سياسة

تمام يا أفندم!

زهير السراج

تناولت أمس نقطتين من النقاط التي احتوى عليها البيان الأخير لرئيس الطغمة الانقلابية، وهما تحقيق العدالة للضحايا وحل المجلس السيادي وتكوين المجلس الاعلى للقوات المسلحة بعد تشكيل الحكومة عبر الحوار الذي تشرف عليه الآلية الثلاثية، وقلت ان الاولى مجرد كلام ظل يتكرر كثيراً بدون ان يتحقق منه اي شئ ولن يتحقق منه شئ، لأن الجناة هم الانقلابيون أصحاب السلطة، بينما تنضح الثانية بالخبث والمكر إذ انها تتيح للانقلابيين الاستمرار في السلطة باعتبار ان الحوار عملية طويلة ومعقدة قد تأخذ الكثير من الوقت خاصة مع التباينات الكثيرة بين الاضداد، مما يعني تأخير التشكيل الحكومي وتكريس الحكم في يد الانقلابيين وحلفائهم، فالمسألة إذن ليست أكثر من خدعة لشراء الوقت لصالح الطغمة الانقلابية ومن يخطط لها ومن يقف وراءها، كما ان القصد من تحديد موعد حل المجلس السيادي بعد تشكيل الحكومة، هو أن يتولى المجلس اعتماد واصدار المرسوم الخاص بالتشكيل الحكومي، وهي خدعة واضحة لشرعنة المجلس والسلطة الانقلابية التي قامت بتشكيله، بما يسمح له باصدار مراسيم أخرى قبل حله، لا يعلم أحد ما هي ومدى تأثيرها على المشهد السياسي في البلاد ! * بالنسبة للحوار هنالك نقطة في غاية الاهمية لم ينتبه لها الكثيرون، وهي ان الجبهة الثورية التي كانت حركة عسكرية متمردة على الدولة، صارت بعد اتفاق جوبا واتفاقية الترتيبات الامنية والشروع في تطبيقه بالتخريج الذي حدث قبل يومين للقوات المشاركة في حفظ الامن في دارفور، جزءاً من القوى العسكرية للدولة لها نفس سلطات واختصاصات وصفات الاجهزة العسكرية الأخرى، فكيف تشارك في الحوار باعتبار أنها قوى سياسية مدنية؟! * كما انها قوى حليفة للطغمة العسكرية الانقلابية تشاركهم في الحكم وإدارة شؤون الدولة، مرتكزةً في ذلك على القوة والسلطة، فكيف يجوز عقلاً ومنطقاً أن تشارك في حوار سياسي مع أفراد أو جماعات ليس لهم سوى الصفة السياسية أو المدنية؟! * وكيف يزعم البيان عدم مشاركة المؤسسة العسكرية في الحوار بينما تمثلها قوى عسكرية حليفة لها، بل هي جزء أصيل منها ؟! * يتحدث البيان عن تكوين المجلس الاعلى للقوات المسلحة فمن الذي سيتولى تكوينه، وعلى أي أساس دستوري أو قانوني سيتم هذا التكوين، أم أن المجلس السيادي الانقلابي سيمارس هذا الحق قبل حله، ومن أين أتى به، أم أن البرهان ومجلسه وطغمته الانقلابية لهم الحق في إصدار التشريعات والقوانين والمراسيم الدستورية وفعل كل شئ، بينما البقية مجرد عبيد يسمعون فيطيعون؟! * ولماذا يتولى المجلس، كما جاء في البيان، قيادة القوات النظامية (بما فيها الشرطة والامن)، ويكون مسؤولاً عن الامن والدفاع، وتجريد الحكومة حتى من سلطتها على الشرطة باعتبارها قوة مدنية، كما في كل دول العالم، بل انها تخضع حسب القانون للسلطات المحلية المدنية التنفيذية في المناطق التي توجد لها، أم أن البرهان يريد حكومة مجرد قطعة ديكور تأتمر بأمره، دعك من سلطتها على القوات المسلحة والامن والمخابرات باعتبارها من مؤسسات الدولة حسبما يفرض المنطق والقانون، وإلا أصبحت القوات المسلحة والاجهزة التي تديرها دولاً منفصلة داخل الدولة التي توجد بها، ومن المضحك أن يتحدث البيان عن مجلس أعلى للقوات المسلحة والدعم السريع في تقنين واستمرار للوضع الشاذ في البلاد بوجود جيوش مستقلة عن القوات المسلحة، لها الحق في إدارة شؤونها الخاصة بعيداً عن القوات المسلحة لا يجمعهما إلا مجلس أعلى يجلس فيه قائد الدعم السريع رأساً برأس مع القائد العام للقوات المسلحة، فأىُّ قوات مسلحة وأي أمن قومي يقبل بهذا الوضع ؟! * أخيراً، من الذي سيتولى القيام بالاعباء السيادية في الدولة بعد حل المجلس السيادي، أم أن المجلس الاعلى للقوات المسلحة هو الذي سيتولى كل شئ، بينما كل ما عداه مجرد خيال مآتة لا يفعل شيئاً سوى رفع التحية العسكرية للبرهان وطغمته العسكرية الانقلابية، والهتاف .. «تمام يا افندم»، وهو الشئ نفسه الذي يفعله البرهان لأسياده في الداخل والخارج، ثم يتهم غيره بالخيانة والعمالة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق