ثقافة وفن

رشيد متگاوي … تشكيلي من العيار الثقيل

عطاء بلا حدود وعلم بلا قيود ... شيمة الفنان العالمي بكل ما تحمل الكلمة من معان

رشيد متكاوي: الفن الراقي مرآة لنقاء السريرة

لحسن باكور

هناك مقولة أحبها وأرددها كثيرا مفادها: المبدع الحقيقي، فنانا كان أو أديبا، يكون مبدعا أيضا في سلوكه وعلاقاته، ومن بين المبدعين الكثر الذين أعرف يبقى الفنان التشكيلي المغربي رشيد متكاوي أبرز من يجسد هذه المقولة.. إنه إنسان خلوق طيب المعشر، رائع الرفقة. يعطي ولا يطلب أبدا، وفنه الراقي ولوحاته المتميزة ليست سوى انعكاس صادق لنقاء سريرته. عندما تقترب منه تكتشف نظرة للوجود ملؤها التسامح والهدوء والبحث عن مكامن الجمال وبهاء الحياة في أبسط التفاصيل المختبئة في زحام وضجيج اليومي.. يكفي أن تجالسه مرة واحدة كي يغير نظرتك للمدينة والناس وكي يقنعك أن الجمال الحقيقي يكمن بداخلك، فلا تبحث عنه بعيدا.

رشيد متكاوي من أكثر الفنانين التشكيليين الذين أسدوا خدمات جليلة لمبدعي وأدباء مدينته الحمراء مراكش: الكثير من كتبهم تزينها لوحاته التي غالبا ما تطوع بها، بأريحية وكرم غامر.

عندما يجتمع العلم … الإبداع … الإنسانية وحب العطاء

د. محمد بدوي مصطفى

في الحقيقة أعتذر لأنني هاهنا تماديت في أن أعقب على مقال أخي وصديقي الأديب الأريب لحسن باكور، الحائز على جائزة الطيب صالح في القصة القصيرة (على سبيل المثال لا الحصر) وأنني شرعت في الكتابة  عن صديقه المبدع الفنان التشكيلي رشيد متگاوي؛ فليس هنالك ضرورة لأيّ تعقيب أو لايّ إضافة بعد بديع الذي خطته ريشته بتجلي ونكران ذات في حق «صديق صدوق صادق الوعد منصفًا» (الإمام الشافعي) عرفه في بضاضة الطفولة وبريعان الشباب وكان كما ذكر لي مرارًا وتكرارًا نعم الأخ ونعم الرفيق. لكنني يا سادتي ذكرت في حديث تلفوني خلال هذا اليوم لسي باكور أنّه لا بد لي من أن أجازي إحسانه بإحسان ولعمري فما جزاء الإحسان إلا الإحسان.

في الأسبوع الماضي عرضت على المبدع متگاوي عندما التقينا أن يعلمني مما علّمه الله فلم يتردد لحظة في الأمر والتوّ وقال في تلقائية يحسد عليها: بكل فرح يا مولاي! وكنت قد جلست ذات صباح معه في مقهى بهيّ بمدينة مراكش الحمراء بحيّ جنان أوراد الذي أسكنه، وكنّا بصحبة الأديب باكور، الذي أتى في ذلك اليوم كي يحدث التعارف بيننا في مشروع له قادم يحمل في طياته قصصا من باب مراكش وأصطفى باكور صديقه ليرسم لوحة الغلاف. جلسنا بكل أريحية وتجولنا صباحئذ في سماوات الأدب، فضاء الفنون، ورحاب العلم والمعارف المتشظية. تواعدنا في ذات اللحظات أن نبدأ سويًا ورشة عمل في سياق الفن التشكيلي بالأسبوع التالي، ذلك بعد عودتي من رحلة عمل بمدينة الرباط العاصمة. وجاء يوم الورشة وجاء الفنان في ثوب ملائكي، بحسن سريرته البهيّ والتقانا أن وزوجي ببشاشته المعهودة ورحابته المقصودة. مُرحّبًا بلسان مراكشيّ مبين (الله يا ولدي … مرحبا … الدار داركم يا سيدي!)، وكان قد تكبد من قبل عناء البحث عن غرفة بمركز الشباب والثقافة بقلب مراكش تكون لنا موطئاً للعمل. على أيّة حال بدأنا معه يوم السبت ونسينا يومئذ أنفسنا ونحن في معيته، وكان اليوم التالي أجمل، وكنا قد أكملنا لوحاتنا. لقد سبح بنا خلال ذينك اليومين في عالم ألوان القزح، وفي حدائق علم الأبعاد ومواطن الضوء ولحظات انكاسارت الأنوار على لحن الألوان المتناغمة ونحن قاب قوسين أو أدني من باب دكالة، هذه الباب العريق والتاريخ الذي يصرخ من خلاله في كل لمحة ونفس. حدثنا كيف يانغم اللون والضوء البصيرة والأبصار، وكيف تتمايس الزوايا والحنايا عند الأسحار وكي تُخلط الأصباغ على قارعة الطرق بالأوزان والأحبار، وللون ضرورة في سمفونية الأعمال التشكيلية وحثنا على البساطة، فالجمال هو البساطة والأناقة وكلمنا عن التواضع من أجل الكمال، والكمال أولّه وآخره لله. دلفنا إلى مزايا وسمات البصر ومن ثمّة جال بنا في عالم آخر، وكانت تنساب من فِيهِ أحاديث العلم والمعرفة عن علوم الرسم والنظم والرياضيات كالشهد بطرائق السهل الممتنع. السيد ريشد متگاوي فنان من العيار الثقيل، مبدع من القلائل الذين يحسنون القول فنتبع نحن أحسنه، إنسان ينشد العلم ويعشق المعرفة وأهم شئ في العمل معه هو أنّه لا يبخل على المتعلم مطلقًا بالمعلومة ولا يخشى أن نصبغ نحن أناملنا بوحي ريشته الخلاقة وأن نكون من الذين يأخذون منه ولا يشيرون إليه – كما ذكر العلامة البروفسير عبد الله الطيب في مقدمة كتابه المرشد لفهم أشعار العرب. فرشيد متگاوي فنان ومرشد وشعره هو اللون والأصباغ، التناغم في الأبعاد،  ولونه الإنساني هو دون أدنى شك السماحة والكرم في العطاء بلا قدر ولا ميزان. يعطي من أجل العطاء ويغدق من أجل السخاء ويحمد الله أننا تعلمنا منه ما تعلمنا وكانت كما قال لي تلك هديته وأجره، فأجره على الله، والمسيرة سائرة على قدم وساق معه في التواصل وليس لنا ألا أن نقول: اللهم زدني علمًا. شكرًا سي رشيد على ما علمتنا … فالعلم يرفع بيتًا لا عماد له … والبيت على سبيل الاستعارة بيت المعرفة … جزيتم عنّا كل خير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق