بدوياتسلايدر

ذاكرة الغياب … رواية للأديب عبد العزيز كوكاس (1-2)

ريشة قلّما يجود بها الزمان

د. محمد بدوي مصطفى

كوكاس قلم لا بد للعرب أن تعرفه:

الأستاذ الأديب عبد العزير كوكاس، صاحب كوكاسيات المدائن، أحبار الجنائن، قلم جليّ كالفنائن، حبر يعبر القارات مبحرًا  والسفائن، صوت جهور بين الأحراش وعلى الكمائن، ذلك رغم الهدوء، الذي يسبق أحايِناً سباق العواصف، رغم سكون المواقف. كوكاس أديب لا يخشى في العلم، الأدب والسياسة لومة لائم، يرفع قلمه ليسنّه في وضح النهار، وعلى حافة أقمارنا المتوارية، خلف سحائب الغفلان ودلائل الفرقان وهضاب النسيان، ذلك حتى عندما يسدل الليل أستاره، قائلًا كما ناجي امرؤ القيس: ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلِي، بصبحٍ وما الإصباح منكَ بأمثلِ، لحظتئذ تتراءى لنا سوءاتنا المتأرجحة بين الحياة والموت، بين الصدق والكذب، بين الحقيقة والخيال. قلم درغام، هصور، هزبر، بشيمة الأسود، ذلك بكل ما تحمل هذه الكليمات من معانٍ؛ وفي بيت لجميل عزّة، فترى الرجل الضعيف فتزدريه وفي أثوابه أسد هصولُ.

حبر كوكاس مسترسل، دافق دفاق ودفيق، مسيالٌ لا يقف، حباه الله دواة المداد وجمال الأحبار بكل معانيها، وُهِبت له مَلَكَة الوصف والعصف، قوانين النقد والفقد والعقد، وقد أرسى العليّ بدواخله روحًا سمحة في التعبير والتقدير والتوفير، حباه ريشة التشكيلي، حاسر الرأس عند كلِّ جمال، مستشفًا من كل شيءٍ جمالًا. ربما أحاول أن أوصف بعض خصاله النبيلة بأبيات شعرية للشاعر السوداني العملاق إدريس جماع، حينما قال:

ماله أيقظ الشجون فقاسى

وحشة الليل واستثار الخيالَ

ماله في مواكب الليل يمشي

ويناجي أشباحه والظلال

هين تستخفه بسمة الطفل

قوي يصارع الاجيال

حاسر الرأس عند كل جمال

مستشف من كل شيء جمالا

ماجن حطم القيود وصوفي

قضى العمر نشوة وابتهالا

خلقت طينة الأسى وغشتها

نار وجد فأصبحت صلصالا

ثم صاح القضاء كوني فكانت

طينة البؤس شاعراً مثّالا

يتغنى مع الرياح إذا غنت

فيشجى خميله والتلال

صاغ من كل ربوة منبراً يسكب

في سمعه الشجون الطوال

هو طفل شاد الرمال قصورا

هي آماله ودك الرمال

كالعود ينفح العطر للناس

ويفنى تحرقاً واشتعالا

كوكاس، وعندما تروق له سماء الكلمات المتلبدة بالسحب وتصفو، ينداح في مدارات الكلم ومجرّات الحديث ليعبر بجزالة، ينقد بنبل، يعزف على أوتار قلوبنا الرنّانة ليفضح، يكشف، يقذف، يُجحف ويمدح أحيانًا بالقسط؛ صادق الكلمة، وافر النَغَمة، نافر „للهيلة هيلة“ والزخم اللاموضوعيّ، يقتحم التيمات كما تقتحم مراتع الألم، قلمه حينًا ذاك المتبلسم، وأحيانًا أخر المتجّسم، والجاسم المُنَسِّم، والبسلم حين يروغ له الزمكان، كما يشجو أمير القوافي إيليا أبو ماضي (كن بلسماً إن صارك دهرك أرقما – وحلاوة إن صارك غيرك علقما)، ينقمُ لحيرة الأمّة، لِرِفَال الغمة ويرتاح على صدر بلده عند اندياح الظلمة. قلم يحكي لمن أراد أن يسمع،ولمن أرد أن تُمسُ بروحه مواجع الألم ليتوجع، وحتى لمن له شاردة هاربة وإرب سَارِبة، ينبري بنبله لحلّ ما يُفجِعُ ولمن يَتَفَجَّع، ينادي أهله في المغرب، يناجيهم ويحكي لهم بتواضع وإجلال عن ماهية الأحوال والأقول والأفعال، يسامر الحاجة مليكة وينادر الحاج الجلالي، يضمد جروحهم عندما يكشف أوجاع واقعهم على علاته، وعندما يفضح على مسمع ومرأى، المحرمات وذاك  «اللايقال»، ذلك دون أدنى مهابة، يسايس الأمور على سجيته الكوكاسية الدامغة أو عندما يصرخ إذا اقتضى الأمر، في سكينة وتمهل قولة «لا» … أو ربما تقتضي اللحظة أن يتنفث بها علنًا وجللًا وعملًا، دون خشية أو تملق، دون دهنسة أو توجع، دون ململة أو تمتّع. هذا الكوكاس، وكأنه جبل كوساسي منيع، هو يا سادتي من الأقلام المغربية الوازنة والمعاصرة والتي سمع بها كثير من أهلنا بيد أن بعضهم، أغلب الظن، لم يسمع به لكنهم حين ملاقته، قراءته وتمحص بيانه سوف يكتشفون أنهم أمام قامة سامقة، هامة عالقة وجبهة حازقة، إنها جبهته الكوكاسية الأمازيغية المغربية المتميزة المتفردة. يتنقل الأديب عبد العزيز كوكاس بأريحيته المعهودة، بصفاء نفسه المقصودة وببيان ريشته الموصودة، بين الصحافة والأدب، وكأنه بهلواني، فحين تروق له لحظات الآداب يهرول إليها وعند ما تناديه الصحافة بألمها وأوجاعها ومراراتها، لا تنفث من فِيهِ أبدًا كلمة «لا». فاللاء عنده احتجام ووضع الرأس كالنعامة في الرمل دون التزام. والرمل محرق في صحاري المشرق والمغرب والصحاري تآنس وحدته عندما يرتوي بسلسبيل واحتها ليكتب، يعبر، يسرد، يسترسل، يهزج، يشعر، يمرح بالتلاعب بحبيبات الكلمات وكأنه ينسجها في عقد فريد. كوكاس قلم لابد للعرب أن يعرفوه، وينبغي عليهم أن يتبعوه، لأنه قلم نادر، زاخر، وافر، حافر، ظافر وعامر بكل ما تحتاجه الروح من حكايات وقصص وروايات. 

السيرة الكوكاسية:

بزغت شمسه بمدينة الرباط العريقة في الثامن عشر من شهر أكتوبر من عام ألف وتسعمائة وأربعة وستون. تلقى دراسته الأولية  بالناشئة المحمدية ثم بثانوية ابن رشد فإعدادية المدني بن الحسني. وأكمل تعليمه الثانوي بثانوية عبد الكريم الخطابي، ثم شرع لا يلوي على شيء إلا ويلتحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس التي راودته عن نفسه، حيث تخرج فيها بالإجازة في عام 1990. من ثمّة واصل دربه في المثابرة وإكمال إعداده الأكاديمي الصرف ليلتحق بالمركز التربوي الجهوي – الفوارات بالقنيطرة، حيث اشتعلت جذوة التعليم بدواخله واضطرمت نيرانها بجوانحه ليحترق مجازًا بحرارتها، كأستاذ بأحد كورت بين عام 1989و1992 ثم ليلتحق بعدئذ بالمدرسة العليا للأساتذة بمكناس ثم بالعاصمة الرباط وتمّ تعيينه كأستاذ بالسلك الثاني بمدارس مدينة المحمدية. وكوكاس كما أراد دائما أن يكون – صحافيًا مقداماً، كاتبا معلامًا، فلم يقاوم تلك الأمواج فاستهوته الصحافة بكل محاسنها وندواتها فوجد نفسه دون أن يدرك، غائصا في قلبها، هائماً في حبها، مهووسا شغوفًا بعلومِها، حيث عمل كمستشار للتحرير بجريدة «الزمن» التي كان يديرها عبد الكبير العلوي الإسماعيلي ومن ثمة انتقل إلى جانب الأستاذ محمد سبيلا والأستاذ محمد ضربف ليناضل في الدرب مغوارًا فعمل بأسبوعية «الصحيفة» التي صار من بعد رئيسا لتحريرها ذلك في عام 2001، قبل أن يشد الرحال إلى جريدة «الأخبار المغربية» التي أسسها رفيقه المبدع عبد القادر الشاوي، ليؤسس بنفسه بعدها عام 2004 جريدة الأسبوعية الجديدة».

عبد العزير كوكاس نحسب له، إلى جانب اهتماماته في مجال الصحافة والتعليم، إسهامات إبداعية متميزة، فقد أفلح في ترويض الكلم ليسوقنا إلى أعمال وتحف أدبية جليلة، حيث أصدر رواية «ذاكرة الغياب» في ثلاث طبعات، كانت الأخيرة بدار بدوي للنشر بألمانيا، ثم أنجز نصوص «سطوة العتمة». وله الكثير من الخبز، على حد قول المثل الفرنسي، على طاولة الإبداع، بينها مؤلفات صدرت مؤخرًا منها على سبيل المثال لا الحصر كتابان هما «اللعب في مملكة السلطان» و «حبل قصير للمشنقة».

عن رواية ذاكرة الغياب:

* بلغة أقرب إلى الهسيس الشعري، يرصف الكاتب عبد العزيز كوكاس روايته «ذاكرة الغياب» الصادرة عن دار بدوي في طبعتها الثالثة الأنيقة، ذاكرة متشظية تطارد شخوصها كل أنواع التمزقات والانكسارات.

* ذاكرة الغياب تحاول أن تلامس الانعطافات التي عرفها جيل الستينيات والسبعينيات اللذين حملوا على ظهرهم أوهام تغيير العالم، فانكسرت أحلامهم في منتصف الطريق إلى الغبار.

*صالح البشير، بطل الرواية الذي اكتشف أنه ليس صالحا ولا بشيرا هو اختزال للحظة تاريخية بأسئلتها وانكساراتها، بقلقها وشغبها، إنه يمثل لحظة الانتقال من زمن إلى آخر، من فضاء إلى آخر، بين المركز والهامش، حيث الماضي يمثل لحظات القضايا الكبرى والأسئلة الحرجة والشعارات الكبرى، لذلك كان زمنا جماعيا ينفق بالجملة والحاضر هو لحظة تفتيت الزمن لمعايشة التفاصيل الصغرى (تفاصيل الجسد، كيف يعد النقود، كيف يصف الآتان… )، زمن الأمس حيث كانت أحلامنا أكبر من حاجياتنا وشعاراتنا أكبر من إمكانياتنا، كنا نحلم بهزم وحش السلطة وكان الحب والجمال شيئا برجوازيا حقيرا وتافها، وفي الحاضر غرقنا في التفاصيل.

*ذاكرة الغياب تتحدث عن رحلة ضياع معلم في قرية نائية بالقنادلة بدائرة أيت بوكماز بأزيلال ومن خلالها وصف حالة انهيار شامل لفضاء قروي.. شخصية تحمل ندوبا كالوشم، بآمال محبطة وجروح في الجامعة وفي دروب وجدة بين الحلم الطفولي وجراح الاعتقال وإحباط الحب، على هامش هذه الرواية تنمو حكاية غرائبية في علاقة المركز بالمحيط.

* ـ صالح البشير معلم يبدو ملتزم / مغامرا / مفتونا بالجمال (مليكة)، جدي أكثر من اللازم/ حاد المزاج، طالب سابق بوجدة ومعتقل سياسي/ مجاز في الأدب الانجليزي، ينحدر من أسرة فقيرة، توفي أبوه عندما كان بالسجن في سنته الأخيرة، وأمه كسيحة خانته صديقته الطالبة العمراني في أول منعطف، فحمل جراح الخيبات في الحب والنضال…

*  صالح البشير معلم يبدو ملتزم / مغامرا / مفتونا بالجمال (مليكة)، جدي أكثر من اللازم/ حاد المزاج، طالب سابق بوجدة ومعتقل سياسي/ مجاز في الأدب الانجليزي، ينحدر من أسرة فقيرة، توفي أبوه عندما كان بالسجن في سنته الأخيرة، وأمه كسيحة خانته صديقته الطالبة نزهة العمراني، حبيبته القديمة بوجدة، في أول منعطف، أرسلت له رسالة لصالح في السجن بعد أن تقدم لخطبتها فرد من العائلة جمركي فحمل صالح جراح الخيبات في الحب والنضال… ومع ذلك استمر حضورها الدائم بجسدها البهي المطرز بالورود في حياة صالح وفي كل مغامراته الغرامية، وستكون مليكة النشيد المرضة، طبيبة جراح جسده وقلبه معا، كانا لبعضهما منفى، وخلقا فردوسا جميلا لن يدوم، حيث ابتلع نهر القرية صالح البشير، بعد أن ترك في بطن مليكة تلك البذرة لذلك الجنين الذي يرمز به الكاتب، لجيل جديد هو من يستطيع السير قدما نحو تغيير العالم، جيل يرهنه الكاتب والإعلامي عيد العزيز كوكاس بأفق صناعة مستقبل أكثر اتزانا وأقل إحباطا..

ما يميز رواية «ذاكرة الغياب» هو لغتها الشعرية الباذخة، كما لو أن كوكاس يهرب لغته الشعرية نحو السرد، كما في هذا المقطع: « يأكل التعب قدميه، وتستوي دروب المهاوي شرهة أمام خطاه، في أقصى حالات انشطاره يُصغي إلى دبيب مرعب يطوف بدمه وسط متاهة تأكل ـ بطريقة يصعب تصديقها ـ قدميه وأحلامه، جلس بجانب شجرة ليتّقي القيظ وألسنة النار، حيث كانت الشمس تبدو قريبة كيوم الحشر: «ليس هنا غير الخراب، وهذه الشمس التي تنتصب كالجمر في كبد السماء، تُشعل الحرائق في التراب والرأس والقلب.. إلاهي.. كيف يمكن أن تطأ قدم رسول أرضَ سَقر؟»

أزال الحذاء، كانت الجوارب قد التصقت بجلده، ثم مدد رجليه ليُفسح الطريق أمام دبيب التعب، وأخذ يتأمل القرية التي بدت غارقة في همومها وجراحها.. هناك تحت الشجرة، جلس صالح وحيدا في عَراء لا عراء يضاهيه في عُريه، أحس أنه مجرد عابر سبيل يتسلل إلى مقبرة جماعية على إيقاع الكورس الجنائزي، يرتقي سلم النهايات على مهل، ويطل على مشارف هاوية تقوده نحو وليمة الموتى، وكمن يبحث عن يقين استأنف سيره، فصدمت إحساسه الوجوه الملبدة بالغبار لعابرين يُلقون عليه السلام بشحوب، ألقى نظرة تغوص في تضاريس الخراب: التراب الصلب المائل إلى السواد، الأرض المتشققة كجلد تمساح هرم، وعيدان الشوك الجافة.. كل شيء حوله يتحول إلى كهف مقفر تتنزه داخله أشباح لها قدرة فائقة على المسخ والتشويه، أخذ يحدق في الأشكال الآدمية الساحبة خطاها إلى هاويات حتمية، فاستغرب باندهاش: «حتى الفقر هنا له طعم مختلف، فقر من طينة أخرى.. إن استمرار هؤلاء البدو أمام هذا الحرمان والتهميش وكل الأشكال الضارية والأكثر قساوة، مجرد هذا الاستمرار يتبدّى لي أشبه بالمعجزة.. إن الحفاظ على الحركة وسط هذا الحداد الوجودي يعتبر أمرا خارقا».

هذا ما دفع الكاتب الكبير الراحل عبد الجبار السحيمي ليكتب عن ذاكرة الغياب: «هذه الرواية مبهرة، وجدت نفسي أمام نص سردي بلغة شعرية منفلتة، يتقصّد الحكي الذي يرصد مواجعنا، يقول آمالنا وآلامنا، لم تكن «ذاكرة الغياب»، بقدر ما هي ذاكرة الحضور أيضا، آلمني قتل البطل الجريح صالح، لأن بعده لن يأتي إلا الطالح والغث، ولو أن الكاتب ترك نطفة منه في رحم مليكة النشيد».

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق