سياسة

العلاقات الدولية في الفكر السياسي الإسلامي..!!

إبراهيم ناصر الجرفي

بعد أن انتقل البشر من حياة التوحش والبداوة إلى حياة التمدن والتحضر ، تكونت المدن والحواضر وتشكلت الإمبراطوريات والممالك بحدودها الطبيعية والجغرافية وبعاداتها وتقاليدها ولغاتها المختلفة ، ونظراً لحاجة البشر لبعصهم البعض ، وعدم إمكانية حصرهم في حدود جغرافية معينة ، وضرورة تنقلهم من مكان إلى مكان لدواعي تجارية ومعرفية وثقافية وسياسية ، كل ذلك استدعى ضرورة إنشاء قوانين وأعراف وبروتوكولات  تحدد ماهية العلاقات بين الدول ، وقد تطورت الدراسات والأبحاث حول هذا الموضوع حتى أصبح علم مستقل بذاته وهو علم العلاقات الدولية وهو فرع من فروع العلوم السياسية..!!

وهذا العلم يهتم بتنظيم العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية بين الدول في السلم والحرب ، وقد كانت تقتصر العلاقات بين الدول في العصور القديمة على تبادل الرسائل عبر رسل يقومون بنقل الرسائل بين الملوك والأباطرة ، كما استخدم الحمام الزاجل لهذه المهمة ، وتطورت العلاقات الدولية ليصبح لكل دولة بعثة دبلوماسية دائمة في بقية الدول ، تقوم بالعديد من المهام والأنشطة على كل المستويات ، وفي مقدمتها رعاية مصالح دولتها ورعاياها في الدول الأخرى ، وتمثيل دولتها في مختلف المناسبات والمحافل ، وعقد الاتفاقيات الثنائية بين دولتها والدولة المضيفة في مختلف المجالات ، وتبادل وجهات النظر حول كل المواقف والقضايا على كل المستويات ، وبموجب القوانين الدولية يحظى العاملون في البعثات الدبلوماسية بالحصانة والحماية وكل التسهيلات التي تضمن نجاحهم في أعمالهم ومهامهم ، كل ذلك ساهم بشكل إيجابي في تطوير وتعزيز العلاقات الثنائية بين الدول ..!!

وللأسف كانت وما تزال حالة الحرب والتوتر والخلاف والتنافس السلبي هي السائدة في العلاقات بين الدول عبر التاريخ البشري ، ولا تحظى حالة السلام والوفاق والتعايش السلمي والتنافس الإيجابي إلا بفترات زمنية محدودة ، وذلك بسبب الأطماع السياسية والسلطوية التوسعية عند الكثير من قيادات الأنظمة السياسية حول العالم ، كل ذلك رغم أن التشريعات الدينية تدعوا إلى ضرورة إقامة علاقات ثنائية إيجابية وسلمية وتعاونية بين مختلف الأمم والدول ، ورغم أن كل القوانين الدولية تقوم على مبدأ الاحترام المتبادل بين الدول وعدم التدخل السلبي في شئون الدول الأخرى ، وعلى ضرورة تعزيز وتفعيل العلاقات في كل الجوانب الحياتية بين الدول ..!!

والمنهج الإسلامي كان له رأي واضح وصريح في هذا الخصوص ، قال تعالى (( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين )) ، والبر في الآية الكريمة هو الخير والقسط هو العدل ، وحتماً بأن أي علاقة تقوم على الخير والعدل هي علاقة إيجابية ومثالية ، سواء كانت على مستوى الأفراد أو المجتمعات أو الدول ، والفكر السياسي الإسلامي بذلك يتجاوز القوانين والأعراف الدولية التي تدعوا إلى إقامة علاقات ثنائية تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية ، فهو يدعوا إلى أن يكون الخير والعدل هو عنوان العلاقات بين الدول الاسلامية وبقية دول العالم المسالمة لها ، كما أن هذه الآية الكربمة وغيرها تؤكد بأن الأصل في علاقة الدول الإسلامية بغيرها من الدول هو السلام ، والدول الإسلامية بموجب ذلك مأمورة من ربها على التعايش السلمي والتعارف الإيجابي والتعاون المثمر مع دول العالم المسالمة في مختلف المجالات ..!!

وهذا الموقف الإسلامي الحضاري والسلمي الواضح والصريح فيما يتعلق بالعلاقات الثنائية مع بقية دول العالم المسالمة ، يتعارض تماماً مع كل الدعوات والفتاوى المتشددة والمتطرفة ، والتي تحث على العنف والكراهية والعداء للآخر ، جاعلة الدول الإسلامية في حالة حرب وصراع وعداء مستمر مع بقية الدول ، كونها تنظر إليها على أنها دار حرب ، دون تمييز بين الدول المسالمة وغيرها ، وهذه الدعوات والفتاوى المتشددة والمتطرفة هي من شجع الجماعات المتطرفة على القيام بعمليات إرهابية في الدول الأخرى مستهدفة بذلك الابرياء من النساء والأطفال والمدنيين ، لترسم بذلك صورة قاتمة ومشوهة عن الإسلام ، وذلك يتطلب من الباحثين والمفكرين المسلمين توضيح مثل هذه المغالطات والاجتهادات البشرية المتشددة المحسوبة على الإسلام رغم تعارضها مع روح الإسلام الحنيف الذي أرسله الله تعالى لغاية واحدة وهي الرحمة بالبشرية قال تعالى (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) ، والعمل على إظهار المبادئ الاسلامية الحضارية في مختلف مجالات الحياة ..!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق