ثقافة وفن

عناية بخاري التجريد بين الهندسة واللون

بشرى بن فاطمة

يطرح الخوض التفسيري لأعمال التشكيلية السورية عناية بخاري الكثير من الأسئلة ويحتاج التعبير عن الفكرة في العمل إلى تخاطب حر مع الأكال الهندسية وتجاوب ثنائي التفاعل مع الخيال الذي يستبيح حرم اللون ويعيد ترتيبه المتفرّد على إيقاع التوازن الحر والتناغم البهيج مع تلك الأشكال، التي قد لا يمكننا توقّع اندماجها ولكنها تندمج وتحاكي الوجود بعين تدرك معنى التحكم في المساحة وحرفية التعامل مع الألوان والخطوط والنقاط وكل جزئيات العمل الفني الدقيقة والمتفاعلة معا.

فيمكن للمتلقي التأمل في أعمالها دون الإحساس بخلل البحث عن الثبات والتوافق بين عنادها كامرأة ومثابرتها وإصرارها كفنانة حافظت على استمرارها باجتهاد مضاعف وعزيمة حملت معها انسانيتها وهويتها وكينونتها وتجريبها للأسلوب والخامة مع الاستفادة من المخزون الهائل لموروثها الاجتماعي والثقافي الأدبي والفني الذي ساعدها على توظيفاتها البنيوية في الشكل والمساحة والهندسة والتناغم بين كل الأشكال مهما كانت أحجامها مكّنتها من التعايش الجمالي معا.

فالغوص في تأملات اللون وهندسة الفكرة في أعمالها يحتاج إلى صبر عاشق للون وحكمة متأمل في البعد وطموح مستشرف نحو خيال التمييز وحلم للإدراك من أجل التفاعل الأبعد مع تلك الفكرة حتى يكون المنجز الفني قادرا على اختراق الواقع وابتكار منافذ أكثر أمل وحياة.

ولعل تلك التقنية الفنية هي التي تستدرج بها الفنانة الطبيعة في أعمالها حيث لا تقتصر على الشكل أو النقل بالتوافق والتطابق بل بالابتكار والانطلاق والاتكاء على البحث الحر عن الشكل والتجدّد التام معه، ليصل المحتوى إلى المدى الأبعد في شدّ المتلقي إلى أعمالها.

فقد خلقت بخاري تلك التأملات لتمتين اللون وتفكيك حقوله واتباع مساراته الفنية واستيعاب انتظاراتها المغامرة التي تجيد الحفاظ على ثقة اللون في المساحة وتفكيك هذه المساحة نفسها مع اللون.

فقد حملت بصمة وهوية تفاعلت معها وفعّلت حضورها الأنثوي بجرأة مكّنتها من أن تتجاوز التصنيف لتخلق معه التميّز بالتقنية والخامة والمفهوم.

فبين الطباعة على الشاشة الحريرية وبين الألوان وتجاذباتها من الأكريليك إلى الزيتي وبين الهندسة والتجريد كانت لها علاقة مع خطوطها وأشكالها حمّلت لكل تلك الألوان علامات بصرية عالجت الحالات والانطباعات والمواقف دون أن تبتعد عن هويتها وموروثها حيث انتصرت بالحكاية وسافرت معها عبر الأدب كما أضافت لحضورها طبيعة مبتكرة وإيقاعات ثرية لامست انتمائها.

فالتطبيق العام للعناصر تجريبيا استطاعت به من أن تثبت ذاتها الفاعلة في التشكيل وتتحرّر من قيد المجتمع ومن قواعد الفن الجامدة لأنها تؤمن أن التجربة تخلق الفارق عند كل فنان قادر على أن يكون مجرد عابر في ساحة الفنون.

فهي تجيد رصد الأشكال في حضورها المرئي أو المجهري في تلافيفه المختلفة هندسيا لأن عبورها بين كل تلك الأشكال وأحجامها وعبر المساحات وتضاريسها شكّل داخل ذائقتها فرحا مختلف التنقلات استطاع أن يصف حالاتها ويتماثل معها تعبيريا وينصفها في اختياراتها اللونية المتشابكة أو المتفرّعة من ذات اللون.

تكمن الجماليات التي تحاول بخاري إبرازها في مراعاتها لمدى اتساع المساحة للون واحتواء العلامة التعبيرية حتى تراقب عن كثب تلك التوافقات الحسية بينها لتفصح عنها تشكيليا برمزيات متعدّدة الدلالات والإيماءات.

تجتهد بخاري في التنقيب عن أمكنة جديدة على مستوى مساحات اللون فتُعلي من بحثها عن الأشكال لتصل بها أبعد في احتواء الكون فهي تراقب حركتها وتستثير منطقها الحيوي في استمالة الضوء ونشره مع اللون لتكشف عن مستويات جديدة في اللون نفسه يكون مرنا في تناغماته ومنسابا أكثر مع دوره في المنجز الفني خاصة وأنها تجيد تثبيت الخطوط الدقيقة المتشابكة فيما بينها وبين المساحات الواضحة والضبابية والمتداخلة معا بين المربعات والدوائر وبين الأشكال التي تشير للعمارة.

نجحت بخاري في تجربتها في بناء لوحة بخصوصيات العمارة من خلال تعاملها مع المساحة وترويضها للأشكال الهندسية وتحكّمها في حقول اللون بين ارتفاع وانخفاض بين عرض وطول لمختلف التراكمات الحسية التي استطاعت أن تفرض فكرة التركيب دون أن تجعل مها أساسا يختلف عن طبيعة التشكيل الأساسية التي تركب عناصرها بتحرّر تدرك به استقراء أفكارها وحواسها وتنقلها للمتلقي بعمق يثير فيه دهشة السفر عبر كل شكل ومساحة، فكأن البناء موحّد ومتكامل كقطعة واحدة متماسكة ولكنها حاكته وهي تسرد معه التوافقات الحسية ذهنيا كقصص بصرية عميقة ومترابطة تفرض التعمق والغوص للبحث عن المدلولات التعبيرية والمفاهيم الجمالية.

*الأعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق