ثقافة وفن

الموشحات الأندلسية

ندى موطى*

   الموشح أو التوشيح هو فن شعري مستحدث يختلف عن ضروب الشعر الغنائي العربي في أمور عدة، وذلك بالتزامه بقواعد معينة في التقنية وباستعماله اللهجة أو الدارجة أو الأعجمية في خرجته، ثم باتصاله القوي بالغناء ومن الملفت أن المصادر التي تناولت تاريخ الأدب العربي لم يقدم تعريفا شاملا للموشح، واكتفت بالإشارة إليه إشارة عابرة حتى أن البعض منها تحاشى تناوله معتذرا عن ذلك لأسباب مختلفة، فابن بسام الشنتريني لا يذكر عن هذا الفن إلا عبارات متناثرة أوردها في كتابه» الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» وأشار إلى أنه لن يتعرض للموشحات لأن أوزانها خارجة عن غرض الديوان، لا أكثر على غير أعاريض أشعار العرب أما ابن سناء الملك فيقول:» المرشح كلام منظوم على وزن مخصوص». حيث سمي بالموشح أو موشحا لأناقته وتنميقه تشبيها له بوشاح المرأة إن المرشحات الشعرية إنما سميت بذلك لأن تعدد قوافيها على نظام خاص جعل لها جرسا موسيقيا لذيذا وممتع بالاظافة إلى نغما مميزا حلوا تتقبله الأسماع وترتاح له النفوس، وقد قامت القوافي فيها مقام الترصيع بالجواهر واللآلئ في الوشح فلذلك أطلق عليها اسم الموشحات أي الأشعار المزينة بالقوافي والأجزاء الخاصة، ومفردها موشح ينظم فمعناها منظومة موشحة أي مزينة ولذا لا يقال قصيدة موشحة لأن لفظ القصيدة خاص بأشعار العرب المنظومة في البحور الستة عشر كما جاءت في علم العروض.

الموشحات الأندلسية نشأت في الأندلس أواخر القرن الثالث الهجري(التاسع الميلادي) في الفترة التي حكم فيها الأمير عبد الله بن محمد، وفي هذه السنين ازدهرت الموسيقى وشاع الغناء من جانب وقوى احتكاك العنصر العربي بالعنصر الإسباني من جانب آخر فكانت قد نشأت الموشحات استجابة لحاجة فنية مسلية أولا، ونتيجة لظاهرة إجتماعية ثانيا. أما كونها استجابة لحاجة فنية فبيانه ودليل على أن الأندلسيين كانوا قد أولعوا بالموسيقى وكلفوا بالغناء منذ أن قدم عليهم زرياب وأشاع وطبع فيهم فنه، والموسيقى والغناء إذا ازدهرا وكان لازدهارهما تأثير في الشعر وقد اتخذ هذا التأثير صورة خاصة في الحجاز والعراق حين تطور وظهر فيهما الغناء والموسيقى والطرب في العصر الأموي قم العباسي، وكذلك اتخذ هذا التأثير صورة مغايرة في الأندلس حين عرف فيها الفن الموسيقي في المدة أو الفترة التي نسوق عنها الحديث. فيظهر أن الأندلسيين أحسوا بتخلف القصيدة الموحدة إزاء الألحان المنوعة وشعروا بحمود الشعر في ماضيه التقليدي الصارم أمام النغم في حاضره التجديدي المرن. حيث أصبحت الحاجة ماسة إلى لون من الشعر الجديد يواكب الموسيقى والغناء في تنوعها واختلاف ألحانها ومن هنا ظهر هذا الفن الشعري الغنائي الذي تنوع فيه الأوزان وتعدد القوافي، والذي تعتبر الموسيقى أساسا من أسسه فهو ينظم ابتداء للتلحين والغناء، وأما كون نشأة الموشحات قد جاءت نتيجة لظاهرة اجتماعية وهذا ما يؤكد ويبين أن العرب امتزجوا بالإسبان وألفوا شعبا جديدا فيه عروبة وفيه إسبانية وكان من مظاهر هذا الامتزاج أن عرف الشعب الأندلسي العامية اللاتينية «رومانثي» كما عرف العامية العربية، أي أنه كان هناك ازدواج لغوي نتيجة للازدواج العنصري وكان لابد أن ينشأ أدب يمثل تلك الثنائية اللغوية فكانت الموشحات. فمن المقرر أن الموشحات كانت منذ نشأتها وبروزها إلى مابعد ذلك بقرون تنظم بالعربية الفصحى إلا الفقرة الأخيرة منها وهي الخرجة، كانت تعتمد على عامية الأندلس ومعروف أن تلك العامية كانت هي عامية العربية المستخدمة لألفاظ من عامية اللاتنية، وفي ذلك يقول ابن بسام في حديثه عن مخترع الموشحات( مقدم بن معافي القبري) إنه كان يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز ويصنع عليه الموشحة. فكأن الموشحات إذن لها جانبان: جانب موسيقي يتمثل في تنويع الوزن والقافية وهذا قد جاء استجابة لحاجة الأندلس الفنية حين شاعت الموسيقى والغناء، وجانب لغوي يتمثل في أن تكون الموشحة فصيحة في فقراتها العامية وفي خرجتها وهذا الجانب قد جاء نتيجة للثنائية اللغوية المسببة عن الثنائية العنصرية.

  يضم الموشح عادة ثلاثة أقسام دورين وخانة كل منها بلحن مختلف والختام بالخانة الأخيرة غالبا مايكون قمة اللحن من حيث الاتساع والتنويع مثلما في موشح لما بدا يتثنى وموشح ملا الكاسات، وقد لا تختلف الخانة الأخيرة ويظل اللحن نفسه في جميع مقاطعه كما في موشح يا شادى الألحان وقد تتعدد أجزاء الموشح لتضم أكثر من مقطع لكل منها شكل وترتيب وتتخذ تسميات مثل المذهب، الغصن، البيت، البدن، القفل والخرجة أما ابن سناء الملك فيقول:» الموشح كلام منظوم على وزن مخصوص وهو يتألف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات ويقال له التام وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات ويقال له الأقرع، فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات.» أما الموشحات فهي تتألف من اسماط( اقفال يقابلها الردة) ومن أبيات تتفرع إلى أغصان( أجزاء يقابلها دعامات) وهي كالآتي نذكر بعضها: هناك القفل أو الاسماط وهو بيت أو عدة أبيات من الشعر تبتدئ بها الموشحات في أغلب الأحيان وتتكرر قبل كل بيت منها، ويسمى القفل سمطا ويشترط في الاقفال التزام القافية والوزن والأجزاء وعدد الأبيات الشعرية… والبيت هو ما نظم بين القفلين من أبيات شعرية ويسمى الدور ويشتمل على أجزاء تسمى اغصانا بتعدد الأغراض والمذاهب، وقد يتألف البيت من جزأين أو ثلاثة أجزاء ومن شروط الأبيات ان تكون كلها متشابهة وزنا ونظاما وعدد أجزاء، وأما الروي فيحسن تنويعه ومن عادة الموشح أن يبدأ بقفل وينتهي بقفل يسمى بالتام وعادة يتردد ست مرات. ثم نجد الوزن من حيث الوزن يتبين أن الموشحات تستخدم نفس أسلوب الوزن السرياني وهذا الوزن يختلف عن أوزان الشعر العربي الخليلي ذات التفعيلة الواحدة، كما أن الشعر العربي لا يحتوي على دعامات متساوية كما سنجدها في الموشحات وذلك لتدوير الإيقاع بين التفعيلات في أوزان الخليل وهذا لا يجوز في الشعر السرياني وما لا نجده في الموشحات الأصلية. وأخيرا القافية فنجدها في المدارش أسوة بالموشح تختلف من مقطع لآخر وأحيانا تستعمل قافية موحدة في الدعامات الداخلية كما في موشحة أبي عبد الله محمد بن عبادة المعروف بابن قزاز:» بدرتم شمس ضحا غصن نقا  مسك شم ما اتم ما اوضحا ما اورقا. ما اتم لا حرم من لمحا قد عشقا.» قد حرم نجد أن المقطع يتكون من دعامتين ذات ثلاث وأربع حركات أي بمجموع سبع حركات وعلى وتيرة واحدة خالية من التدوير ذات قافية مقطعية.

*صحفية متدربة،

طالبة المعهد العالي للصحافة والإعلام مراكش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق