بدوياتسلايدر

ذاكرة الغياب … رواية للأديب عبد العزيز كوكاس (2-2)

ريشة قلّما يجود بها الزمان

د. محمد بدوي مصطفى

“مرجيحة” الصحافة، التاريخ والأدب:

أن يتمرجح كاتب من الكتاب، بين الصحافة والتاريخ والأدب، بين فنون القلم، همساته، نفحاته وآهاته، فهذه سمّة قلما نجدها عند أهل الصحافة. فالانزواء والتكدس صارا من الأمور السهلة على عكس ارتياد الحقول الوعرة الأخرى، التي صارت خاصة بالنخبة، إذ أنّ ذلك يطلب معرفة شمولية ومقدرات فائقة في فك طلاسم الأحداث، وقدرة تحليلية دقيقة في التعامل مع المعطيات، فضلًا عن إمكانية هضم كل هذا الكم الهائل في زمن العولمة وتبسيطه وصياغته في ثوب مجدول بالحقائق والحوادث والمعطيات للقارئ كوجبة دسمة على مائدة من ذهب. إنّ الأديب عبد العزيز كوكاس هو من قلة قليلة تتقن هذا التمرجح، بين فنون القلم وسرد الحكايات والتفرقة بين المتخيل والحقيقة الدامغة في سرديات التاريخ. فالقراءة مثلًا في عموده “كوكاسيات” وغيرها من التحف الصحفية والأدبية الأخرى، تقودنا إلى نصوص صحيفة مصاغة في ثوب أدبيّ رفيع، هو لونه وحسّه الذي انصقلت فيه كل هذه الخبرات المتشظية والإدراك التام لماهية الحدث وأهميته لدى القارئ الثاقب. نحس عند ارتياد إحدى مقالاته أنّنا أمام موسوعة شاملة نلتمس شموليتها في كل جوانب ما يسطره قلمه، كما نجد بين هذا وذاك ثقافة عالية خلوقة وخلاقة، تتسم بالبراحة والاتساع، فرحة حينًا وحزينة حينًا آخر، تمد من خلالها آماله وآمال من يصوغ لهم الكلم، فلا يرميه على عواهنه بل يجزل التوثيق والتعريف بما يكتب عنه. نحس أيضًا شغفه بالإلمام بالعلوم المختلفة، تحسسه المستمر لتتبع سير الفلاسفة والأدباء والكتاب من المحيط إلى الخليج، فضلًا عن إلمامه بمآثر ما كتبه صناع الحضارة بالغرب، من فلاسفة وأدباء وشعراء. له مجموعات ثرّة يجتهد فيها أيما اجتهاد، فهي تتضمن ببهلوانية تشحذ الألباب يحيك فيها مختلف الفنون والعلوم، منها على سبيل المثال لا الحصر: الفن السابع وكتب استثنائية. وهذه الأخيرة كنز من كنوز العلم الزاخرة وبحر من بحوره الفاخرة تتدفق ثناياها كل يوم بما لذ وطاب من المؤلفات الوازنة، منها المندثرة والتي اجتهد في أن تطرح في صحن هذه المجموعة بين القراء مرّة أخرى.

وقد سالت في شأنه الكثير من الأحبار نذكر على سبيل المثال صديقه حسن أوريد الذي لخص شخصيته بما يسعد القلب عند قراءته فهاكم ما قاله:

“ومما يضفي أهمية على كتابات كوكاس، ثقافته الواسعة ووعيه التاريخي وشغبه الذي يعرفه كل من احتك به وهو الشغب الذي يقدح شعلة الحس النقدي”. بهذا التقديم المشع، الذي كتبه الباحث والروائي حسن أوريد يمهر الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس كتابه الجديد “براد المخزن ونخبة السكر”، وهو كتاب صادر عن منشورات النورس في يناير الجاري، ويضم بين دفتيه سلسلة من المقالات في التحليل الإخباري والسياسي لقضايا ملحة وشمت الزمن المغربي طيلة عقدين من الزمن.”

أحلام غير منتهية:

يسرد الأديب عبد العزيز كوكاس في تقديم لأحد كتبه “أحلام غير منتهية” الآتي:

“ما يتضمنه الجزء الثاني من كتابي “أحلام غير منتهية الصلاحية” الذي اخترت له عنوانا مغايرا كما الأمر فيما سيأتي من أجزاء متتالية: “براد المخزن ونخبة السكر”، هو سلسلة مقالات للتعبير عن الرأي، معظمها كان عبارة عن افتتاحيات في أكبر الأسبوعيات التي وشمت الجسد الصحافي المغربي والتي تحملت بها رئاسة التحرير أو إدارة الجريدة في لحظة مفصلية، أو مقالات تحليلية لأحداث ووقائع سياسية آنية في مرحلة متميزة من الزمن السياسي المغربي مع نهاية قرن وبداية آخر، أفول عهد وميلاد عهد جديد.. ما أسميه دوما بزمن العتبة، بمخاضاته الكبرى، بأحلامه التي حررت الطاقات والأصوات، بخيباته وتوهجاته، بأسراره الحارقة التي كنت في قلب جزء منها.. شاهدا على تفاعلاتها أو مجرد متتبع لها.. بما يعني أن هذه الكتابات كانت في قلب بوتقة انصهار المواد الأولية في الفرن الأساسي لهذه المرحلة”.

في مقال نشر بصحيفة الغد ٢٤ بعنوان: الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس يصدر كتابه الجديد “براد المخزن ونخبة السكر”

بلغة شفيفة تمتح من الأدب وإن كانت تحاكي الوقائع والأحداث الجارة، وإن اتكأت على منطق التحليل الصحافي والسياسي فإنها لا تعدم خيالا مبدعا، هو ما جعل الكاتب والإعلامي محمد الصديق معنينو يقول عنها وعن كتابات المؤلف عموما: “عبد العزيز كوكاس صحفي خاض غمار مهنة الصحافة وامتحن صعوباتها وترك بصمات جلية على جبينها بعد تجارب أكيدة في منابر متعددة، حافظ خلالها على نقاوة مهنية رغم اشتغاله في أجواء عاصفة أبان خلالها عن قدرة هائلة لقراءة واقعية للأحداث وسط اختلاط الأوراق وتضارب المقتربات.. في كتاباته مزيج من الأدب والصحافة فهو الأديب الصحافي والصحافي الأديب يعرض دائما أفكارا مرتبة وفق منهجية علمية كأنه أستاذ للرياضيات مع أسلوب سلس وخيال غني كأنه أستاذ مبرز في الأدب.. سلاحه طيلة هذا المسار سحر الابتسامة وحسن السلوك ووداعة الحوار مما يمنحه قدرة على التواصل ويجعل مجالسته فترة تبادل وسعادة”.

من بين المقالات الطريفة التي تضمنها كتاب “براد المخزن ونخبة السكر” بالإضافة إلى مقال يحمل ذات العنوان، نقرأ: “الفرجة وسوق السياسة”. “الجزائر تأكل الطباشير وبوليساريو تمسح السبورة”، “الموت الاستثنائي للطغاة ملغز يحتاج إلى إخراج مسرحي”، “احتمال نشوب حرب بين المغرب والجزائر لم يعد مستحيلا”، “كوفيد 19 يدفعنا لنتحول جميعا إلى ساردي حكايات لننجو من الموت”، “خلفيات هوس تبون الجزائري بالمغرب”، “وزير حلو في حكومة مُرة”، “معاول الهدم والحنق الأعمى لا تضيف لبنة واحدة للمعمار الديمقراطي”، “أسرار لقاء الحسن الثاني وهواري بومدين الذي لم يكتب له أن يحدث” و”دون كيشوت وطارق بن زياد لن يقيما حفلا للعشاء الأخير”. (نهاية الاقتباس).

كوكاس الصحفي والإعلامي المتميز:

التقيته ربما مرتين في حياتي، كانت الثانية عندما حملت له روايته “ذاكرة الغياب”، فكان اللقاء حميمًا تحفه محبة وصداقة دفينة، رغم الشقة التي تفرق بيننا، فهو في المغرب وأنا في أقصى الشمال، بكونستانس ألمانيا. كان حديثنا وأحاديثنا رغم قصر المدّة وتهافت الأصدقاء عليه بين أروقة معرض الكتاب بالرباط دسماً سلسًا وعميقًا. التقينا وافترقنا في غضون ساعة من الزمان وكان بصحبتي الأستاذ ناصر جبريل الذي عمل معه في إحدى الصحف ويكن له كل التقدير والاحترام. وكم من مرّة حدثني جبريل عنه وعن قلمه الجريء الوازن. لقد ارتبط اسم هذه الأيقونة الإعلامية برئاسة تحرير العديد من الصحف الأسبوعية المغربية المستقلة، ومن أولى كتابته الأدبية، مثال “ذاكرة الغياب” ظل كوكاس ينسج أسلوبه وفنّه السرديّ المتميز والخاص به وحده في كتابات تتماهى بين بين دواوين الشعر وغوايتها وبين النثر وسحره، كتاباته الصحافية تجمع بين الفائدة والمتعة، وكتاباته الأدبية يستهويها تتبع التفاصيل الدقيقة والإقامة في ثنايا الهامشي، الذي تحول إلى مركز في “سطوة العتمة”، وفي كتابه الشذري “الصحو مثير للضجر” فجر طاقة لغوية مكثفة منحوتة بدقة، كتابة متشظية تجعل التأمل في المنفلت والعابر، واللامرئي موضوعها بامتياز، وفي كتابه “في حضرة الإمبراطور كوفيد التاسع عشر” الذي قدم له المفكر الراحل محمد سبيلا يجعل نضحك حتى في زمن الحسرة والحزن المعمم وهو يساءل قضايا كبرى أثارها وباء كورونا الكاسح.

إصدارات كوكاس:

• “ذاكرة الغياب”(رواية): الطبعة الأولى (2001) والثانية (٢٠٠٧) والثالثة (٢٠٢٢)

• “سطوة العتمة” (نصوص إبداعية): (٢٠٠٩)

• “اللعب في مملكة السلطان.. في امتداح النص) (٢٠١٤)

• “الصحو مثير للضجر”، عن منشورات إيديسيون بلوس (٢٠١٧)

• “رؤية مغايرة لحركة بوليساريو.. من أحلام التحرر إلى أوهام الانفصال” في ثلاث طبعات.

• “أحلام غير منتهية الصلاحية.. في وصف حالنا” (٢٠١٩)

• ترجم كتاب “المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب: الإرهاب، التطرف، الصحراء” للمحقق الفرنسي ألان جوردان، الصادر في طبعتين.

• “في حضرة الإمبراطور المعظم كوفيد التاسع عشر” عن منشورات النورس (٢٠٢٠)

• “فتنة بذرة الجمال.. محاولات في مداعبة النص” عن منشورات النورس (٢٠٢١)

قال الكبار عن رواياته:

عبد الجبار السحيمي:

لا أدري من أي معجم تستقي كلماتك المرحة وهذه التعابير التي ترشح بحيوية نادرة، حتى وهي ترصد أحزاننا وسقطاتنا تحافظ على رشاقتها وحبورها الأدبي، ظللت أداوم على تتبع كتاباتك كحبات الدواء اللازم لتوازني الوجودي، وها أنا أصبحت مدمنا على كلماتك الأنيقة.. لو تدرك إلى أي حد أصبحت دائي الضروري للاستمرار في التفاؤل.

محمد الساسي:

عبد العزيز كوكاس مبدع قبل أن يكون صحافيا وظل يمارس الكتابة الصحافية بنفس إبداعي.. إنه قلم جيد، صحافي ذكي، مرح، سديد، لمّاح، منصت ومتتبع جيد لما يحدث، وملم بكل تفاصيل الحياة السياسية، حاضر باستمرار بكتاباته، وتحليلاته الصحافية العميقة ظلت سندا للسياسيين في فهم مجريات الحياة السياسية.. عندما تقرأ كتابات الأستاذ كوكاس الصحافية تحس أنها تجمع ما بين الإشراق الإبداعي والمتابعة الدقيقة للأخبار وتحليل الوقائع.

عبد القادر الشاوي:

لم أقرأ لكوكاس على امتداد عقدين من الزمن إلا ما صدر عنه، كتابة في غالب الأحيان، في صيغة تأملات فكرية مثمرة زَادُها المعرفة الجادة: إن كان الموضوع سياسيا تغلب عليه بالأسئلة والتقليب على الوجوه الممكنة، أو كان حدثا اجتماعيا أو ثقافيا بسط دوافعه وأحاط بمراميه، أو جدالا يتعلق بالقضايا الراهنة عرض لها بالحجج المنطقية وأقام من حولها البراهين.  فهو، على هذا الأساس، دائم البحث عن العلل المنطقية المقنعة التي تسوغ القول الهادف.

وأدركتُ أنه لا يسابق الأحداث بل يتعقبها بالتحليل، وإذا استشهد بالأقوال الدالة فهو لا يفعل ذلك إلا ليؤكد رأيا استنتجه من خلال البحث.. ثم يتجلى في كتابة هادئة تحتفل بالمعنى أكثر من احتفالها بالعرض، وبالسياق في محتواه أقوى من اهتمامها بالمواقف في ظرفيتها.

زهرة العسلي:

كوكاس مشاكس دوما، كتاباته الصحافية تقيم على حافة فخاخ الخطر، إذ ظل ينتصر إلى قيم الحرية والديمقراطية.. زاوج في كتاباته الصحافية بين المتعة والفائدة في آن، ونجح في إنقاذ اللغة الصحافية من بلادة اليومي وسطوة العابر، حيث منحها قدرا غير يسير من الخيال الإبداعي.. لقد كان يهرب أحلامه ومشاريعه الأدبية دوما إلى مساحة شاسعة من القراء بعد أن ابتلعته دروب الصحافة.. فقدنا في كوكاس غزارة إنتاج أدبي جميل، لكنه عوضنا بكتابة صحافية مبدعة حقا..

قالوا عن ذاكرة الغياب:

“هذه الرواية مبهرة، وجدت نفسي أمام نص سردي بلغة شعرية منفلتة، يتقصّد الحكي الذي يرصد مواجعنا، يقول آمالنا وآلامنا، لم تكن “ذاكرة الغياب”، بقدر ما هي ذاكرة الحضور أيضا، آلمني قتل البطل الجريح صالح، لأن بعده لن يأتي إلا الطالح والغث، ولو أن الكاتب ترك نطفة منه في رحم مليكة النشيد”

عبد الجبار السحيمي

“جسدت رواية “ذاكرة الغياب” نمط الكتابة المغايرة، كتابة جيل جديد آخذة في النمو، تحتفي بذاتها كما احتفى صالح بظله، وتتمرد عليها كما تمرد هذا على ذاك،كتابة تبوح بالسر وتفشيه.. كتابة مضللة ومفارقة في آن”

إبراهيم العمري

“تقوم الصلة الجمالية للسارد بالجسد الأنثوي في صورة فردية تؤهله لإنتاج معرفة خاصة، فيما أن هذا الجسد أصبح الملاذ الوحيد في “ذاكرة الغياب”، فإن مقومات الجمال فيه ستطفو لتغطي بشاعة الواقع وفقاعاته، إنه عالم مواز يتسع لأحلام السارد”

أحمد لطف الله

“لهذه الرواية لغة لافتة بالنظر إلى طابعها الشاعري وقدرتها التصويرية الباهرة، فهي في توغلاتها الوصفية وتدفق مستويات تشخيصها الأدبي لفضاءات مختلفة تتوزع بين طبوغرافية القرية، وطقوس المقهى، أو السوق، أو السجن… كثيرا ما تدرك مدارج لغوية باذخة التصوير”

محمد أمنصور

“ذاكرة الغياب هي ذاكرة الجسد كأرشيف تاريخي، كل شيء منقوش عليه، كما أنه جسد للبوح ونافذة على الغياب، وبذلك يبدو الجسد في رواية ذاكرة الغياب فاعلا ومنفعلا” بوشعيب الساوري

“رواية “ذاكرة الغياب” هي سمفونية الذات والعشق، تجربة إبداعية تثير الجدل والتساؤل حول البوح والعشق والرحيل، خرجت عن أسرار السائد والكائن واتجهت إلى آفاق مغايرة تمتلك قدرا هائلا من الوهج والمشاغبة، والعذاب والغياب”

سميرة مترجي

القيمة الكبرى ل”ذاكرة الغياب”، تتجلى في اللغة التي كُتبت بها وكذا في بنائها وقدرة الكاتب على رصد تفاصيل دقيقة لشخصية صالح البشير وتتبعها في كل مراحل حياتها وتكوينها، وتوظيف كل ذلك لتمرير خطاب على لسان شخوصها يدين السياسة التي حكمت المغرب منذ فجر الاستقلال”

أحمد لكبيري

خاتمة:

عبد العزيز كوكاس أيقونة من أيقونات الصحافة والأدب والعلم بالوطن العربي. أدام الله ألق ريشته وبهاء كلمته. أتمنى له من كل قلبي التوفيق والنجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق