ثقافة وفن

جرائم التراث ومسؤولية الموروث

د. مهند العزة

لا يكاد يخلو عدد من صحف العالم وصفحاته الإلكترونية من عبارات الإدانة والاشمئزاز من الجرائم التي ترتكبها عصبة «داعش» وعصاباتها في حق التراث الإنساني في الموصل والآن في تدمر سواء كان ذلك بتحطيم الآثار أو حرق الكتب والمخطوطات التي تروي قصة المحطم، وكأن هذه العصبة تقوم عن سابق إصرار بمحو ذاكرة التاريخ بشواهدها وشهودها.

جرائم «داعش» ومن قبلها طالبان ضد التراث الإنساني تلقي بعبء أخلاقي كبير على المسلمين «المعتدلين» حول العالم لأنهم مطالبون ليس فقط بالإدانة وإنما أيضاً بتبرئة الموروث الديني من ادعاءات هذه الحركات ذات الاتجاهات الأصولية بأن ما تقوم به يستند في جوهره إلى أدلة شرعية وممارسات تاريخية تؤيدها.

في كل مرة يقع المدافعون عن الموروث الديني من «المعتدلين» في الشَرَك عينه، فينكرون حجج الأصوليين إما بالتكذيب المطلق أو بالتشكيك في الفهم والتأويل والتأصيل. لا يكفي اتهام الخصم بالجهل والتضليل لهزيمته فكرياً وعقائدياً بل يلزم تحليل حججه وبيان بطلانها ثم الإتيان بما يضحدها من المصادر ذاتها التي يستقي منها تلكم الحجج.

ثمة حقيقة يستحيل تجاهلها وهي أن المنظّرين للاتجاهات الأصولية المتطرفة لديهم من العلم الشرعي والاطلاع على أمهات الكتب الدينية والتاريخية ما ليس لدى الكثير من خصومهم، مما يجعل هؤلاء الخصوم يلجؤون إلى ردات فعل تتسم بالعشوائية والخطابة الشعبوية التي تختزل عدم قدرتهم على المحاججة العلمية والمنهجية الرصينة في عبارات نمطية تصف الأصوليين بأنهم: «لا يمثلون الإسلام الصحيح… جهلة… ظلاميون».

المتابع للجدل الدائر بين كلا الاتجاهين في ما يخص إحياء التراث والآثار يجد أن «المعتدلين» يحاولون ضحد جملة من الأدلة الشرعية النصية والوقائع التاريخية التي يسوقها الأصوليون؛ من خلال أسلوب يمكن وصفه ب»الدفاع السلبي» الذي يعتمد على إنكار الدليل بحجة انتفاء تكرار الواقعة القائمة عليه، كما هو الحال في التساؤل المكرر «للمعتدلين» الذي يتلخص في عدم وقوع أفعال هدم وتدمير للآثار والتراث الثقافي في بعض الفترات التي ساد فيها حكم خلالها نظام إسلامي كان على رأسه أو من بين عناصره بعض الصحابة أو التابعين، وهو تساؤل معقول لولا تجاهله لقاعدة منطقية بسيطة في هذا المقام مقتضاها أن عدم القيام بالفعل من لدن بعض الصحابة لا يعني حرمته والعكس صحيح، أي  أن قيام البعض الآخر منهم به يعني جوازه، هذا فضلاً عن الردود التي يسوقها الأصوليون بل والمؤرخون، ومن أبرزها أن نجاة العديد من المعالم الأثرية من التدمير مرده؛ إما عدم اكتشافها إلا حديثاً وإما عدم القدرة على هدم وطمس ما كان مكتشفاً منها كما هو الحال في أهرامات مصر وإيوان كسرى وتماثيل بوذة التي هدمتها طالبان بالمتفجرات والمدافع التي لم تتوافر لأسلافهم وإلا لفعلوا.

جاء في مقدمة ابن خلدون ما نصه: «و انظر بالمشاهدة إيوان كسرى و ما اقتدر فيه الفرس حتى أنه عزم الرشيد على هدمه و تخريبه فتكاءد عنه و شرع فيه ثم أدركه العجز و قصة استشارته ليحيى بن خالد في شأنه معروفة فانظر كيف تقتدر دولة على بناء لا تستطيع أخرى على هدمه مع بون ما بين الهدم و البناء في السهولة».

وفي المقدمة ذاتها يقول المؤرخ الكبير في قصة إحراق مكتبة فارس عقب معركة القادسية: «إلا أن المسلمين لما افتتحوا بلاد فارس، و أصابوا من كتبهم وصحائف علومهم مما لا يأخذه الحصر و لما فتحت أرض فارس و وجدوا فيها كتبا كثيرة كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها و تنقيلها للمسلمين. فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء. فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه و إن يكن ضلالا فقد كفانا الله. فطرحوها في الماء أو في النار و ذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا».

نحن أمام حادثتين يرويهما ابن خلدون في مقدمته وفي كتابه الشهير «تاريخ ابن خلدون» المعنون ب»ديوان العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، وهما حادثتان رواهما مأرخون آخرون مثل «حاجي خليفة» الملقب ب»كاتب الجلبي» في كتابه «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون»، فكيف يتعاطى «المعتدلون» من المدافعين عن الموروث مع مثل هتين الحادثتين؟ إنه أسلوب «الدفاع السلبي» ذاته، فبعضهم يستشهد بعدم مساس عمر بن العاص بالأهرامات في مصر عقب دخول المسلمين لها، في حين يلجأ البعض الآخر لتكذيب الروايات دون تحليل علمي لها، ولا يجد البعض الثالث سبيلاً سوى التسليم بصحة الروايات مع التأكيد أن من قام بذلك ليس معصوماً وفعله ليس حجةً علينا.

لا يلبث أسلوب «الدفاع السلبي» أن يترنح أمام ردود أصحاب الاتجاه الأصولي المناهض لتراث والحضارات حينما يسوقون نصوصاً من صحيح السنة تعضد ممارساتهم وعلى رأسها حديث ابن عمر الذي رواه الشيخان «البخاري ومسلم» ونصه: «لما مر النبي – صلى الله عليه وسلم بالحجر قال لاتدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي»، وحديث أبي هياج الأسدي وهو من الثقاة كما تروي كتب الرجال حيث روى عنه مسلم في صحيحه ما نصه: «عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ : قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : أَلَا أَبْعَثُكَ  عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ( أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ)».

يزيد من صعوبة الموقف وجود فتاوى شرعية من رموز معتبرة ومرجعيات دينية كبيرة، ومن ذلك فتوة الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز مفتي السعودية والرئيس هيئة كبار علمائها السابق والمنشورة على موقعه الرسمي بعنوان: «حكم الإسلام في إحياء الآثار»، وفتوة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء في السعودية والمنشورة أيضاً على موقعه الرسمي بعنوان: «حكم إحياء الآثار وأمور الجاهلية وشخصياتها»، ورأي الشيخ المصري الراحل أحمد شاكر في تعليقه على كتاب مسند الإمام أحمد، إذ  لم يكتفِ هؤلاء العلماء ببيان الرأي الشرعي بتحريم إحياء الآثار أو الإعجاب بها ووجوب إزالة التماثيل والآثار «الوثنية» بل وجّهوا سهام النقد اللاذع والاتهام ب»الضلالة» لكل من يدعو ويشجع على المحافظة على الإرث الأثري للحضارات السابقة ولاستثمار في ذلك لأن العائد منه يعتبر مالاً «حراما» لا يجوز الإنفاق منه على المسلمين.

كل ما يبقى «للمعتدلين» المدافعين عن الموروث في وجه أعداء إحياء التراث والحفاظ على الآثار، الاحتجاج بالآيات القرآنية الحاضة على «السير في الأرض» و «النظر في سنن الأولين». قد يستغرب البعض من حقيقة أن هذه الآيات كما فسرها القرطبي وابن كثير وغيرهما تبدو حجةً لأصحاب الاتجاه الأصولي وليست عليهم، إذ يكاد يجمع المفسرون المعتبرون أن النظر في سنن الأمم الخالية ينبغي أن يكون مبعثه العظة والخوف مما حلّ في ديارهم من خراب وليس تعظيم حضاراتهم وإنجازاتهم، وهذا يعني أن السياحة بمفهومها الراهن والاعتزاز بالتراث وشواهده يعد أمراً غير جائز شرعا من وجهة نظر هؤلاء.

يؤسس حديث «الركاز» الخمس الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما لثقافة لا ترى في الدفائن الأثرية سوى قيمةً  ماليةً، حيث يشير هذا الحديث إلى أن مِلكية أي قطعة أثرية تعود للشخص صاحب الأرض الذي عثر عليها وله الاتجار فيها وهذا رأي الجمهور وما عليه عموم الفتوى من المتقدمين والمتأخرين مع اختلاف في ما بين بعضهم حول وجوب الزكاة من عدمه عنها، ولا يجد المخالفون لهذا الدليل القطعي من «المعتدلين» مناصاً إلا بعدم إجازة ذلك استناداً لكونه يخالف قوانين الدولة التي تحفظ مصلحة الوطن والمواطن، إذن مرةً أخرى نحن بصدد أصل شرعي في مواجهة «دفاع سلبي» يثبت الأصل ولكنه يتنصل منه.

إذا أراد المسلمون «المعتدلون» أن يكسبوا معركة الدفاع عن التراث والحضارة؛ فعليهم بدايةً أن يتصالحوا مع أنفسهم كما تصالح معها الأصوليون، فالأصوليون لا يخجلون من بيان معتقدهم القاضي بتحريم إحياء الآثار وزيارتها للسياحة بل وتسليمهم بضرورة «طمس» التماثيل وتسوية القبور بالأرض، هذا فضلاً عن تجويز الاتجار بالدفائن الأثرية وبيعها أو الاحتفاظ بها، هكذا يعتقدون وهكذا يصدقون ثم يدافعون ولا يشعرون بأن هذا أمر يجب إخفاؤه، أما الممتعضون من هذا الاتجاه فإنهم ينطلقون من التسليم بالموروث ذاته الذي ينطلق منه خصومهم ولكنهم يحاولون تحييده أو تأويله من منظور شخصي قوامه التمني والهروب إلى ما كان ينبغي أن يكون بدلاً من القراءة النقدية لما هو كائن.

أختتم مبتدئاً بنفسي وأقول: إنني أسلّم بصحة الأدلة الشرعية التي يسوقها أصحاب الاتجاه الأصولي المناهض لإحياء التراث والآثار ولكنني أرفض الاستسلام لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق