خبراء المناخ

الخبير في المناخ والتثمين الطاقي عبد الوافي سعيد: مستقبل البشرية أصبح رهين بتحقيق عدالة مناخية في بعدها المجالي الكوني

تقييم توصيات ومخرجات «قمة غلاسكو» وانتظارات قمَّتَي «شرم الشيخ» و «الإمارات العربية المتحدة»

عبد العالي الطاهري

في إطار التفاعل الإعلامي والعلمي مع المُخرجات وكذا التعهُدات التي تُوِّجت بها قمة المناخ «  كوب26 » بالعاصمة الأسكتلندية غلاسكو، استضفنا الأستاذ عبد الوافي سعيد، الخبير في الشأن المناخي والتثمين الطاقي، الذي أكد على أنَّ «  الحديث حول هذا الموضوع وتقييم مُخرجات وتوصيات قمة غلاسكو (كوب 26)، يجب أولاً أن  يوضع في سياق قراءة شاملة وتفصيلية لتعهدات وتوصيات قمم المناخ السابقة، و في مقدمتها  قمة باريس ، إذ يتضح أننا لا زلنا أمام تحديات كبرى على مستوى مواجهة ظاهرة التغيرات المناخية، وبشكل أكبر وأهم معضلة  الاحتباس الحراري  الذي بات الكابوس الذي يُؤَرِّق حكومات وشعوب العالم بأسره ».

و في ذات الإطار يُضيف السيد سعيد «يجب التأكيد على أن الحالة الوبائية المرتبطة بفيروس (كوفيد19) زادت من حدة وخطورة هذه الظواهر الإيكولوجية المُهدِّدة للمنظومة وللتوازنات البيئية، فكما تعلمون أنَّ قمة غلاسكو كان من المنتظر تنظيمها خلال السنة الماضية، وتأجيلها حتى هذا العام 2021 أَمْلَته الظروف الصحية التي فرضتها جائحة كورونا على مجموع المنتظم الدولي، ما يجعلنا أمام تحدِّيَين كبيرين في ذات الوقت، التغيرات المناخية من جهة والوضعية الوبائية لكوفيد 19 من جهة ثانية. كل ذلك يضع العالم، قادةً وحكومات وخبراء و فاعلين جمعويين وإعلام وشعوب، أمام مسؤولياتهم الإنسانية وقبلها الأخلاقية، والإيمان أنَّ الخروج من هذه الأزمات والمعضلات الكونية، رهين بانخراط الجميع في الحفاظ على الحياة ودورتها الإيكولوجية والبيولوجية على كوكب الأرض».

وفيما يخص التَّعَهُدات والتوصيات التي خرجت بها البلدان المشاركة في الكوب 26 ، يقول الخبير في الشأن المناخي والتثمين الطاقي، المدير العام لمجموعة SOS-NDD لتدبير النفايات والتثمين الطاقي، « يجب على جميع الدول مراجعة تعزيز الأهداف المتعلقة بالحد من الانبعاثات الغازية، وهو الهدف الذي لا يمكن تحقيقه إلاَّ بتوحيد السياسات الدولية في هذا الإطار، الأمر الذي يصعب تحقيقه في ظل اختلاف توجُّهات، وفي العديد من الأحيان تضارب مصالح هذه الدول، خاصة مع استفحال الأزمة الاقتصادية العالمية نتيجة استمرار تبعات جائحة كورونا. إذن يجب أن نكون واقعيين وموضوعيين فيما يتعلق بمدى إمكانية التنزيل الإجرائي لهذه التوصيات والمُخرَجات، رغم أنه ليس بالأمر المستحيل متى توفرت الإرادة السياسية واستقرار الأوضاع الصحية (جائحة كورونا)، رغم أن الحالة الوبائية عالمياً، باتت غير مطمئنة بظهور المتحور الجديد «أوميكرون» وتأثُّر كبريات الاقتصاديات العالمية بهذا المستجد الوبائي، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا قُطبَي أكبر تجمع سياسي واقتصادي عالمي، ونقصد طبعا الاتحاد الأوروبي».

و يسترسل الأستاذ عبد الوافي سعيد، «من أهم المستجدات التي حملتها القرارات الصادرة عن قمة المناخ «كوب26» المنعقدة بالعاصمة الأسكتلندية غلاسكو، هو الاتفاقية المتعلقة بالتقليل من استخدام مصادر الطاقة الأحفورية وفي مقدمتها الفحم، رغم أننا لاحظنا أنَّ بعض الدول التي تعتمد على الطاقة الأحفورية وبالأخص الفحم كمصدر أساسي للطاقة ولتحريك الدورة الاقتصادية ستجد بعض الصعوبة في تحقيق هذا المبتغى، لكنه يبقى غير مستحيل».

و بالنسبة لنقطة أساسية أخرى، وهي المرتبطة بالوصول إلى هدف 0% من الانبعاثات الغازية، يُشير الخبير في التثمين الطاقي : «علاوة على التوصية المفصلية والهامة التي تخص الإسراع بتنزيل الاستراتيجية الخاصة بالطاقة البديلة، وهي التوصية التي نفتخر أن بلدنا المغرب قد انخرط فيها سلفاً من خلال الاستراتيجية الوطنية  للطاقات المتجددة ، الشمسية منها والريحية والكهرومائية وأيضاً ما أصبح يُصطلح عليه  بالنفط النظيف أو الهيدروجين الأخضر، كل ذلك في أفق تحقيق الهدف الأكبر والمتعلق  بدخول المغرب نادي  الاقتصاديات الخضراء، وهو الأمر الذي أصبح قريب التحقيق بإذن الله تعالى، خاصة مع النتائج المبهرة التي حققناها، ملكاً وحكومةً وشعباً، بعد احتلال المغرب المرتبة الخامسة عالميًا في مؤشر الأداء المناخي برسم العام 2021 من بين 57 دولة إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، والتي تُمثل مجتمعة ما معدله 90% من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية ».

ويضيف السيد عبد الوافي سعيد « إذن هنا ظهر بشكل بارز الذكاء المغربي في بُعديه العلمي والمنهجي البحثي، وأيضاً ارتباطا بحُسن استغلال واستثمار الطبيعة والثروات ذات المصدر النظيف وتحويلها إلى مصادر استراتيجية وقارة لإنتاج الطاقة الخضراء، كل هذا جعل المغرب يتبوأ المرتبة الأولى إفريقيا ومراتب الريادة العالمية، بفضل تظافر وتكامل الجهود بين جميع الفرقاء والمكونات المجتمعية المغربية، طبعا تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة نصره الله، الذي يشرف بشكل شخصي على الاستراتيجية الوطنية  للطاقات المتجددة للوصول إلى الهدف الأكبر للمملكة والمتمثل في  تحقيق السيادة الطاقية  في الأفق القريب بإذن الله تعالى ».

وبالعودة لقمة غلاسكو للمناخ، يؤكد السيد سعيد «فقد أصبحت البشرية مُلزَمة، أكثر من أي وقت مضى، بضرورة التسريع بتنزيل هذه القرارات و التعهدات، خاصة مع ارتفاع معدل الآثار السلبية لظاهرة التغيرات المناخية، ولا أدلَّ على ذلك الفيضانات والحرائق المهولة التي شهدتها العديد من مناطق العالم خلال السنتين الأخيرتين، علاوة على ظواهر مناخية غير اعتيادية أخرى».

و يختم الأستاذ عبد الوافي سعيد، الخبير في المناخ والتثمين الطاقي، « لكن وحتى نتحدث على مرجعية علمية واقتصادية موضوعية، يجب التأكيد على أنَّ المبتغى الأساسي الذي يجب أن نسعى إليه جميعا هو تحقيق عدالة مجالية عالمياً في بعدها وصيغتها المناخية، وهو ما لن يتحقق إلاَّ بتحمُّل الدول الكبرى الأكثر تلويثاً لكوكب الأرض مسؤولياتها كاملة وتأكيد إرادتها السياسية في هذا الاتجاه، من خلال توقيف استعمال الطاقات الأحفورية وأيضا تخصيص اعتمادات مالية ضخمة لتنزيل مخرجات وتعهدات القمم السابقة للمناخ وليس فقط قرارات وتوصيات قمة غلاسكو (كوب26)، خاصة أنَّ البلدان والشعوب الأكثر تضرراً بهذه النتائج الكارثية للتغيرات المناخية هي الدول النامية، ونخصُّ بالذكر أغلب الدول الإفريقية وكذا دول أسيوية وأخرى تنتمي للأمريكيتين اللاتينية والجنوبية، لأنَّ هذه الأخيرة لا تتوفر على الحد الأدنى من الموارد المالية التي سوف تُمكنها من مواجهة تَبِعات التلوث وخاصة الاحتباس الحراري. و تجدر الإشارة إلى أنَّ الغاية الإنسانية في هذا السياق، تصُبُّ في عمومها وعمقها في اتجاه واحد، ألا وهو الحد من الانبعاثات الغازية والتحكُّم في الإيقاع المتسارع للتغيرات المناخية، في أفق الحفاظ على دورة الحياة الإيكولوجية على كوكب الأرض، وهي الانتظارات الكبرى، التي نتمنى تحقيقها واقعياً كحد أقصى خلال مؤتمَرَي المناخ القادمين، بكل من شرم الشيخ بمصر العام القادم 2022 وبالإمارات العربية المتحدة سنة 2023».

ـ الخبير في منظومة «الطاقات المتجددة» عبد الله آيت أوعدي:

عبد-الله-آيت-أوعدي

الحفاظ على التوازنات البيئية يقتضي منا جميعاً العمل على خلق علاقة تكاملية

بين معادلتي «التنمية المستدامة» والتسريع بتنزيل آلية «الانتقال الطاقي».

ارتباطًا بمُخرجات وتوصيات قمة المناخ بالعاصمة الأسكتلندية غلاسكو، يعتبر الخبير في منظومة « الطاقات المتجدد » الأستاذ عبدالله آيت أوعدي «  أنَّ التعهدات الثلاث التي شكلت الأساس وجوهر التقرير النهائي الصادر عن هذه القمة المناخية الأممية، وهي المتمثلة في الحد من ارتفاع درجة كوكب الأرض والإبقاء على معدل الانبعاثات الغازية في حدودها الدنيا، علاوة على ضرورة توفير اعتمادات مالية هامة تُرصَد لفائدة الدول الأكثر تضرراً من التبعات والآثار السلبية للتغيرات المناخية، والتي أغلبها يتموقع جغرافيا في القارة الإفريقية وآسيا وكذا الأمريكيتين اللاتينية والجنوبية. وهي الاعتمادات التي يجب أن توفرها البلدان الأكثر تلويثاً، وفي مقدمتها كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا والبرازيل…، وهو أمر يبقى رهين فقط بوجود إرادة سياسية حقَّة والتحلي بروح المسؤولية الأخلاقية تجاه معضلة أصبحت تُهدد مصير الأجيال الحالية والمستقبلية».

أمَّا التعهد الرئيسي الثالث، يقول السيد آيت أوعدي «فهو المتمحور في ضرورة تخلي جميع دول العالم على الطاقات الأحفورية كمصدر رئيسي لتوليد والحصول على الطاقة، من خلال تبني استراتيجيات وطنية وإقليمية ودولية تعتمد على مصادر الطاقة النظيفة، من خلال البدائل الريحية والشمسية والكهرومائية وكذا مصدر الهيدروجين الأخضر».

ويُضيف الخبير في منظومة « الطاقات المتجددة » : «  الأكيد أن التنزيل العمَلي لهذه التوصيات، خاصة المخرجات الثلاث الكبرى منها، سوف تقف أمام  قاعدة « تضارب المصالح »، ونعني بذلك أن الدول الكبرى الأكثر تصنيعاً، سوف تكون أمام تحدي التخلي عن مصادر الطاقة الأحفورية بشكل كلي وفي فترة جد قصيرة، لكن على الأقل يجب على هذه البلدان، من منطلق وكما أسلفنا، أنها الأكثر تلويثاً لكوكب الأرض، أن تُظهر عن إرادة وحسن نية لتنفيذ التزاماتها التي تضمَّنتها القمم المناخية السابقة، وفي مقدمتها اتفاق باريس، وهو الاتفاق الذي دقَّ ناقوس الخطر بخصوص المعضلات المناخية التي تتهدَّد كوكب الأرض والبشرية جمعاء ».

وفي ذات الإطار المتعلق بتحليل توصيات قمة غلاسكو واستشراف الانتظارات من قمَّتَي شرم الشيخ والإمارات العربية المتحدة، يعتبر الخبير آيت أوعدي «  أنه إذا كان أهم ما جاء به اتفاق كيوطو، هو الدعوة إلى أجرأة و تسريع برامج ومشاريع التنمية المستدامة، الشيء الذي  دفع بالدول النامية والفقيرة إلى اعتماد تجارة واقتصاد كربونيين مع الدول الأكبر اقتصاديا، الشيء الذي نتج عنه الرفع من معدل التنمية في بعدها الشمولي، فإنَّ كل ذلك كان على حساب المناخ والمنظومة البيئية، ما أدَّى إلى ظهور العديد من أشكال الاختلالات الإيكولوجية، خاصة مع ارتفاع معدلات الإنتاج الذي يقابله ارتفاع مَهُول في الاستهلاك، وهنا أتحدث عن  نظام عيش، أصبح هو النمط الاعتيادي ولن أقول العادي، دون الانتباه أنَّ فاتورة هذه السلوكات اللامسؤولة لن تؤديها إلاَّ الأجيال القادمة، عندما نجد أنفسنا، لا قدَّر الله، أمام غياب الحد الأنى من معدلات تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية في ظل غياب الحد الأدنى من المصادر الطاقية، علاوةً على ارتفاع نسبة الاحتباس الحراري ومن تمَّ اختلال موازين الدورتين البيولوجية والإيكولوجية ».

إذن لا سبيل أمامنا جميعا كبشرية، «سوى اعتماد أسلوب حياة يراعي الحفاظ على منظومتنا الإيكولوجية، من خلال اعتماد استراتيجيات تجمع بين معادلتي التنمية المستدامة واعتماد الطاقات البديلة، وهو ما تجسَّد على مستوى المملكة المغربية من خلال عنصرين إثنين، جعلا المغرب يحتل مراتب الريادة في مؤشر المناخ والانتقال الطاقي، وهما العاملين التاليين:

ـ التبنِّي الفعلي لاستراتيجية « الطاقات المتجددة » كطاقات بديلة ونظيفة، تُحقق شرطي « التنمية المستدامة » و « الحفاظ على التوازنات البيئية » ومعها الثروات والمقدرات الطبيعية على كوكب الأرض، وهو ما ترجمته المشاريع الطاقية الكبرى التي شرع المغرب في تنزيلها منذ سنة 2009، من خلال مشاريع « نور 1» و « نور2 » و « نور3 » و« نور 4» بوارززات، ومحطات الطاقة الريحية بكل من الحسيمة وطرفاية والعيون وطنجة وفم الواد وغيرها، دون أن ننسى محطات الطاقة الكهرومائية والهيدروجين الأخضر، والدخول في مرحلة تشييد محطات ضخمة لتحلية مياه البحر، كمحطة أكادير و محطة الدار البيضاء الأكبر على المستوى الإفريقي.

ـ تسريع المغرب دسترة ووضع إطار تشريعي واضح ومُحدَّد لمفهومَي «الحكامة الإيكولوجية» «النجاعة الطاقية»، وهو ما تمكن المغرب من إقراره منذ سنة 2009، من خلال القانون رقم 13.09 المتعلق بالطاقات المتجددة والقانون رقم 16.09 المتعلق بالوكالة الوطنية لتنمية الطاقات المتجددة، وأيضا القانون رقم 47.09 المتعلق بتطوير النجاعة الطاقية، وكذا الفصول 31 و35 و151 و152 من دستور المملكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق