سياسة

البرهان وتجديد وصاية المحتل!

بثينة تروس

حين حدثت المحاولة الانقلابية الاولي، ابان فترة الحكم الانتقالي، وظهر الخلاف بين المكون العسكري والمدني، صرح الجنرال البرهان قائد القوات المسلحة، بوصايته على هذا الشعب (نحن أوصياء على البلد وتحقيق أحلام شبابه “لن تتمكن أي جهة من إبعاد القوات المسلحة عن المشهد).. واكد علي انه (سيبذل كل الجهود على الحفاظ على وحدة هذه البلاد).. ثم قام بعدها في 25 أكتوبر 2021 بالانقلاب على شركائه المدنيين، وكذلك بذل الوعود والاماني مجدداً (سيشكل المجلس التشريعي الانتقالي والمحكمةالدستورية والنيابة العامة، إلى جانب تعيين حكومة كفاءات مدنية مستقلة يكون هدفها في المقام الأول تحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين)..  بعدها حكم البلاد منفرداً بدعم الحركة الإسلامية، واللجنة الأمنية، والدعم السريع، وشاركه من المدنيين والحركات المسلحة في الانقلاب، الذين ظلوا وزراء في حكومته.

وقد كان أفشل انقلاب في تاريخ الانقلابات، ساءت الأحوال الاقتصادية والأمنية، وأصبحت البلاد فعلياً محتلة بلا حكومة، وخرجت البلاد بأجمعها، تطالب بأسقاط البرهان وحكومته، والتخلي عن السلطة، مؤكدين في هتافاتهم ان (الجيش جيش السودان ما جيش برهان) ومطالبين (العسكر للثكنات).. وللأسف عجز الجنرال عن تحقيق أحلام الشباب الذين استخدمهم ذريعة للانقلاب، كما فشل بالوفاء بوعوده في التنازل عن السلطة! وكانت حصيلة التظاهرات السلمية من اجل استعادة مسار الديموقراطية، عنف مفرط، على نفس نهج حكومة الاخوان المسلمين، واوامر علي عثمان طه لكتائب الظل اضرب لتقتل، لقد استشهد (112) من المتظاهرين السلميين، وامتلأت المستشفيات بالجرحى والمصابين، ولم يسلم حتى الأطفال من التعذيب والاعتقال.

ثم حدث طوفان 30 يونيو، ورجوع الشوارع للاعتصامات، وتصاعد وتيرة اخفاقات الحكومة داخلياً وخارجياً، الشيء الذي قاد الجنرال لمحطة التذكير بالوصاية على الشعب، بعد ان اذاقه الامرين، في حكومة هي أقرب للاحتلال منها للانقلاب، ورد في مستهل بيانه (أخاطبكم اليوم وبلادنا تمُر بأزمة تُهدد وحدتها وتماسك لُحمتها الوطنية وتُنذر بمخاطر تُعيق مسار إكمال التحول والانتقال الديمقراطي المنشود).. نعم البلاد تمر بأزمة حقيقة، تحدث عنها كذلك نائب رئيس المجلس حميدتي، بقوله: ان البلاد تمر بمرحلة حرجة في تاريخه.  ويعلم ذلك الشعب الذي فاضت به الطرقات، كما لا يخفي على الجميع ان الذي أعاق الانتقال الديموقراطي، وقطع الطريق للوصول للحكم المدني؟  هو الجنرال البرهان، وهو المسئول الأول والأخير عن ازهاق الأرواح، والتدهور الذي ضرب قوي الدولة المختلفة، واتلاف الممتلكات العامة؟  لذلك كيف (سيبذل كل الجهود للحفاظ على وحدة السودان)؟! هل بشكوى شعبه لمجلس الامن الدولي؟ كما فعل في سابقة نادرة، أكدت للمجتمع الدولي انه تعذر عليه الحفاظ على أمن الوطن والمواطن، بل حتى حماية اقسام الشرطة من النهب!

بعد كل هذا الهوان، اما كان احري به التنازل عن السلطة وحل الشراكة بين العسكر والمدنيين، بدلاً من المساومة والاشتراطات، في ان يظل العسكر والشركات الأمنية الرقيب، ومن يضع خارطة الطريق لتكملة مطلوبات الحكم الانتقالي، وهم من يفسح المجال للقوي السياسية والثورية، والمكونات الأخرى، وبالطبع الأخيرة حصان طروادة، لاستيعاب الفلول في صفوف الثوار.

ان بيان البرهان هو خطاب اخواني من الطراز الأول، لبه المكر والخديعة، للوهلة الاولي يبدوا وكانه يقطع الطريق علي الرافضين للتفاوض والشراكة والمساومة، بإعلان انسحاب العسكر من الحوار، بإظهار  الحرص على التحول الديموقراطي، وتجده يغض الطرف عن وعود  بيانه الأول في قيام المجلس التشريعي، ويغفل ذكر المحكمة الدستورية، والنيابة العامة، وهذا تأكيد لاستمرار التواطؤ مع القضاء الاخواني التالف الذي لا يقيم للعدالة وزناً، ويجازي الإخوان المسلمين بمواصلة مسير التمكين، والتملص من الالتزام بمحاسبة الفاسدين، واسترداد أموال الدولة المنهوبة، والعفو عن الوالغين في دماء الشعب السوداني.

تحدث البرهان في بيانه الأخير، ولعله قد أشار عليه أحد خبراؤه الاستراتيجيين! الذين يجهلون معني الديموقراطية والتعددية الحزبية، باستخدام حيلة الوصي، حتى اكتمال توافق المكون المدني، وبحسب تقديرهم استحالة هذا الشأن، والشاهد عدم الاتفاق بين المكونات الثورية بلجان مقاومتها ليس منقصة، بل ثراء،  ان وجدت تلك الخلافات المناخ الديموقراطي المعافي، ليكون الشعب هو الرقيب علي احداث التغيير داخل الأحزاب السياسية، وتلك المكونات،  حتي تقوم بدورها في تمثيل المواطنين، وتعكس احتياجاتهم في مطالب الحرية والسلام والعدالة. ولن يحدث ذلك في ظل هيمنة العسكر وبرنامجه المستقبلي في الوصاية ايضاً على الانتخابات.

بيان البرهان قصد به ارباك المسرح السياسي الثوري وتعقيده بأكثر من قبل،  لان القوي السياسية لا تحتاج لاذن البرهان في التحاور مع الالية الثلاثية، فلو أراد الجنرال بالفعل انقاذ البلاد من المأزق السياسي حقا، لشهدنا حل مجلس السيادة وجميع افراده، ولكان بيانه منصب  حول تحقيق العدالة، وحول الإصلاح في المؤسسة العسكرية، وتسريح الجيوش المتعددة التي أصبحت مهدد حقيقي للجيش القومي، بعد ان حاد اتفاق سلام جوبا والحركات الموقعة عليه عن طريق الثورة، ولشهدنا كذلك قرارات دمج قوات الدعم السريع، بضمها وإعادة هيكلة القوات المسلحة التي هو قائدها الأعلى! ثم يلي ذلك فض الشراكة مع المكون المدني الانقلابي، وان يترك للشعب اختيار حكومته المدنية التي من اجلها قامت ثورة ديسمبر المجيدة. حتى ذلك الحين يظلً البرهان غير مؤتمن، إذا حدث كذب، وإذا وعد اخلف، وإذا  أؤتمن علي ثورة خان (الكوز كائن متحول فاحذروه)..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق