج وكانت هي بدورها تُرسلها إلى مدينة سانت بطرس بورغ، ممَّا يعني أن الرسائل كانت تأخذ وقتًا طويلًا قبل أن تُنشر في الصحافة الروسية وتصل إلى الجماهير الثائرة التي كانت تنتظرها على أحر من الجمر، رغم ان السيد فلادمير كان مجرد مهاجر عادي يتجول في شوارع زيورخ ويجلس في مكتبتها المركزية ويكتب لساعات طويلة من اليوم، إن تأثير هذه الرسائل وسط الشعب الروسي في اعتقادي لا يعود لعبقرية لينين وحده فقط بل لثورية الشعب الروسي آنذاك ومنظماته الثورية أيضاً، لأن المكتوب في هذه الرسائل ليس من المعجزات، بل هي افكار  يمكن لمفكر آخر داخل روسيا ان يكتبها.

إن مقارنة أثر (رسائل من بعيد) التي كتبها لينين مع ما يكتب الآن من رسائل في الحال   يكشف ان تأثير الرسائل الحالية مهما كانت قوتها لا يقارن مع الماضي والسبب هو كثرة ما يكتب وسرعة وصوله وصعوبة المقارنة بين الغث والثمين وما يسطره المفكر مقارنة مع المهرج، خاصة بعد ان صار الجميع كتاب واختلط الحابل بالنابل. ومع الدور الكبير والهام الذي لعبته الرفيقة الكسندرا كولونتاي، الا انها لم تكن بعيدة عن التعاسة والمعاناة وكتبت في مذكراتها عام 1926، ” لا زلت أنتمي إلى جيل من النساء نشأ عند منعطف التاريخ. وكان الحب، بكل ما يجره من خيبات أمل متكررة ومآس وسعي دائم وراء السعادة الكاملة، لا يزال يلعب دورا كبيرا في حياتي، دورا أكبر مما يجب أن يكونه! ولقد هدرت فيه الوقت الثمين والكثير من الطاقة، ويمكن القول إنه كان عديم الجدوى، في التحليل الأخير. فنحن، نساء الجيل الماضي، لم نكتشف السبيل إلى التحرر الفعلي فبذلنا طاقاتنا بدون حساب، وهدرنا طاقاتنا العملية في تجارب عاطفية عقيمة وتأكيدا، فإني وغيري من المناضلات والكادحات، أدركنا أن الحب ليس الهدف الأساسي للحياة، وتمكنا من أن نجعل العمل محورا لحياتنا. ولولا أننا لم نهدر طاقاتنا في الصراع الدائم مع عواطفنا تجاه الآخرين، لكنا استطعنا بذل المزيد من الجهد الخلاق. والواقع أن هذا النزاع كان حربا دائمة ضد تدخل الرجل في شؤوننا وتعديه على ذاتيتنا، نزاع يدور حول مشكلة معقدة: العمل أو الحب والزواج؟ نحن نساء الجيل القديم، لم ندرك، كما يدرك الشباب والشابات اليوم، أنه يمكن التوفيق بين العمل والسعي وراء الحب، بحيث يبقى العمل محورا للوجود، فقد منحنا كل ذاتنا للمحبوب على أمل بلوغ التناغم الروحي الكامل.

غير أن الرجل كان يسعى باستمرار إلى فرض ذاتيته علينا وتكييفنا حسب مبتغاه. فاضطرمت الثورة في داخلنا، رغم كل شيء، وتحول الحب تكرارا إلى قيد يقيدنا، وشعرنا بأننا مستعبدات وحاولنا التحرر من قيد الحب. وبعد نضالات متواصلة مع المحبوب، انعتقنا أخيرا، وتدافعنا نحو الحرية. وسقطنا مجددا في الوحدة والتعاسة والوحشة. لكننا كنا ننعم بحرية السعي وراء فارس أحلامنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق