ثقافة وفن

عرض وقراءة في نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه لكتاب (محمود محمد طه والمثقفون)

وتعقيب مؤلف الكتاب الدكتور عبد الله الفكي البشير عليه (12-18)

بقلم بدر موسى

القدَّال والحزب الجمهوري ونقاء السريرة وصفاء الطوية

تناول الدكتور عبدالله الفكي البشير نقطة أخرى أراها في غاية الأهمية. وهي أن حديث الدكتور محمد سعيد القدَّال عن نقاء سريرة وصفاء طوية، الجمهوريين، الذي وردت الإشارة له آنفاً، لم يكن يتعلق بالفترة بين عامي 1952- 1958، في تاريخ وسجل الحزب الجمهوري. وقد استندت البروفيسور فدوى على قول القدال هذا، وخاطبت به هذه الفترة، لتبرير خلو الأطروحة وعدم ذكرها للحزب الجمهوري، في حين أن موضوع الأطروحة وعنوانها هو: تاريخ الحركة السياسية السودانية. فالقدال لم يحدد فترة تاريخية بعينها حينما كتب عن نقاء السريرة وصفاء الطوية عند الجمهوريين، ولم يعب ذلك، وما كان له أن يعيبه. فقد كتب مشيراً للنقاء، قائلاً: “أول الأحزاب الداعية للاستقلال هو الحزب الجمهوري الذي أسسه الأستاذ محمود محمد طه عام 1945م. ونشر الحزب برنامجاً انتقد فيه التيارين الكبيرين لارتباطهما ببريطانيا ومصر ولانعدام المذهبية في عملهما، ودعا إلى…. قيام جمهورية سودانية…. فقد أخرج الحزب دعوة الاستقلال من محيط المناورات وطموح السيد عبدالرحمن، إلى نقاء العمل السياسي الحقيقي من أجل الاستقلال فألبسها دثاراً ناصعاً جعل منها دعوة يمكن أن تلهم جيلاً بأكمله. كما أخرج العمل السياسي من دائرة المناورات والتكتيك، إلى رحاب العمل الفكري القائم على البرنامج الملزم المحدد الجنبات والآفاق”. ومن الواضح الذي لا مراء فيه، أن هذا يفيد عمس ما ذهبت إليه البروفيسور فدوى، ولا يجوز لها أن تستند عليه وتبرر به ضآلة نشاطه السياسي خلال الفترة ما بين 1952- 1958، وهو الإطار الزمني للأطروحة المشار إليها.

ثم أضاف عبدالله يقول: (كذلك كتبت البروفيسور فدوى، قائلة: “إن أزمة الحزب الجمهوري، أنه قائم على نقاء السريرة وصفاء الطوية، دون أن يدرك أن ذلك النقاء وذلك الصفاء لابد لهما من مناورات وعمل تكتيكي”. ثم بناءً على ذلك، كتبت البروفيسور فدوى، وهي تتحدث عن طالبتها، قائلة: “وقد أبانت في دراسة موثقة جداً تلك التكتيكات والمناورات التي أشار إليها القدال، ولا توجد مناسبة للإشارة للأستاذ محمود أو كتبه أو كتب تلاميذه في قائمة المصادر والمراجع” (انتهى). وعلق عبدالله على هذا الزعم بقوله: (هنا أيضاً الأمر يحتاج من البروفيسور فدوى للمراجعة، والممارسة لبعض النقد الذاتي، فنقاء السريرة وصفاء الطوية لم يمنع الحزب الجمهوري من النشاط، كما اتضح لنا آنفاً، كما أن التكتيكات والمناورات التي ابانتها الطالبة في أطروحتها، لم تبنها بالمقارنة مع منشورات الحزب الجمهوري عن نقاء السريرة وصفاء الطوية.

ثم طرح عبدالله السؤال الأهم: (وبعد كل هذا، أين عدم الالتزام الأكاديمي والأخلاقي، الذي أشارت إليه البروفيسور فدوى، هل هو في كتاب: “الأستاذ محمود والمثقفون”، أم أنه تجلى بوضوح في إنتاج الأكاديميا السودانية وفي إرث مؤرخي الحركة الوطنية السودانية، ودارسي تاريخ السودان السياسي، وطرق تبريرهم للآراء؟)..

دراسة المغاير والخارج عن السائد

والمألوف أحق من دراسة المتشابه

وعقب عبدالله على قول البروفيسور فدوى: “وقبل ذلك لم يشارك الأستاذ محمود محمد طه في مؤتمر الخريجين الذي تأسس عام 1938 ولم يكن عضواً فيه ولا في لجانه”. شارحًا أن: (عدم المشاركة في مؤتمر الخريجين، موقف ومشاركة. وفي تقديري، هذا الموقف أحق بالدراسة من مواقف أولئك الذي كانوا جزءاً من مؤتمر الخريجين. خاصة وأن صاحب هذا الموقف، بيَّن لنا الأسباب وشرحها بتفصيل في بيانات عديدة. في يوم 9 نوفمبر 1945 أصدر الحزب الجمهوري كما ورد آنفاً، بياناً بعنوان: “موقف الحزب الجمهوري من المؤتمر ومن وثيقة الأحزاب المؤتلفة”، ونشر البيان في صحيفة النيل بتاريخ 22 نوفمبر 1945. (برغم أن الأستاذ محمود في مرحلة تأسيس مؤتمر الخريجين 1938، وهو في عطبرة غير اسم النادي من نادي السكة الحديد بعطبرة إلى نادي الخريجين، للتفاصيل أنظر محور: موقف الأستاذ محمود من مؤتمر الخريجين ضمن كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون). أوضح الحزب أسباب اختلافه مع مؤتمر الخريجين، وما معنى تسمية المؤتمر بمؤتمر الخريجين العام. وتناول البيان حق العضوية في المؤتمر، ولماذا لا يعمل الحزب الجمهوري سياسياً تحت لواء المؤتمر؟ وما هو الشرط الذي يتعاون بموجبه الحزب الجمهوري مع أي هيئة؟ …إلخ. وفي 17 مارس 1947 أصدر الحزب الجمهوري بياناً بعنوان: “إلى المؤتمر والأحزاب” تناول البيان قرار المؤتمر أو وثيقة الأحزاب قياساً بالفهم السياسي المستنير، وقال هما أسوأ دعاية للسياسي السوداني في فهمه لقضية بلاده. وأضاف البيان قائلاً: “قضيتنا قضية حرية ولا سبيل إلى كسبها إلا بإثارة الشعب حولها بالدعوة الجريئة السافرة وأول الخطوات لتوحيد البلاد بفتح الجنوب على مصراعيه – واستكراه الحكومة على احترام الحريات العامة – حرية الكتابة – وحرية الكلام وحرية التنقل (فعلا لا قولاً)… إلخ”. وأضاف: “نحن موقنون أنكم تطلبون الخير ولكنكم تجهلون أصل القضية ولهذا رأينا أن نتصدى لنصيحتكم إذ لو كنا نتهمكم بسوء القصد (الخيانة) لكان لنا معكم شأن آخر. وختم البيان قائلاً: “وليس الخائن لدينا من يفهم قصد السبيل ثم يحيد فقط وإنما الخائن أيضاً الجاهل الذي تأخذه العزة بالإثم وقد أعذر من أنذر”. وغير ذلك من البيانات والمقالات الكثيرة.

هذا في تقديري ما يجب أن يتناوله ويدرسه الطلاب بشأن مؤتمر الخريجين. المواقف المغايرة والخارجة عن السائد والمألوف التي تستحق الدراسة، لأنها تمكننا من أن نفهم ونفسر الوقائع والأحداث).

وعقب عبدالله على رد البروفيسور فدوى بخصوص ما ورد في كتاب الأستاذ محمود والمثقفون: “لقد درج الأستاذ محمود في مشاركاته بأن يعلن انسحابه متى ما تحقق الغرض الذي شارك من أجله في الحدث أو النشاط وذلك عندما انسحب من الجبهة الاستقلالية الأولى التي تكونت عام 1946 عقب بروتوكول صدقي – بيفن”، حيث كتبت البروفيسور فدوى في الرد على هذه النقطة قائلة: “لكن عندما  انسحب الأستاذ محمود من لجنة تعديل الدستور عام 1956 كان بسبب سقوط اقتراحه وعدم تحقق غرضه وليس بسبب تحقيق الهدف”.  فقال عبدالله: (في تقديري أن الأستاذ محمود بإعلان انسحابه من لجنة تعديل الدستور عام 1956 احتجاجاً على سقوط اقتراحه، استطاع أن يحقق غرضاً وهدفاً عابراً للمكان والزمان، لنأتي نحن لندرسه وننقب فيه. فقد ملكنا عبر ذلك الإعلان المسبب والموثق موقفاً يسعفنا في الفهم عندما ندرسه. فقد أعلن الأستاذ محمود عن انسحابه من اللجنة بخطاب، وكعادته في تمليك الرأي العام للحقائق، نشر خطابه في صحيفة الرأي العام بتاريخ 26 يناير 1957، وجاء فيه:

“حضرة السيد رئيس لجنة الدستور القومية، والسادة أعضاء اللجنة المحترمين.. تحية طيبة، وبعد: يؤسفنا أن نبلغكم انسحابنا من اللجنة القومية للدستور، وذلك لانهيار الأساس الذي قبلنا به الإشتراك فيها.. فقد جاءت فكرة تكوين هذه اللجنة عقب رغبة حقيقية أعلنها الرأي العام السوداني، كيما تساعد على إبراز الرأي المعبر عن مُثُل الشعب الإنسانية، ليصاغ منها دستوره، وقامت الحكومة بتنفيذ فكرة تكوين اللجنة باعتبار أنها أصلح من يقوم بمثل هذا العمل .. وما كنا لنبخس الحكومة حقها في شكرها على أدائها هذا العمل لو سارت فيه السير الصحيح.. ولكن مع الأسف كونت اللجنة بصورة يصدق عليها أن تعتبر لجنة حكومية، وليست قومية، فاستحلّت الحكومة لنفسها أن تعيّن رئيسها، وتعيّن أعضاءهاالمستقلين، حسبما يروقها، وهذه من أخص حقوق اللجنة التي ما كان للحكومة أن تتغوّل عليها.. وكان أملنا أن تسترد اللجنة حقوقها المسلوبة، ولكن اللجنةنفسها، خذلتنا عندما أسقطت الاقتراح الذي تقدمنا به في هذا الصدد فارتضت لنفسها بذلك وضعاً مهيناً، لا نشعر بالكرامة في قبوله، والاستمرار فيه.. وقد قال بعض أعضاء اللجنة، أن اللجنة عينتها الحكومة، وعينت لها اختصاصاتها، وليس من حق أعضائها أن يعيدوا النظر فيما حددته الحكومة، بل لايتورّع بعض الأعضاء من أن يعلن أن الدستور منحة تمنحها الحكومة للشعب التي هي ولية أمره، فيفصح بذلك عن كفرانه بالشعب أصل الدساتير، كل هذا يقال داخل اللجنة، واللجنة تقبله. وبذلك وضح أن الحكومة تريد أن تجعل هذه اللجنة مخلب قط في يدها وتتخذ منها أداة لعمل تلبسه ثوب القومية.. وإزاء كل هذا لا يسعنا إلا أن نعلن إنفصالنا من هذه اللجنة.. وختاماً تفضلوا بقبول فائق الاحترام،الحزب الجمهوري”.

والحق أن هذه المواقف هي التي تستحق الدراسة والبحث، عندما نتحدث عن مؤتمر الخريجين أو عن لجنة الدستور القومية 1956. ولكن دراساتنا الأكاديمية لا تنشغل بالمغاير والمختلف والخارج عن السائد والمألوف، وإنما تركن للمتشابه والمتسق والساير ضمن القطيع. وهذا ما يتطلب منا وقفة قوية ونقد شجاع.

سأواصل في الحلقة القادمة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق