ثقافة وفن

الجوع الثقافي

ابتسام الهاشمي

واجه الإنسان على مر التاريخ، وما يزال، مجاعات كثيرة، تضعه، ككل مرة، صوب المرآة، متسائلا عن ماهيته (البداية، النهاية، الحياة، الموت)، هذه الثنائيات، رغم تناقضها، تعكس المعدن الإنساني للإنسان، في علاقاته مع الطبيعة، مع ذاته، مع الآخر، إنها مرآة  تكشف معدنه الأخلاقي؛ إذ إن أخطر مجاعة تهدد المجتمعات البشرية، ليست الجوع، أو الأوبئة، أو الطاعون ، بل الجهل الثقافي، مصدر جميع أنواع الأزمات في قديم الحضارات وحديثها، وآفة تولد الانشقاق والزعزعة الإنسانية بين المجتمعات. قد يعتقد البعض أن الحاجة الأساس للمرء في الحياة، هي حاجة لإشباع الرغبات  بتوفير بعض شروط العيش (الأكل، النوم..) ، إذا قرأنا ذلك من زاوية فرويد وفق مبدأ اللذة، سنحصر الإشباع بمنطق غرائزي حيواني، تحكمه رغبة جامحة تتطلب إشباعا فوريا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل تستقيم الحياة بالمأكل والنوم فحسب؟

إذ إن «الشّبع» أو «الإشباع»، ليس محكوما بغريزة معينة، ولا برغبة مؤقتة؛ ولكنه أسلوب حياة له استراتيجية ونظام بملامح خاصة. مرت الأمم من محطات جوهرية في تاريخها، واجهت فيها عدة مجاعات؛ جوع الحياة ، وجوع العزلة, جوع الخوف، وجوع للواقع, جوع للاستقرار, وجوع للروحانيات ، جوع للعلم ، جوع للقراءة…، شهدت فيها انبراء ثلة من رجالاتها لمقارعة الشدائد،  ونظم القرائح، وتصويبها نحو دينامية تعود بالنفع على المجتمع.  مع ذلك نتساءل عن استمرار بؤس العالم ؟ حتما، ليست المجتمعات بائسة بسبب الحظر أو بسبب الفيروس، أو بسبب الحروب المتتالية، لا، فخلف الشكوى رغبة في جلد الذات، فالبشرية متأزمة بسبب رؤيتها الضيقة لذاتها.

صرنا نشهد حاليًّا نوعاً من «العمى الثقافي  Cultural Racism » معه تُحجب الرؤية النقدية الموضوعية للواقع، ويتم إغفال العيوب، وهو ما ينتهي بتكرار نفس الأخطاء، وبالتالي استمرار شكوى الجوع الإنساني. يسأل عبد الله العروي: « كيف السبيل إلى معرفة ماهي الدولة الحديثة، لبنائها أو إعادة بنائها، إذا لم نسأل التاريخ» كيف يمكننا غرس  ثقافة « Enculturation» جديدة، ثقافة إثبات الذات، والبحث عن كل ما من شأنه دعمها، وتحفيزها، وإشباعها، وإثبات حضورها، دون أن تكون لنا رؤية ثقافية واضحة المعالم، باعتبارها سياسة فعالة وليس من حيث كونها نظرية مجردة، ولقد أثبتت الوقائع التاريخيّة أنّ النهضة الإنسانيّة، بتجلّياتها كافّة، لا تبرز إلى الوجود إلّا بعد أن يتعرض الإنسان قبلها لصفعة قوية، تنتهي بتغييرٍ جذري في بنية المجتمع، وركائزه السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافية، بشكلٍ يساعد على تصويب الاتّجاه نحو بناء الإنسان المتكامل.

ومثالنا المعاصر في ذلك، اختراع المجتمعات أساليب حربية جديدة، وفي تطبيق حلول مختلفة لمكافحة الأوبئة، إذ إن هذه الابتكارات توسع من فجوة التفاوت، خصوصا في المجالات العلمية، هذا التفاوت ليس اعتباطيا، ولا حصيلة فوارق اقتصادية، أو مسافات جغرافية؛ إنما هو نتيجة فوارق في النظم الثقافية وما يرتبط بها من أنظمة أخرى، ومن أجل هذا تباينت فاعلية الحلول التي نهجتها مجموعة من بلدان العالم، ففي البلدان الكبرى هناك تسابق لخلق الحلول، وفي بلدان العالم الثالث هناك ترقب للحلول ، في سياق هذا الانتظار، نجد أن أهمية الثقافة في حياة المجتمع تتجلى في صوتين كما حددهما «مالك بن نبي» قبل قرن من الزمن؛ «إما أن تؤثر بوصفها عوامل نهوض بالحياة الاجتماعية، وإما أن تؤثر على عكس ذلك بوصفها عوامل ممرضة، تجعل النمو الاجتماعي صعبا ومستحيلا.. »

   وجب أخد هذه التجارب الإنسانية بعين الاعتبار، وذلك، طبعا، لن يتحقق بلبس لباس الغربيين، وأكل مأكلهم، وتكلم لغاتهم، على حد تعبير حسن أوريد.  نريد إنسانا من نوع آخر، مشبعا ثقافيا، ذواقا لثقافات مختلفة، لأن الإنسان في تكوينه حصيلة مكونات متعددة، لذلك من البديهي ألا يشبعه غذاء واحد؛ إهمال الجوع يسبب الهلاك، و إشباعه بشكل زائد يحصل الملل ويظهر جوعا مناقضا له. فجوع التفاهة مثلاً إذا زاد عن حده يُظهر جوع التعقل، وجوع الخمول يظهر جوع الفطنة, وجوع القساوة  يُظهر جوع الشفقة, والجوع المادي يُعري الجوع الروحاني…

نخلص بهذا إلى أن الإنسان يحقق إشباعه بِبُعدين، خاص وعام؛ الأول، بعد خاص، يعزز فيه قدراته ومواهبه وإمكانياته الفردية، عبر مجوعة من التجارب الذاتية يساهم من خلالها في تأسيس منظومة القيم الاجتماعية، والبعد الثاني، عام يأتي في إطار التفاعل والاتصال الإيجابي مع الآخر (فردا، جماعة، ثقافة)وتحسين العلاقة به من خلال ثقافة التعاون، والتعاطف، والمشاركة. وهو ما يستوجب ثقافة حياة، و ثقافة حوار، وثقافة قراءة،  كغذاء أساسي، يشبع نهم الإنسان، ويوجه سفره إلى ذاته الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق