ثقافة وفن

قراءة في ديوان «كأني أطير بلا موعد في الفراغ»

عبد النبي بزاز ــ المغرب

تزخر المجموعة الشعرية «كأني أطير بلا موعد في الفراغ » للشاعر المغربي محمد شيكي بزخم معجمي وإيقاعي ودلالي موسوم بتعدد وتنوع صادر عن رؤية إبداعية وجمالية تروم التأسيس لفعل شعري يجترح عوالم ترشح جدة وطرافة ، متوسلة بعُدَّة الخلق ، وحس الابتكار.

فنصوص المجموعة تعج بصور شعرية غنية بأبعادها الجمالية المختزلة لأنماط بلاغية تقوم على تجريب يتغيى إرساء إرهاصات تجديد يرسم مسلكيات مشرعة على البحث والمساءلة والاستكشاف عبر صور تنأى عن النمطية والتكرار باختراق سديم المأثور الشعري ، وخلخلة ثوابته  ومواضعاته : « عجبا ، أرى أني أغربل بالغناء شرودها « ص 18 ، ممعنة في الغوص داخل امتدادات لاجتراح المستعصي ، والقبض على الزئبقي المنفلت : « أسوي رتاج الهوى في رحيق الرجال « ص 74 ، فاتحة أفقا لا محدودا للبحث والاستقراء والاستجلاء.

وتتضمن النصوص رؤى قيمية وكونية تشرعها على قضايا قومية وإنسانية كما في نص « عطش بارد » «: دم عربي مسفوح بحجم البحر … ولا تسأل كيف عواصفنا سقطت … سكتت» ص 64 ، ما تفتأ تنكأ جروح المعاناة ، وتسوخ في أغوارها الحبلى بألوان الجور والضيم : « طفل بكى من رهيب الرصاص وشيخ جثا بين جثته يحنطها في تابوت الرحيل… « ص 32، فآلة تنكيل  المستعمِر الغاشم  لا تميز بين  طفل بريء ولا شيخ مسن متمادية في سلوكها العدواني الأرعن المجبول على  التقتيل، وسفك الدماء .

وتحضر في ثنايا الديوان عناصر طبيعية من قبيل السماء ، والريح ،والماء ، والصخر ، والرعد ، والنجوم ، والغيوم : « يا مرايا الجُمَل اِعصري الصخر  كي ماؤها  ينبجس من جنوب السماء… كنت أرعى النجوم ، وأناجي الغيوم ، أنتشي بالسحاب « ص 46  ببهائها وألقها ورهبتها ، بنواميسها الخارقة ، وتجلياتها الباهرة التي تمنح النصوص نفسا يساهم في انفتاحها على فضاءات لا نهائية الحدود ، هلامية الأشكال ، وضفاف موغلة في نأي محفوف بهالات تجللها هيولى رغبة يكتنفها التوجس ، وتطوقها الريبة.

فالقصائد في تشكلاتها وإيقاعاتها وتيماتها ترسم مسلكيات تزخر بوفرة نوعية على مستوى الأعلام ( يوسف ، هولاكو ، السندباد ، القسام ، المعري ، هيمنجواي … ) وما يجسدونه من رمزية ذات حمولات تاريخية ،وعقدية ، ومعرفية  ، وإبداعية ، وأسطورية . أعلام طبعوا منظومة حياة حبلى بالمفارقات على العديد من المستويات حيث تجاور الجور الإمبريالي العنصري ( هولاكو ، إسرائيل ) بالمعرفي الإبداعي ( المعري ، هيمنجواي )، بالأسطوري ( السندباد ) ، بالعقائدي ( يوسف) فتم توظيف أسماء ، بأثالتها التاريخية ، وحمولاتها الرمزية ، في نسيج استعمال شعري منزاح عن أعراف التعابير المألوفة : « سأجلس كسرى إلى جانبي ، وأدعو المعري إلى رحلة يباب السحاب « ص 77، وتطويع استعصاء لقاء حميمي عبر مقامات تبحر في فتنة المتخيل ، وتمخر عباب المستبعَد  : « كيف يحدثني هيمنجواي عن أجراس حداثته « ص 64. كما تتضمن نصوص المجموعة موضوعات  متعددة ومتنوعة تتأرجح بين الإيحاء والبوح والرصد والكشف … داخل نسق تغلفه غلالات تنديد مبطن : « دم عربي مسفوح بحجم البحر ولا تسألوا عواصفنا سقطت … سكتت « ص 64. فهذه القومية المثلومة  بالأعطاب ، المنخورة بالاختلالات لها رموزها ورجالاتها الأفذاذ الذين يدونون ملامح بطولاتهم بجلد  وعزم وثبات : « اِشرب كي ينبت القسام في روح شهقتك الأخيرة» ص 56  ،وفي انتقال سلس من فلسطين المكلومة  للعراق المحاصرة : « وتحاصرون في العراق نخيله وصهيله « ص 46، فهذه القومية تملك حصانة خارقة للمقاومة والصمود والثبات مهما تعددت أساليب التنكيل ، وتنوعت آلياته وأشكاله : « تولد من قبضة العسس الملكي ومن يقظة المارد الدركي « ص 34 .  ولا تخلو القصائد من تيمات صوفية : « ألست المريد البليد ؟ « ص 30 ، طافحة بمكابدة روحية ، وارتقاء وجداني : « وكان يرى في كيمياء النبات هيولى التودد « ص 74 ، في تشوف عارم ، وتوق تؤججه رغبات مشبوبة  للاتحاد  والانصهار : « وأرهصت صبري ـ أنا ـ أرتجي لحظة الانصهار « ص 33.

ومن ميزات نصوص الديوان طابع التناغم والتكامل بين مكوناتها الدلالية والجمالية التي تغني تجربة الشاعر، وتسم نمطه الإبداعي بتطور مُطَّرد  يصعب مواكبة سيرورته ، والإحاطة بما تجترحه من أساليب خلق وابتكار في قراءة مقتضبة ومبتسرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق