ثقافة وفن

قصة من الواقع

" العسران " 

د. إسماعيل محمد النجار

الحلقة الأولى:

إسماعيل الفقيه من حراز عصفان، هاجر للسعودية عام 1980 ليبني الفترة الاولى من حياته، وجمع مبلغ خلال ثلاث سنوات وعاد وتزوج وأخذ زوجته لمدينة جدة في السعودية، أنجب ثلاثة اولاد وبنتان وتنقل في الاعمال كان آخرها حارسا لعمارة، اشتهر بتفانيه وامانته في العمل وساعده اولاده في المشاوير ومنفعة الساكنين في العمارة، اما زوجته وبناته فيعملن لدى العوائل الساكنة في العمارة.

درس اولاده للابتدائية او الاعدادية ويتركون الدراسة لمساعدة والدهم واذا كبر احد منهم يبحث عن عمل ليساعد والده، اما البنات عندما يكبرن يتم تزويجهن على احد اليمنيين المقيمين في المملكة، اصيب ولده الثاني محمد إسماعيل بحمى شوكية افقدته السمع ليصبح اصما وابكما، واستثني من التعليم والمساعدة في العمل، وعرف بذكائه الحاد وحساسيته وعصبيته المفرطتان نتيجة لعدم تكيفه واستيعاب عائلته لوضعه ، واجه مصاعب كثيرة في التفاهم مع والديه واخوانه و كذلك محيطه من الاطفال في العمارة، واتصفت طباعه بالمشاغبة والدخول مع إخوانه بمشاكل وعراك بشكل دائم، وفي كثير من الاحيان لجأت اسرته لاستخدام القوة معه ردا على عصبيته ، وخلقت لديه نزعة الانتقام فهو لا يتوانى في استخدام أي شيء للدفاع عن نفسه او الانتقام محدثا تكسيرا داخل المنزل من تلفزيون أو ثلاجة او غسالة وإصابات لإخوانه ووالدته و اولاد العمارة.

اشفق عليه احد الساكنين في العمارة ووعد اسماعيل الفقيه بإدخال محمد إسماعيل لجمعية الصم والبكم ليتعلم، و كانت فرحة محمد كبيرة ولا توصف عندما بدأ يتعلم لغة الصم والبكم وقلت مشاكله في المنزل والعمارة و الحارة ليدخل بمشاكل مع زملاؤه في الدراسة ومنها دخوله في عراك مع أحد الاولاد السعوديين و يكبره في العمر بسنتين انتهى بإصابة بالغة في احد العينين لزميله، و ما كان من دار الصم والبكم الا طرده، وتعرض والده لمشاكل حيث تم سجنه لفترة عشرة ايام حاول اصحاب الخير تحويله لدار اخر للصم والبكم و لكن والده رفض خوفا من المشاكل مما جعل محمد يعيش حالة من القهر، وزادت مشاكله و تعرض اخوانه وبعض الاطفال الساكنين في العمارة لإعتداءات جارحة، مما اضطر الاب و الام لمناقشة موضوع ترحيله لليمن وتركه ليلقى مصيره ، اقنع اسماعيل الفقيه وزوجته محمد بركوب الطائرة والانتقال لدار صم وبكم في مدينة اخرى من السعودية، وفرح محمد اسماعيل ليتعلم ويصبح سويا مثل اخوانه، ودفع والده ثمن تذكره الذهاب والاياب بينما محمد ذهاب فقط، وعند وصولهما لليمن توجه إسماعيل وولده محمد من مطار صنعاء لسوق الملح حيث ازدحام الناس، وطلب من محمد الانتظار لدقيقة وتركه بين الزحام منتظرا عودة والده بينما توجه والده على نفس الطائرة عائدا للسعودية، وعندما طال انتظار محمد لوالده بدأ يصرخ ويبكي ويستنجد بالأخرين ولم يعرفوا ماذا يريد وما المشكلة نتيجة صعوبة التفاهم معه، حاول ان يشرح لهم عن الطائرة ووصوله الى هنا مع ابيه وأخذ لقسم الشرطة ونشرت اعلانات تحمل صورته و تفيد انه اصم وابكم وضائع وعلى من يبحث عنه الاتصال بقسم شرطة باب اليمن او يتصل بأرقام تلفونات القسم، كان عمر محمد في تلك الفترة سبع سنوات، و مر اسبوع واصبح وضعه مؤلم لأصحاب القسم وتكفل احد ضباط القسم سعد ناجي المطري بأخذه للمنزل حتى يتضح مصيره .

وحرص عليه وكأنه أحد ابنائه يلازمه خلال فترة بقائه في القسم ويأخذه مساء لينام مع اولاده، و لم يتوقف محمد عن البكاء وزاد من بكائه  حزنه عندما عرف ان ابوه واسرته قد تخلوا عنه ليلقى مصيراً مجهولاً ، لم يفارق محمد اسماعيل سعد ناجي المطري لحظة من اللحظات وكان يمسك به كل ما يحاول الابتعاد عنه خوفا من تخليه عنه، واخذه سعد ناجي المطري وتبناه وبدأ يطبعه على الحياة مع الاسرة، وكان محمد اسماعيل يقف عند باب المنزل يودع سعد المطري ويدعو له: بابا ، ويمسح جزمته ويلبسه، واذا خرج دون ان يدرك يظل يبكي حتى عودته منتظرا في باب المنزل قبل ان يصل ليخلع له الجزمة ويقوده للداخل ليخلع له الطاقية العسكرية والجاكيت العسكري ويذهب مسرعا لزوجة سعد ليطلبها الماء لبابا سعد .

كان محمد سعد شديد التركيز والذكاء و ليس هناك من شاردة او واردة الا ويستوعبها و يحاول ان يتكيف معها، وابتعد عن العصبية، وعند وجود ما يغضبه او يؤثر على نفسيته يدخل الحمام ويغلق على نفسه ويبكي ثم يغسل وجهه ويخرج متظاهرا بعدم وجود أي شيء ، احب الجميع محمد وأصبح احد اولاد سعد و فكر بطريقة لإخراجه من محنته وتعليمه، و كلما حاولوا اخراجه من المنزل منفردا يبكي خائفا ان يتخلصوا منه كما فعل والده، لم يدخر محمد اسماعيل جهداً  للعمل و مساعدة والده سعد ووالدته و اولادهم في شئون البيت فهو يقوم بكثير من المهام مثل كنس البيت وباب الشارع و غسل الصحون والمساعدة في غسل الملابس حتى لا يكون عبئا عليهم ، حاول سعد واسرته منعه وابعاده عن العمل وبالذات الثقيل والمرهق لكنه رفض وركع على وجهه باكيا قائلا بلغة الإشارة: يكفي انكم حافظتوا علي و جعلتوني أحد ابنائكم ، قام سعد بزيارة مدرسة الصم والبكم التابعة للشئون الاجتماعية في صنعاء و هناك شرح لهم وضع محمد إسماعيل و تعاطفوا كثيرا معه وابدوا استعدادهم للتعاون، واتفقوا على برنامج لتأهيله يبدأ بزيارة احد المختصين لمنزل سعد ومقابلة محمد اسماعيل لخلق وسيلة للتواصل معه، واختيرت المختصة (أمة الخالق الزنينة) وبدأت بالتواصل مع العائلة عبر التلفون لتهيئة الاجواء للزيارة، واخبره اولاد سعد ان هناك امرأة تتكلم بلغة الصم والبكم وتريد زيارته، وعندما وصلت قامت الاسرة باستقبالها وضيافتها و على رأس المضيفين محمد اسماعيل، وبدأت تتفاهم معه ووجدت انه حاد الذكاء ويجيد ابجدية التحدث بلغة الصم والبكم، وتجاوب معها في الحديث، واول سؤال وجهه اليها: هل جئتي لتأخذيني من بابا سعد؟ فردت عليه: يا محمد تجمعني بالعائلة صداقة وجئت لزيارتهم و التعرف عليك، وطمأنته قائلةً : ان بابا سعد يحبك و لن يتخلى عنك و يريدك ان تتعلم لتستطيع التعامل والانسجام مع الاسرة ، سألها محمد: هل سأعود من المدرسة لمنزل بابا سعد؟ قالت: نعم يا محمد، وسيأخذك بابا سعد ويعيدك بسيارته يوميا، قال: على طول او لفترة ويتركني هناك؟ ردت: لا يا محمد بابا سعد لا يستطيع التخلي عنك فهو يحبك وكذلك ماما نجيبة و اخوانك، لم يكن محمد واثقا، وبعد الانتهاء من المقابلة ودعت أمة الخالق الزنينة نجيبة وسعد و الاولاد وطلبت منهم الاهتمام بمحمد وذكرت ان محمد طلب منها ان تقنعهم بعدم التخلي عنه وهو على استعداد ان يكون خادما لهم، ولكن نجيبة احتضنته وهو يبكي وطمأنته انه احد اولادها، و بعد خروج أمة الخالق الزنينة اتصلت بسعد لتخبره بتفاصيل الحديث الذي دار مع محمد وقالت وهي تعج بالبكاء: لم يؤثر علي موقف طيلة حياتي كتأثير محمد، فهو ولد  يتمتع بذكاء غير عادي ويفهم كل شخص لدرجة الحساسية والتوقع المفرط ويعيش عقدة خوف تركت فيه بفعل والده ، لقد عاش ظروفا قاسية و لم يستطع محيطه من والده ووالدته واخوانه والمجتمع معرفة حالته، والمدهش وعلى الرغم من صغر سنه فهمه لموضوعه تماما ويحاول التكيف وارضاءكم بقدر الامكان حتى لا تتخلوا عنه، لقد شرح لي وضعه في السعودية و كيف ادى ذلك لتخلي اقرب الناس له، وما يحزنه ويبكيه ان والديه والملاذ والملجأ له في أسوء الظروف و في هذه المرحلة من العمر تخلوا عنه للمجهول وخلق هذا حالة من عدم الثقة بالمجتمع، ويعتبركم الملجأ الاول والاخير لإنقاذه من هذا الوضع وإعادة الثقة له بمحيطه، واتفق الطرفان على التعاون لاخراجه من هذا الوضع وركزوا على ان علاقته القوية بسعد و تعليمه سيكونان الاساس لإخراجه من محنته ، استمر سعد وامة الخالق الزنينة بالجلوس المكثف لتهيئته للدراسة والثقة بتوجيهات اسرته الجديدة، زاد التعاون المشترك بين سعد وامة الخالق الزنينة من تعاطف اسرته الجديدة وخوفها عليه ومحاولة اخراجه من عقدته، وشكل وجود محمد اسماعيل مصدر للرزق الوفير لسعد و اسرته ، استعد محمد ووالده سعد وامه نجيبة و الاسرة بالاحتفال لذهابه لمدرسة الصم والبكم، واخذه سعد بسيارته و اعاده عند انتهاء الدوام على الرغم من وجود باص خاص لنقل الصم والبكم حتى لا يعتقد محمد ان بابا سعد يتخلى عنه تدريجيا، وبعد وثوق محمد ان الامر طبيعي بدأ يتحرج من نقله يوميا وطلب بإلحاح ان يقوم باص المركز بتوصيله على الرغم من ممانعة واصرار والده سعد، و ما يزيد سعادة سعد واسرته ان محمد توصل لقناعة ان التعليم هو الجسر الذي يوصله للنجاح ويبين لوالده ووالدته انه لم يضع وان الله عوضه  بابيه سعد واسرته الجديدة.

استمر محمد بالتعلم في مركز الصم والبكم وبشكل سريع فاق وتجاوز اقرانه لينال شهادة الابتدائية، وبعد ان كبر اصبح يتحرج من وجوده في البيت و استأذن  والده سعد الاقامة في سكن الصم والبكم و بشكل دائم ، حاول سعد و نجيبة والاولاد ثنيه واقناعه انهم لا يستطيعون العيش بدونه ولكنه تعفف ليتفقوا على اقامته معهم ايام العطل والاجازات وبعد تدخل الاخصائيين في المركز لاقناعه ، اكمل محمد دراسته الاعدادية والثانوية وحصل على المركز الاول للصم والبكم في جميع المراحل، وما ان تخرج حتى حصل على منحة دراسية جامعية للرياض ودرس علوم البرمجيات وحصل على المركز الاول في الكلية، وعرض عليه تعيينه معيدا في الكلية ومواصلة دراسته العليا، لكنه اعتذر حتى لا يعود لوالده واسرته وفضل الحياة بعيدا عنهم في اليمن، وخلال فترة الدراسة يزور ويقترب من العمارة التي يقيم فيها والده  ليتتبع اخبار اسرته عن بعد، وعرف خلال هذه الفترة ان احد اخوانه الثالث بالترتيب اصيب بحالة نفسية نتيجة تخلي والده ووالدته عنه وحزن عليه حزنا شديدا عندما عرف انه قد توفي نتيجة تعرضه لحادث صدام سيارة، اخبر بعض الساكنين والده  ووالدته انهم  لاحظوا شخص يشبه اخوانه اكثر من مرة بالقرب من العمارة وبمجرد رؤيتهم اسرع الخطى وابتعد عنهم و كانت حركته وجريه شبيهة بمحمد في صغره واكد على ذلك اخوانه، ولكن الاب استبعد ذلك واقنعهم انه يعيش في اليمن مع عمه ويتواصل معه بشكل دائم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق