ثقافة وفن

الرمزية تطورات تعبيرية في تجربة التشكيلي كلود باك Claude Buck

بشرى بن فاطمة

يعد كلود باك (1890-1974) رائدا من رواد الحركة الرمزية والواقعية الحديثة في العالم تعلق بالرسم في سن الرابعة متأثرا بوالده الذي كان يقدم أعمالا فنية تجارية، في سن 14 التحق بالأكاديمية الوطنية للتصميم والفنون إلى أن تحصل على الديبلوم العالي للفنون، التحق بجامعة ميونيخ لاستكمال دراساته العليا ليعود إلى وطنه بفكر فني جديد وبأعمال شكلت رؤية حديثة في المحتوى والشكل ضاعفت من نشاطه وعروضه الفنية، قام بتدريس الفنون بشيكاغو ليعرف كرائد للرمزية الحديثة في الفن التشكيلي العالمي.

وتعتبر الحركة الرمزية في الفن تيارا غير واضح الأطر كبقية المذاهب فهو أشبه في توجهه بالمدرسة التعبيرية الحديثة غير أنه يتميز عنها بتقديم المحتوى على الشكل والاهتمام بالفكرة على حساب القواعد الأكاديمية في الرسم من خلال التأليف بين المحتوى والتجسيد الذي خلق تكاملا جماليا تمكن من  إظهار اللامرئي  بالبحث في معاني المرئي.

وقد كانت الرمزية بالنسبة للفنانين بحثا في الواقع عن منافذ الجمال الخفية والابتكار الفكري الوجودي في تفاصيل الأحاسيس التي تنبع من الذاكرة والخيال والأحلام لتخلق بديلا عن ذلك الواقع بوصفها تبتكر تعبيرا عن النظام الأبدي وتخلق انسجام الكون بمعالجة المحتوى بصيغ تشكيلية جمالية يمكن التفاعل معها عن طريق العواطف والوجدان.

فالرمزية هي انطلاق نحو تعبيرية محسوسة وموظّفة في قراءاتها النقديّة وتصوراتها الفهمية بدأت كردّة فعل على الواقعية حيث انتفضت على التصوّر المباشر والصور المُسقطة التي تنتسب للمظاهر والأفكار الأولية السطحية أو المثالية التي تتجاوزها الرموز لتتماهى مع الصور أبعد في شكلها وحقيقتها أعمق في التعبير عنها والانعكاس الحقيقي عليها ما خلق جماليات مُبهمة وعلامات تفسيرها حملت عدّة أبعاد ومعان منها المكان والانتماء والهوية والقضية والقيد والصراع الإيديولوجي والعقائدي والاجتماعي وهو ما فرض التأمل الباطني والغوص في عالم الأسطورة والانسان بمعتقده وفلسفته وخياله وانتمائه وتفاعله مع كل ذلك حسيّا وذهنيا.

إذ يعتبر الرمز العنصر الذي يحرّك الذهن نحو المخيّلة لتغوص به وتبتعد مع حدوده الخارقة لذلك ومهما كان الأسلوب المُعتَمَد للإنجاز الفني، فإن الرمز يبقى أساس الفكرة ومُحرّك المفهوم لأنه يقتفي آثار اللامرئي ويتّبع تلك الماورائيات لتصميم توليفاته الجمالية والحسيّة والفكرية.

وهو ما أثرى الرمزية منذ بدايات القرن التاسع عشر وحاد نحوها على حساب الانطباعية والواقعية وخطا معها خطواته نحو ابتكار منافذ التعبير الجدلية التي تطوّرت حسب المراحل التقنية وتطوّرها معه وتغيّرها بحسب الرموز الأساليب الفنية ما أفرز التجريد والسريالية والمفاهيمية.

وقد حاول كلود باك خلال مسيرته الفنية أن يعالج الرمز بكل تصوراته التي بحثت في الصورة وماورائياتها ، «عندما اكتشفت الخطوط عرفت طريق الرسم وعندما رسمت تعلمت كيف أصنع من الرمز لذة تراقص الذاكرة على إيقاع اللون»، صقلت هذه الأفكار مسار الرسام الأمريكي كلود باك الذي اتخذ من التيار الرمزي والواقعية الحديثة منهجا لإبداع أعماله العالمية مثل لوحة «القبلة»، «أم وابنها بجانب البركة» (مقتنيات متحف فرحات) أو لوحة «الرحيل» و»فينوس تعشق الجمال» و»الحصاد» وغيرها من الأعمال التي شكلت رؤية حميمة حاورت البصري في جدلية مع الرمزي بخلق فهم محتدم يعري الطبيعة ليتمسك بالمفهوم الخالد في الكون والحضور المثالي للذات في تعايشها مع الطبيعة فهو بهذه الرؤية الزاخرة بالرموز يعبر بالمشاهد نحو عمق المحتوى.

فقد مثلت المدرسة الرمزية ردة فعل ضد الحركة الطبيعية والحركات التي تحاكي الواقع المادي واليومي فهي ابتعاد عن التقليد المرئي والنقل المباشر وبحث يتعمق في الانطباع والإحساس العاكس للوعي بالحقائق الخارجية الذي يوحي بعالم مثالي يميزه التعبير عن الحالات النفسية والروحانية فاللوحة لا تبتكر لحد ذاتها لكنها تبتكر للأفكار التي تعبر عنها وما الطبيعة إلا منطلق نحو المحتوى الذي يقود إلى الحلم  حيث يقوم بتغليف الفكرة في المنجز  بشكل شعوري يفرز الرموز ويحركها بحيوية التفاعلات التي تساعد على كشف المعاني الخفية والتعبير عنها تشكيليا وقد اهتم رسامو هذه الحركة برموز الدين والميثيولوجيا والأساطير بالتصوير المثالي والمشاهد اللامنطقية التي تجرد الإنسان من المادية المفرطة.

وقد كان كلود باك في أعماله يتعامل مع الرموز التي يخزنها في ذاكرته والتي تختزل واقع طفولته ومعارفه وقراءاته وكل ما يميز عالمه الصاخب بالقصص التي تتشكل في مخيلته وتتبلور في طرح فني تشكيلي يمنح اللوحة فرصة التفاعل الشعوري والتأثر الحسي للوصول للمعنى الخفي وللحقيقة العالية فمن خلال الفكرة التي يختزنها ينطلق من الكلاسيكي إلى الحداثي من الشكل الجاهز نحو المحتوى المبتكر فهو يوظفها بما يليق وذائقته وخياله وحلمه وفكرته المحلقة في عوالم روحه ومن تلك الفوضى يرتب العلامات الرمزية ويتحول من اللافهم إلى الفهم ومن القراءة والسرد إلى التفاعل الحسي واللوني والتشكيلي، فقد اعتمد في لوحته على عدة عناصر مثل المرأة، الحلم، الزمن، الطبيعة، بتفعيل رمزي يغوص في غموض الوجود والكون من خلال العلاقات الحميمة والتفاعل الثقافي بين الشعر والموسيقى والألوان.

تأثر باك في أعماله الفنية المنجزة بالحركة الحديثة في الأدب والشعر والموسيقى، وبأعمال المستشرقين وثقافة الشرق وتعمق من خلالها في الرمزية التعبيرية، فقد كان من أشد المعجبين بالأديب الأمريكي «إيدغار ألان بو» الذي يعتبر من أبرز أدباء الحركة الرومنسية في الشعر والسرد اشتهرت قصصه بالغموض والإثارة وما يعبر عنه بالفن «القوطي» والرومنسية السوداء والشاعر والتشكيلي الانجليزي «ويليام بليك»  الذي حاكت أعماله الوجود حيث تميزت بحساسية عالية خلقت التجاوب العاطفي بين الانسان والطبيعة، فقد كان باك يستوحي رسوماته من أعمالهم الفنية ونصوصهم الشعرية ومقطوعات الموسيقى التي كانت تأخذ خياله إلى عوالم الميثيولوجيا والأسطورة والواقعية الكلاسيكية المفرطة والمثالية وتجسيدات الشكل العاري للانسان حيث يخضع تلك العناصر المرأة الرجل والطفل لعلاقة روحية مع الوجود والحياة والطبيعة والخصوبة والسرمدية التي يتخيل بها الحياة الأخرى.

في لوحات باك يقترن الرمز بالمعرفة الجمالية وبمدركات التذوق التي تخلق التفاعل بين المشاهد والفنان في علاقة بين المحسوس المنجز والمتخيل لأنه يعتقد أن المعرفة الجمالية التي يقدمها في لوحاته تتجاوز المعرفة العادية فهي مشفوعة بالرمز الذي يعني بالنسبة له الحضور الجمالي لقيم الفن.

تتمتع اللوحة عنده بحضور تمثيلي يخلق التأمل والتفاعل بين الشكل والمحتوى كصلة طبيعية ما يهب الرمز قيمة في الفهم الوجداني لأن الشكل والصورة في لوحاته تحوّل الادراك إلى فهم واع قادر على مسايرة الفكرة فإدراك المرئي يقود إلى فهم اللامرئي والبحث في خفاياه وفق الدلالات التي تقع على المحتوى بصريا لتحيل إلى التعمق في قراءة الظاهر والباطن داخل التركيب البنيوي للعمل الفني.

تتمازج الأقاصيص في لوحات باك الغارقة في حبكة مثيرة التفاصيل حيث ينسج فكرته بخياله ويضفي عليها سمة لامنطقية تداعب الوعي واللاوعي بين الحقيقة وغرابة الخيال المنبثق منها ليبعثر مرئياته ولامرئياته بحيث يصنع من الرمز لغة في إيماءات الشخوص التي تتماوج مع الطبيعة وتختلط في النكهات بين النار والماء والتراب والهواء فهو يفعّلها ويمنحها دورا تتقمصه  بالحدس المتاح من منافذ اللون المتراكم على الطبيعة مثلا في اشعاعات ضوء القمر أو انعكاساته على الماء ليخلق مسارات يتسع لها الخيال فيغوص في عمق المشهد وفي موازنات تخترق الهذيان الفني في الحلم المشتهى باندلاع حسي يبلور جوهر الفكرة المثالية.

في عمله «قبلة» تتكثف الرؤية لتندمج بين الحقيقة والخيال بين الضوء والعتمة السواء والبياض والمزيج الرمادي الذي يألف بين الجسدين في إحساس واحد يتراكم ويتصارع يتعاصف ويتوحد وينفصل ويلتحم كدلالات بصرية تحيل على التعايش البشري والإنساني على الصراع الطبيعي والحب الذي يتراتب في الخلود من خلال تباينات حسية صاخبة.

يخضع باك الأعمال إلى فضاءات رومنسية وروحانية من خلال طقوس الطبيعة الكاملة الهادئة التي تشبه الجنان في القصص الدينية في انسياب المياه وضياء القمر في الشخوص التي تتفاعل في اعتماد الرموز الأسطورية مثل «فينوس» و»نيبتون» في توظيف الجسد للدلالة على فكرة الحياة في الأنوثة الصارخة في الألوان وترتيب الأشكال في الإضاءة وتكامل انعكاساتها التي تخلق تلاوين تستعير مشهد اللوحات الكلاسيكية لتأخذ منها فكرة المثالية كرمزية تروض عين المشاهد ليغوص وينتشر في الإيحاءات الرمزية التي تكشف له المعاني المنفلتة من اللوحة بحيوية تميز الشخوص وتحاكي علاقاتها مع حركة التشكيل .

*الأعمال المرفقة:

مجموعة متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collection

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق