سياسة

خارج المتاهة

«مرةً أخرى ... بعد إذن الثورة»

محمد عتيق

إذا كان حديث الهوية والإنتماء ليس من الأولويات الراهنة فإن العنصرية بأي شكل كانت هي من هموم وأولويات كل المراحل … العِرق والقبيلة والجهة هي العناصر الأولى الأساسية للعنصرية التي أطلق النظام الساقط أمامها العنان بسلوك ورؤى ومواقف قادتها  وبعثَها فِتَنَاً نائمةً هنا ومتفجرةً هناك ، نشهد نتائجها المدمرة الآن في النيل الأزرق وبعض المدن والمناطق الأخرى في البلاد ، ونجدها وقد استشرت في مفاصل مختلفة ..

غير أن هوية البلاد وانتماءها أيضاً تتم مناقشتها بأحكامٍ ومرجعيّاتٍ لا تصب في آخر الأمر إلا في الخانة العنصرية لتجري في أوردتها مجرى العرق والقبيلة والجهة ….       سؤال الهوية في السودان من الأسئلة المتفجرة في أذهان الكتاب وبعض المفكرين وتجري دوماً على أقلام بعضهم .. تجري على تلك الأقلام تنظيراً سهلاً ومتعجِّلاً ولكنها على حياة البسطاء تجري دماً وأشلاءاً وثأرات .. أوليس في الحديث عن أفريقية السودان وهيمنة العرب عليها أو عن عروبة السودان وترفُّعها (الأجوف) إثارةٌ للنعرات ؟ ناهيك عن الانحياز لأحدهما وازدراء الآخر ..

إذا أخذنا مواقف كتاب ومفكرين «سائدين» في هذا الجدال فإنها لن تخلو من كونها تأجيجٌ لصراعٍ  مُتَوَهَّمٍ بين مشاعر الناس ، رؤاهم وميولهم التلقائية.. أو هو – في أحسن الأحوال استعراضٌ لمعارفَ وقراءات يتمتع بها الكاتب المعيّن دون حسابٍ للنتائج والآثار : فهذا ، مثلاً ، يَتَوعّد «بالويل والثبور» كل من يقول ( بإنه عربي ) معلناً انحيازه لإثنيّته الخاصة مُؤَكِّداً على أنّ هوية السودان كله وبأهله هي هويّةٌ افريقية ..

   وآخر يصيح بنداء ارخميدس التاريخي ؛ (وجدتها وجدتها) ، ذلك أنه قد  وقع على بحث علمي (جوازاً) يثبت أن السودانيين في جيناتهم تعدُّدٌ مُرَكَّب وأخلاطٌ تَتَنوّع بنسبٍ متفاوتة ، وهو بذلك ينزع دثار الاستلاب القائم والأقنعة العروبية الكاذبة ويستعيد لهم آباءهم الحقيقيين ويسحبهم إلى أصلهم النوبي ، من الشخصية الزائفة المُستَلَبة المتهافتة على العرب والعروبة إلى أجدادهم الحقيقيين ؛ نعتذر لهم عن هروبنا منهم….الخ ثم الاعتداد بهم ..

    وثالثٌ يتحدث عن «السيرة السودانية المُفَخَّمة» (بغير حق) ناقداً ما يُعَدِّده السودانيون من أحداثٍ وقضايا خاضها السودان ومسؤولون سودانيون سابقون …الخ ، وأنه لا بد من خروج السودان من جامعة الدول العربية ( المشرقية المُهلكة المُدمِّرة وموضعة استراتيجيتنا في إطار القرن الإفريقي وشرق افريقيا ) لأننا ( تنكّبنا هذا الطريق المُنجي منذ أن اخترنا جامعة الدول العربية على كومنولث شرق افريقيا تحت العباءة البريطانية ) ..

هذه أمثلة من كتابات وأفكار  بعض المثقفين السودانيين ، وهي في البدءِ وفي الختام مواقف عنصرية ، وبالنتيجة ، إذ تزدري اثنيَّةً أو قوميةً وتُزكِّي أخرى ، قَصَدَ أصحابها ذلك أم لم يقصدوا .. هنالك خطأٌ شائع بين الكثيرين هو المساواة بين العروبة كمفهوم وكقومية وبين الانظمة  القائمة ، ويجعلون من حالة التخلف العميق السائد في المنطقة ، التخلف الذي يَسِم المواطنين عموماً بسمات الغطرسة والترفع الكاذب يجعلون منه مقياساً أو دليلاً على أن العرب يتعالون على السودانيين !! .. العروبة – في إعتقادي – بعيدةٌ تماماً عن العنصرية لأنها انتماءٌ ثقافي وحضاري في المقام الأول ، ولأنها ثانياً كأمة قد عانت في تاريخها من الاضطهاد والظلم والاستعمار الشئ الذي جعل نهوضها مقروناً برفض ذلك والنضال من أجل الحريات والمساواة والسعادة للجميع ، وبالتالي هي معادية بالضرورة والنتيجة للأنظمة العربية السائدة .. الاستهزاء بها وبمن يعتقد في الانتماء لها موقفٌ عنصريٌّ واستعلائي ، لأن الانتماء شعورٌ في المقام الأول وليس لأحدٍ أن يزدري شعور الآخر ..

الأفريقية و»الأفريقانية» – وبقدر ما هي تعبير عن رقعة جغرافية – إلّا أن الانتماء إليها له أبعاده الحضاريةوالنضالية  وإرثٌ طويلٌ من الاستعمار والاستعباد أيضاً ، ولا يمكن المساواة بين الافريقانية كانتماء وبين دول إفريقيا في بؤسها وأنظمتها الدكتاتورية الفاسدة ، تماماً كحال العروبة والأنظمةالعربية ..

الكثيرين من هؤلاء الكتاب والمفكرين المحترمين يعتقدون أن السودان «الذي يشعر بانتماء عربي» وكأنه المتسوِّل الذي يستجدي أنظمة الذل والهون العربية.. أبداً ؛ السودان ألذي يعتقد في العروبة – وبقدر أدبه وتواضعه – هو عزيز النفس ، مستقل الإرادة ، متحرر الرأي، لا يستجدي أحداً لأنه لا يخلط بين شعوره وبين الأنظمة الفاسدة السائدة ، ويعرف معنى الاستعمار لأنه يحمل في قلبه أبشع أنواعه – مما لم يحدث في التاريخ – : استعمار/استيطاني/ديني/عنصري وتوسعي يعتقد أن أرضه (من النيل إلى الفرات): «إسرائيل» ، الكيان الصهيوني ألذي أصبح الكفاح ضده – ولو بالموقف النظري كأضعف الإيمان – معياراً للوطنية واستواء الإنسانية في كل مكان كما كان بالأمس ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وفي ناميبيا والجزائر وفيتنام …الخ..الخ ..

لا يتأمَّلونَ في أنه لو لا أنّ العروبة قد أهدتنا لغةً ، كيف كُنّا سنتوحَّد كسودانيين ونحن قبائل عديدة لكُلٍّ لغتها ؟ .. العربية في الحد الأدنى قد وَحَّدتْنا ، ما الذي كان سيوحدنا لغوياً من بين مئات الألسن التي يعجُّ بها السودان ، وقد جاءتنا استجابةً بليغةً لقوانين التطور الحضاري ، صعوداً وهبوطاً ، مقترنةً بديانة سماوية ، اعتنقها أغلبنا ، من أكثر دعوات السماء والأرض حثَّاً على العلم والمعرفة وتمجيد ألإنسان ونصرة الضعيف – فرداً أو شعباً – ..

لماذا لا تستوي النظرة فندعو للهوية المزدوجة في السودان ليتعايش الجميع – بكافة مكونات السودان وإثنيَّاته – في هدوءٍ وتعاون على طريق النهوض وبناء دولة عصرية حديثة … لن نتوحد بالعروبة ولا بالافريقانية ولا بدينٍ واحد .. وحدتنا هي السودان والسودانوية ، وبعد ذلك ننظر في أبعادنا العربية والأفريقية كأبعادٍ وظيفية ..

ولنا عودة ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق