سياسة

نحو قراءة جديدة لثورة ديسمبر المجيدة:

لجان المقاومة: تجليات استكمال الاستقلال وميلاد المواطن الجديد الأصيل (1-3)

دكتور عبد الله الفكي البشير – خبير سياسي وباحث

تحاول هذه الورقة عبر سلسلة مقالات، وهي طرف من كتاب قادم، تقديم رؤية جديدة للتعاطي مع لجان المقاومة، شوكة الثورة وقادتها، وحملة مشعل التحرير والتغيير، وقادة سودان المستقبل. وتأتي الورقة وفاءً لشهيدات وشهداء ثورة ديسمبر السودانية المجيدة، ومؤازرة لكل اللائي تأذين، والذين تأذوا في سبيل الحرية وكرامة الإنسان، من أعداء التغيير؛ من أصحاب الامتيازات والمستبدين والمقيمين في الماضي. وتصب كذلك في الواجب الثقافي والوطني والأخلاقي الذي يستدعي أرواح الشهداء، ويستحضر قيم الثورة. وتسعى إلى الإسهام في الوعي بالراهن، عبر العمل على عقلنة الثورة، من خلال البحث عن النسب الفكري والسياسي للجان المقاومة، ما هي لجان المقاومة؟ وماذا تمثل؟ كما تسعى إلى فكرنة سردية لجان المقاومة وتحريرها من تصورات الإرث السياسي وتأصيل نسبها في الذاتية السودانية، فضلاً عن موضعتها في الخارطة الفكرية والسياسية، باعتبارها فاعلاً جديداً في السياسية السودانية. وتزعم الورقة بأن هذا الفاعل الجديد “المارد العنيد”، أنتج واقعاً فاق تصورات الأحزاب السودانية، وتجاوز السقف المعرفي للسياسيين السودانيين، وظل مُهمِلاً للمبادرات القادمة من الإرث السياسي البالي، وعصياً على الاحتواء المحلي والإقليمي، ورافضاً للمساومات والتعاطي بالأساليب القديمة. ومع هذا أصبحت حيرة الجميع، من أصحاب المصلحة والمصالح، محلياً وإقليمياً، تتسع وتتفاقم مع صباح كل يوم جديد، أمام مارد صعب المراس، قوي الشَّكيمة، “كأن الطود الأشم والعيلم المسجور”.

الواقع الجديد والتعاطي بالأساليب البالية

لقد تعاطي جل السياسيين والمثقفين والوسطاء الإقليميين والدوليين مع لجان المقاومة بما ألفه الناس في السودان ومحيطه، بأنها لجان تقود احتجاجات تسعى لاسترداد السلطة، وبمجرد سقوط النظام، يمكن الجلوس للتفاوض، ومن ثم الوصول لتسوية سياسية. وبناءً على هذا التفسير ذهب هؤلاء السياسيين والمثقفين والوسطاء إلى وضع المقترحات وتصميم المبادرات على ضوء إرث الدولة السودانية وتجاربها مع الحراك الثوري منذ استقلال السودان “الشكلي” عام 1956. تزعم هذه الورقة بأن مثل هذا التعاطي يُعبر عن تفكير فج، قوامه الجهل بتاريخ السودان ومكوناته، والضعف في الوعي بالذاتية السودانية، وينطلق من رؤية متواضعة وساذجة، ويُنبئ عن قصر نظر. وترى الورقة بأن التفكير السليم الذي يقود إلى التفسير الصحيح للجان المقاومة وفعلها الثوري الفريد والجديد، حسب علمي وتقديري، على أفريقيا والمحيط العربي، والعالم أجمع، حيث التضحية، والالتزام بالسلمية منذ اندلاع الثورة في 19 ديسمبر 2018 وحتى اليوم، والتمسك بوحدة السودان، والهتاف بشعار الثورة الأساسي: حرية، سلام وعدالة والثورة خيار الشعب، والوعي بوحدة المصير المشترك لشعوب السودان، وتجسيد قيم البناء الجماعي للوطن، والانضباط في توقيت المواكب، هو أننا أمام استعادة السودان وليس استرداد السلطة. استعادة السودان المُغيب والمُختطف والذي تم تكييف مساره عبر محطات استعمارية مختلفة، وبموجب سياسات ورؤى وطنية ظلت منحازة منذ الاستقلال ضد بعض الثقافات والجماعات. نحن أمام لحظة تحرير عظمى، نشهد فيها عبر لجان المقاومة الكشف عن طاقة السودان الضخمة، منذ قبل كوش، وتجسيد الذاتية السودانية، قبل تشويهها من قبل الاستعمار. لقد استدعت المرأة السودانية الكنداكة من جوف التاريخ السوداني، لتسعفها في النضال من أجل استرداد السودان، وبعث الذاتية السودانية. كذلك نحن لسنا أمام ثورة شعبية اندلعت لاجتثاث نظام سياسي، وإنما أمام بعث جديد للسودان الضخم العظيم بتجاربه التاريخية منذ قبل مينا، موحد الوجهين القبلي والبحري ومؤسس الأسرة الأولى من الممالك القديمة (2925 ق.م.-2775 ق.م.) تقريباً، وحتى اليوم. نحن أمام السودان الضخم، بمبادراته الخلاقة، عبر تاريخ طويل وحتى يوم الناس هذا. كذلك نحن أمام نقد عملي تقوده لجان المقاومة لإرث الدولة السودانية منذ قبل الاستقلال، وأمام نقد عملي، كذلك للمعرفة الاستعمارية في حقبة تاريخ السودان الحديث، والتي جمدت حركة التغيير فيه، وعلَّمت المثقفين الجدل ومنعتهم العمل، وغرست صفوية المزاج، وأفرغت النضال الوطني من شراكة الجماهير وحبسته العطاء في العمل الفوقي، وفصلت الطاقات الإبداعية عن الواقع. كما غيبت روح التضحية والاحتفاء بالخدمة الوطنية، وزرعت الانقسامات وسياسية الثنائية مثلاً، وغير ذلك، كما سيرد التفصيل والتأسيس العلمي لاحقاً. كل هذا يجد النقد العملي اليوم من لجان المقاومة.

إن النسب الفكري والسياسي للجان المقاومة، لا ينتهي عند الأحزاب السودانية، ولا ينتهي كذلك في إرث الدولة السودانية السياسي ومسارها منذ الاستقلال، وإنما ينتهي في محطات أبعد ذلك، ويجد جذره في نضال الشرفاء من الذين قتلوا، أو سجنوا، أو عذبوا في سبيل الحرية وإحداث التغيير الجذري والشامل. أولئك الشرفاء الأعزاء الذين استشهدوا في سبيل حب السودان، يقول الأستاذ محمود محمد طه “حب السودان من حب الله”. ويقول القائد جون قرنق: “السودان هو الذي يوحدنا”. إن الوفاء للشهداء والاحتفاء ببعث السودان عبر نضال لجان المقاومة، والحب للسودان يتطلب منا العمل، والعمل، ثم العمل، بتقديم الخدمة العلمية للثورة، ودعم مسارها، بترفيع مستوى الحوار الوطني.. وعبر هذه الخدمة العلمية تتم محاصرة الجهل والقديم، ويتم كذلك تراجع أنصاف المثقفين من أدعياء السياسة وأدعياء الوطنية، عن الصفوف الأمامية. كما تفرض الخدمة العلمية على القادمين بمؤهلات “الجربندية”، وأصحاب التكوين المعرفي الساذج والبسيط أن ينسحبوا من المشهد السياسي، بل قطعاً مع الحصار العلمي سيتبخروا وستتبخر أحلامهم ناحية السماء.

ستعالج هذه الورقة موضوعها من خلال التشخيص والتحليل باستدعاء التاريخ، واستصحاب الراهن وآمال المستقبل، حتى نفهم، ولأجل ذلك تهيكلت في المحاور الآتية:

• فكرنة سردية لجان المقاومة وتحريرها من التفسير القاصر وتصورات الإرث السياسي.

• استعادة السودان وليس استرداد السلطة: نحو إعادة تكييف الوطن عبر بعث الذاتية السودانية.

• تجليات استكمال الاستقلال والنقد العملي للإرث الاستعماري.

• ملامح المواطن الجديد الذي هو نواة السودان الجديد (المواطن هو الأصل).

• سودنة المرتكز الحضاري والمسار السياسي.

• أفكار قديمة وتاريخ جديد يكتبه ويمليه صانعوه.

• مرجعيات ومغذيات المناخ الثوري: استدعاء المبادرات الخلاقة والنماذج الإرشادية في النضال والسلمية واللا عنف.

• الهمس بتأثير بعض الأحزاب في لجان المقاومة.

• نحو علاقة صحيحة وصحية مع لجان المقاومة.

• اقتراح بحلين حل عاجل وحل آجل (بعث لبيان أصدره الأستاذ محمود محمد طه في 24 فبراير 1965).

• لجان المقاومة وسودان المستقبل: من القاعدة إلى القمة (مهدوا لهم السُبل لتولي قيادة السودان).

• معلم الشعوب وأرض الثورات: نحو درس جديد لشعوب العالم في نموذج القيادة الشبابية للدولة.

سيتم التناول لكل محور من هذه المحاور بصورة مجملة مع الإيجاز بما أمكن لذلك:

فكرنة سردية لجان المقاومة وتحريرها من التفسير القاصر وتصورات الإرث السياسي

غنى عن القول إن ثورة ديسمبر المجيدة هي نتاج لتراكم أعمال ثورية عديدة ومتنوعة، وخلاصة لتضحيات كبيرة قدمها طلائع الشرفاء من السودانيين، في محطات مختلفة، وبأشكال متنوعة، عبر تاريخ السودان وحتى يوم الناس هذا. شارك في هذه الثورة الشباب والشيوخ والكهول ومختلف الأعمار والفئات الاجتماعية والخدمية. ولكن الحقيقة التي يجب علينا إدراكها هي أن لجان المقاومة تمثل نموذجاً جديداً في معاني الوطنية وفي الفعل الثوري والسياسي، لنقف جميعاً أمام فاعل سياسي جديد كلية على السودان، بل وعلى  العالم. إن ما تقوم به لجان المقاومة لهو فوق طاقة الأحزاب السودانية، ولا يسعفنا الإرث السياسي السوداني في تفسيره، ولابد من نظر جديد، كما دعا لذلك محمد عشري الصديق (1908-1972)، منذ قبل الاستقلال، وهو يتأمل ويتحدث عن شؤون السودان، ومتطلبات بناء الأمة السودانية.

إن النظر الجديد يتطلب منا العمل على عقلنة الثورة ومسارها، وفكرنة سردية لجان المقاومة، بإخراجها عبر العقل وقراءة التاريخ، من العاطفة السياسية والتحليل الساذج للراهن، حتى نلج المستقبل بالعلم وأداته، وهي العقل. يقول أرسطو إن الماضي لا يمكن أن يغيره أحد، لكن المستقبل حق لنا أن نبنيه، ويمكن أن يتحقق هذا بأن نقيم اختياراتنا على أساس العقل. ويقول الأستاذ محمود محمد طه: “العقل هو القوة الدراكة فينا”. وكتب في كتابه: تعلموا كيف تصلون، (1972)، قائلاً: “العلمُ أداتُه العقلُ، والعملُ أداتُه الجسدُ”، ويقول كذلك: “كل مشوار لا يكمله العقل يتمه الجسد تعباً”. وحتى يكتمل فهمنا للجان المقاومة وتفسيرها كفاعل سياسي جديد، لابد من إزالة حجاب الجهل عن التاريخ، وقراءة تاريخ السودان حتى نفهم ويكتمل نضج نظرنا الجديد. يقول سيسرو Marcus Tullius Cicero (106 – 43 ق.م)، الخطيب الروماني المفوّه والفيلسوف، كما أورد حسني عايش: “أن تبقى جاهلاً بما حدث قبل ولادتك (أي بالتاريخ) يعني أن تبقى طفلاً في باقي الأيام بعدها”. وقراءة التاريخ لا تعني التعاطي مع التاريخ باعتباره دراسة الماضي، وإنما باعتباره أداة من أدوات التغيير.

وإذا ما استصحبنا كل ذلك في نظرنا الجديد، فإننا ندرك بأن لجان المقاومة، ليست هي لافتة أو جسم ليتدافع الناس على التفاوض معه واسترضائه، وإنما هي تجسيد لحلم كل ثائر أعدم أو سجن أو تأذى في سبيل التحرير والتغيير، وهي تعبير جماعي عن التوق للحرية والديمقراطية، وهي أمل التحرر من الإرث الاستعماري، وهي انعتاق عن الماضي والقديم. وهي خلاصة الدعوات لإحداث التغيير الشامل والجذري. ولهذا فإن الوعي بلجان المقاومة هو وعي بتاريخ السودان ومساره السياسي ووعي بمتطلبات سودان مستقبل.

لقد استدعت لجان المقاومة الذاكرة الثورية السودانية، وهي تبعث السودان بطاقته الحقيقية. ولهذا فإن لجان المقاومة لا تجد تأصيل نسبها الفكري والسياسي في الأحزاب السودانية ومسار الدولة السودانية منذ الاستقلال، وإنما في الذاتية السودانية التي تم تَكْييفُها وَاخْتِطافُها وَتَغْييبُها منذ قبل الاستقلال، في وجهة مناقضة لإرث السودان الحضاري ومصادمة لتكوينه الثقافي، ومناطحة لوجدانه وشعوره وسيرته التاريخية. إن لجان المقاومة ليست نضالاً من أجل استرداد السلطة وإنما حالة وعي شامل، وشراكة نضالية، تداعت لها شعوب السودان بمختلف ثقافاتها، وأديانها، وأعراقها، وألوانها، من أجل استعادة السودان.

استعادة السودان وليس استرداد السلطة: نحو إعادة تكييف الوطن عبر بعث الذاتية السودانية

إن المراقب والمتابع لأداء لجان المقاومة في نضالها الثوري، يدرك، خلافاً لما خلصت إليه الأحزاب السودانية والوسطاء والمثقفين، بأن هذا النضال ليس من أجل استرداد السلطة، وإنما من أجل استعادة السودان. إن نضال لجان المقاومة يجب أن يُفهم ويُفسر بأنه نضال من أجل استعادة السودان المُغيب والمُختطف. وبهذا التفسير والفهم نستطيع التعاطي مع لجان المقاومة باعتبارها وعياً بالذاتية السودانية، كما عمل من أجل ذلك، وعبر عن ذلك الكثير من المفكرين السودانيين، لاسيما عبد الخالق محجوب (1927- 1971) الذي قال حينما سأله جعفر النميري (1930- 2009)، رئيس السودان الأسبق (1969- 1985)، والذي أعدمه بعد ذلك، سأل النميري عبد الخالق، قائلاً: “ماذا فعلت للسودان؟”، رد عبد الخالق، قائلاً: “قليلاً من الوعي”. إن لجان المقاومة هي تجليات ذلك الوعي الذي قدمه عبد الخالق والكثير من المفكرين والمثقفين السودانيين. وعلينا كذلك أن ننظر إلى لجان المقاومة باعتبارها تجسيداً للذاتية السودانية، حيث أصايل الطبائع التي تحدث عنها الأستاذ محمود محمد طه في الكثير من كتاباته ومحاضراته. تجلت أصايل الطبايع لدى لجان المقاومة في ميادين الاعتصام وفي كل عملهم الثوري، فعلى سبيل المثال، لا الحصر، عندما طرحوا فكرة جمع الأموال، كان الشعار والمبدأ: “عندك خت/ ضع، ما عندك شيل/ خذ”، وهكذا. كتب الأستاذ محمود محمد طه في أكتوبر عام 1958، قائلاً: “الشعب السوداني شعب أصيل، وأريد بذلك أن الشعب السوداني سليم المعدن، فإذا أحسن صِقالَهُ ظَهَرَتْ نَفَاسته”. وكان محمود محمد طه قبل ذلك، وأثناء فترة اعتكافه بمدينة رفاعة (سبتمبر 1948- أكتوبر 1951)، بوسط السودان، قد كتب في صحيفة الشعب، في 27 يناير 1951، قائلاً: “أنا زعيمٌ بأنّ الإسلامَ هو قِبلةُ العالمِ منذُ اليوم وأنَّ القُرآنَ هو قانُونُه وأنَّ السُّودان إذ يُقدّم ذلك القانون في صورتِهِ العمليّة المُحقِّقَة للتّوفيقِ بينَ حاجةِ الجّماعةِ إلى الأمنِ وحاجةِ الفردِ إلى الحرّيّة الفرديّة المُطلقة هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب.. ولا يَهُولَنَّ أحداً هذا القول لكونِ السّودانِ جاهلاً خاملاً صغيراً فإنّ عنايةَ الله قد حفظِتْ على أهلِهِ من أصايِلِ الطّبائعِ ما سيجعلُهُم نقطةَ إلتقاءِ أسبابِ الأرضِ بأسبابِ السّماء”.

وتجلت الذاتية السودانية في بعث الكنداكة. لقد ظلت المرأة عنواناً لثورة ديسمبر المجيدة، بل يمكننا، من دون مبالغة، أن نطلق على هذه الثورة “ثورة المرأة”، باعتبار ما قدمته من عطاء وتضحية وحضور مستمر. فقد قدمت المرأة السودانية، في شراكة وطنية رائعة ضمن لجان المقاومة، أعظم نموذج إرشادي للثورة من أجل التغيير. تقدمت صفوف الحراك الثوري، وظلت مقيمة في الميادين العامة من أجل استمرار الثورة، وهي تستنهض الشباب والرجال. نتيجة لهذا الحضور القوي استطاعت المرأة السودانية، ليس استدعاء الإرث الثوري في أكتوبر 1964، وانتفاضة أبريل 1985، وطاقة التعدد الثقافي الذي ينعم به السودان، فحسب؛ وإنما استدعت إرثاً حضارياً يعود إلى آلاف السنين، حيث بعثت اسم الكنداكة وجسدته في أفق جديد. أخرجت المرأة السودانية بقوة عزيمتها واصرارها على الانتصار مفردة الكنداكة من جوف تاريخ السودان. إذ لم يكن هناك ما يضاهي ما قدمته المرأة السودانية من بذل وتضحية في الثورة، سوى دور الكنداكة ودلالاتها في معنى الصمود والاستعداد للمواجهة، وتحقيق الانتصار، في حقبة كوش Kush (750ق.م.- 350م). فالكنداكة هو لقب ملوكي يشير إلى “المرأة القوية” أو “الملكة العظيمة”، وأطلق على عدد من الملكات اثنتان منهن كانتا من أعظم ملكات كوش اللائي تميزن بالقوة والحنكة والصلابة والانتصار، وهما الملكة أماني ريناس (40 ق. م- 10 ق. م)، والملكة والحاكمة أماني شاخيتي (شاخيتو) (10 ق.م – 1م).

أستطاعت المرأة السودانية من خلال دورها في الثورة أن تحقق بعثاً حضارياً وثقافياً حرمت منه شعوب السودان وظلت منبتة عنه حتى اندلاع الثورة، فاستدعت فيما استدعت الكنداكة. وبهذا يمكن القول بأن المرأة السودانية نجحت في سودنة ثورة ديسمبر المجيدة، وتجذيرها في أعماق التاريخ السوداني. شاعت مفردة الكنداكة، بعد الثورة، في العالم، فاحتفى بها العالم أيما احتفاء، وهو احتفاء لا ينفصل عن الاحتفاء بثورة ديسمبر، الأمر الذي أعاد للمواطن السوداني بعضاً من كرامته في الشارع العالمي.

ولهذا علينا التواضع سياسياً أمام لجان المقاومة، وعلينا التعاطي معها ليس بإطلاق الأحكام، والتقييم الظالم، وإنما باعتبارها منجماً للإلهام، ومنبعاً للوعي بالذاتية السودانية، وتجسيداً لأصايل الطبايع السودانية، وهي الميدان لصياغة رؤية سودان المستقبل، حيث استكمال الاستقلال، والتحرر من الإرث الاستعماري، ومن الإرث السياسي للدولة السودانية، الذي هو نتيجة للمعرفة الاستعمارية.

ملاحظة: كانت نواة هذه المقالات محاضرة قدمها الكاتب بنفس العنوان مرتين بمنتدى الفكرة الجمهورية، وأدار الجلسة الأخ محمود الأمين عبد الغفار، والمحاضرة تتوفر فيديو على هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=CgmifWpwVLk

ويسعدني أن أتقدم بخالص الشكر لكل المتداخلين يوم تقديم المحاضرة، وللذين تواصلوا معي بعد ذلك وقدموا ملاحظاتهم وانطباعاتهم عن المحاضرة، وأخص بالشكر الصديقين الشاعر عفيف إسماعيل، والأستاذ ياسر عبيدي، فلقد عبَّر كل منهما كتابة عن انطباعاته وملاحظاته القيمة عن المحاضرة، وقد سعدت غاية السعادة بذلك. اقترح عفيف استخدام المواطن الأصيل، فأخذت بملاحظته ليصبح التعبير “ميلاد المواطن الجديد الأصيل”. كما اقترح استخدام سودان المستقبل بدلاً عن السودان الجديد حتى لا يحدث خلط مع أطروحات السودان الجديد. وقد توافق اقتراح عفيف هذا مع رؤيتي فقد درجت على استخدام سودان المستقبل منذ نحو عقد من الزمان، وقد جاء ذلك في كتابي: الفشل في إدارة التنوع الثقافي: حالة السودان، (2014). كما اقترح ياسر عبيدي استخدام السودان أرض الثورات إلى جانب تعبير الشعب السوداني معلم الشعوب الذي أطلقه بعض المثقفين اللبنانيين عندما اندلعت ثورة أكتوبر 1964، فأخذت باقتراحه، إلى جانب اقتراحات أخرى كانت مفيدة ومعينة. كما زودني ياسر بمسودة دراسة كان قد أعدها بالشراكة مع الأستاذ توحيد خميس تبيسة، بعنوان: ” فولكلور الثورة بين التطبيق والميلاد الجديد”.

نلتقي يوم الأحد القادم مع الحلقة الثانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق