سياسة

سفينة بَوْح

قبل التشكيل والتنصيب ..!

هيثم الفضل

في آخرمشاهد مسرحيات العبث السياسي الذي ضرب أطناب البلاد بعد إنقلاب 25 أكتوبر ، روى الراوي أن (مبادرة أهل الكيزان) قد سلَّمتْ البرهان قائمة إحتوت 35 شخصية مُرشَّحة لرئاسة وزراء هذه البلاد الغارقة في مستنقع من التُرُّهات والمسالك الغبية التي يسلكها جُهلاء يعتقدون أنهم قادرين على مصارعة المستحيل ، والمستحيل للذين لا يعلمون هو : أن هذه البلاد لن يُكتب لها الإستقرار ولا الأمن ولا التوازن السياسي ولا النماء المستدام إلا إذا كانت (مضامين وأشكال) حُكمها متوافقة مع  يأمُر به الشارع الثوري ، لذلك قلنا ونكرِّر القول أن أية مبادرة مهما كان من يتولى أمرها لا تضع لجان المقاومة وقوى الحرية والتغيير الحقيقية وتجمع المهنيين وبقية الأجسام السياسية والمطلبية التي  ناهضت الإنقلاب (قبل) وبعد وقوعه نصب أعينها في أية تسوية مُرتقبة ، لن تؤدي إلا إلى المزيد من المصائب ونذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر : إستمرار تورُّط العسكر في تبعات ما أرتكبوه من خطأِ جسيم وفادح يقود البلاد إلى الهاوية كلما طال عمرهُ ، فضلاً عن إستمرار (سقوط) القيمة السياسية والأخلاقية للحركات المسلحة في الوسط السياسي والمجتمعي العام ، وكذلك في أوساط مناطقها الجهوية التي إعتمدت على المتاجرة بقضاياها مقابل حصول قياداتها على الجاه والسلطة ، ولو كان ذلك على بساط الإرتداد عن مباديء المسار الديموقراطي والإستئناس بذات السُبل الملتوية التي إستعملها النظام البائد للتشبث بالسلطة وفي مُقدمة تلك السبل إستباحة دماء المعارضين وحرياتهم وحقهم في العيش بكرامة وإسماع صوتهم والمساهمة بفكرهم وخبراتهم وكفاءتهم في نماء البلاد ورفاهية العباد.

35 مُرشَّحاً تقدمها تلك المبادرة الفاشلة والسابحة ضد تيار الشعب السوداني ، لتزيد قيادات الإنقلاب (حيرةً) على حيرتهم وإرهاقاً  على إرهاقهم ، وهل كان البرهان عاجزاً عن الإختيار منفرداً إذا ما أمر أقل معاونيه مقاماً أن يُرشح لهُ 35 شخصاً أو حتى 40 أو 100 .. ؟ ، في حقيقة الأمر لم يجد البرهان (ضالته) من المبادرة بإعتبار أنها لم تستطع أن ترفع عن كاهله مسئولية الإختيار وخوض معركته المشئومة مع الشعب السوداني ، فقد قدَّمت له ماعونا مليئاً ومُكدِّساً بالألغام التي كان يخشاها ، فالبرهان في وضعه الحرج هذا ، لا شروط له في مَنْ يرأس مجلس الوزراء  ، بقدر ما يشترط إبقاء كل خيوط اللعبة السياسية في يد المكون العسكري  ،  كان يتمنَّى أن يتحمَّل قادة المبادرة الهزيلة المسئولية  بأن يكفوه شر الإختيار عبر تقديمهم مرشح واحد أو إثنين أو ثلاثة على أكثر تقدير ، ليبدو الأمر وكأنه مفروضٌ عليه من المبادرة وليس من صُنع يديه ، وكيف لمبادرة شعارها الأساسي (الوفاق الوطني) أن تعجز عن (التوافق) على تسمية رئيس وزراء بالقدر الذي يجعلها ترفع قائمة بـ 35 إسماً ، مما يجعل ذات القائمة المرفوعة في إحتياج إلى مبادرة أو على الأقل (آلية) لغربلتها والوصول بها لمرحلة تحديد وإختيار رئيس وزراء (مُحتار- بحرف الحاء وليس الخاء) ،  يُشترط أن تكون أهم صفاته ومواصفاته إصابته بالجنون أو الجهل المُطبق أو الغياب الدائم عن الوعي بأية وسيلة مشروعة أو غير مشروعة حتى يقبل أن يكون رئيساً لحكومة أوجب واجباتها اليومية والإسبوعية مُناهضة وقتل وسحل الشعب السوداني الثائر الموجود الآن في الشوارع قبل التشكيل والتنصيب.

وِفاق ( في عينَك ) ..!

(بإمكانك أن تضع في البشير ما تشاء من سيئات ولكن عليك أن تعترف أن الرجل نجح في خلق وفاق بين كل السودانين طيله  30 سنه ، وسقط الوفاق يوم سقوطه) ، صدِّق أو لا تصدِّق أن ما بين القوسين جُملة ردَّدها أحد (الكيزان المُندسين) أو المُتدَّثرين بثوب الثوُّار الأحرار ، عقب صلاة الجمعة الماضية وأمام أحد مساجد حي الجريف غرب بالخرطوم ، وقائل المقولة للأسف كهلٌ تجاوز الستين من عمره مخاطباً مجموعة من الشباب الذين كنا نظنهم يوماً (يُفعاً جِهالاً) ، حتى إكتشفنا فجأةً وعلى حين غرة بأنهم مصدر أساسي للحكمة والكياسة والأخلاق النبيلة ، بما عبَّروا عنهُ بتضحياتهم التي إبتدروها ببذل الأرواح وختموها بالعزيمة والإصرار والثبات على مبدأ منازلة الطاغوت إلى يومنا هذا ، منهم من إستشهد ومن أُصيب بعاهة مُستديمة ومن إختفى قسرياً ولا يُعرف عنه خبراً ، ومنهم أيضاً من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا ، يقول شيخنا (المُندس) لهؤلاء الذين علَمونا نحنُ (الكبار) أن المُستحيل يتحقَّق بالصبر والتضحيات : أن ثورتهم معطوبة وأهدافها وهمية وأن من وصفوهُ  بالطاغية المُتجبِّر كان أهلاً للإحترام والتقدير بما يدفع (الموجوعين من أبناء هذا الشعب الصابر) للإبقاء عليه ليستمر في جزّْ رقابهم ويتمادى في إهانة إباءهم ويمنع مضيِّهُم إلى الأمام مثل سائر شعوب الأرض ، لأنهُ وشرُ البلية ما يُضحك كان (مركزاً) يتوافق حولهُ السودانيين ، هل نطرح السؤال التراجيدي الذي سيخطر على بال أبسط الناس فكراً وكياسة (ولماذا خرجت ضدهُ الملايين تطلب الموت الزؤام دون وجوده على سُدة الحكم  ؟) ، الإجابة المنطقية التي لا بديل لها أن نُقر بلا جدال أن كل من أمَّوا ثورة ديسمبر المجيدة كانوا مُجرَّد مجانين وفاقدي أهلية.

نحن المُنتمين إلى أجيالٍ سابقة لجيل اليوم الذي أدى رسالته تجاه الوطن بالتضحيات الجسام وما زال ، علينا إن (نتحزَّم) لمؤازرتهم والوقوف خلفهم وِفق أقل تقدير لما يبذلون من كفاح ، أو أن (نستحي) ونتركهم يتأمَّلون (صمتنا الحكيم) ، يكفينا أن معظمنا كان من الصامتين على إنقلاب 89 حتى تفاقم وترعرع وتنامى (سرطاناً) قضى على الأخضر واليابس ومازال يفعل حتى يومنا هذا ، وإن قلنا لهؤلاء شيئاً فليكن في إطار تقديس وتعظيم شعارات ومباديء ثورتهم التي بذلوا فيها الأرواح والغالي والنفيس ، كان من واجب هذا (الكوز المُندس) أن يقول لأولئك الشباب الذين على ما إعتقد إحترموا لحيته البيضاء بصمتهم أمامهُ ، أن البشير وطُغمته إذا فتحنا صفحة جديدة في تاريخ السودان المُعاصر وسميناها (الوفاق السوداني) لكُتب عليها بأُحرفٍ دامية ما يجب أن يُقال عن إنفصال الجنوب وما أدراك ما إنفصال الجنوب ، ولكتبنا عليها فظاعات التنافر والتناحُر العرقي والجهوي والسياسي في دارفور والنيل والأزرق وجبال النوبة وشرق السوادان وما تبع ذلك من خسائر في الأنفُس والثمرات ، وسنخُط على ذات الصفحة المشئومة ما نالتهُ المعارضة السياسية في عهد البشير المشئوم من إغتيالات وإعتقالات وتشريد وتكميم للأفواه ومضايقات لقطع سُبل العيش الكريم ، ثم ما عملت عليه مؤامرات الحركة الإسلامية بصحبة البشير في تفكيك الأحزاب وشرزمتها عبر مُناهضة أسباب وحدتها و(توافقها) فتناثر حزب الأمة القومي إلى أربع أحزاب والإتحادي الديموقراطي إلى ثلاثة أحزاب ومثلهم في ذات المضمار أحزاب أخرى ، عمر البشير في إطار (الوفاق الدولي) الذي تحتاجهُ كل البلدان النامية ، عزل السودان عُزلةً دولية لم يشهدها منذ إستقلالهُ ، فأصبح لا يجروء هو شخصياً على الخروج من الخرطوم إلا نحو أربع إتجاهات معلومة ثلاثة منها في الخليج العربي ، وعندما فعلها مرة وسافر إلى الكنغو عاد كالمجرمين مختبئاً على سطح مروحية عسكرية بلا مقاعد ، عمر البشير الذي لم ينجح في إستدامة (الوفاق) بينهُ وبين شيخهِ الترابي الذي أتى به لسُدة الحُكم ، بل أودعه السجن ومعه ثلةً من (أخوان الأمس) وأعداء المرحلة ، ثم أطلقوا على إنفراط عقد (الوفاق) بينهم إسم الدلع المُزركش (مفاصلة) ، والتي في حقيقة الأمر كانت (مُقاتلة) لا تخفي على عين حصيف في معركة التنازع على الجاه والسلطة و(الإستمتاع) بإغتيال آمال وتطلُّعات الشعب السوداني نحو الحرية والسلام والعدالة ، البشير بنفسه إعترف في أُخريات خطاباته عن (الوفاق  المجتمعي السوداني)  بأنه (أزهق أرواح الأبرياء في دارفور دون مُبرِّر وسبب مُقنع)  وعلى رأس الشهود والأشهاد … اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللُطف فيه.

عدم إعتراف (طبيعي) …!

إتحاد الصحفيين العرب يُعلن عدم إعترافه بنقابة الصحفيين الشرعية التي نصبَّتها صناديق الإقتراع أول أمس في ملحمة تاريخية طالما إنتظرها المجتمع الصحفي وكذلك الشعب السوداني ، فيما يمثِّل تتويجاً لأشواق الجماهير الثائرة للديموقراطية المُستحقة ، حين أسفرت عن تكوين نقابة شرعية وقانونية وحُرة لا تشملها رعاية السلطة ولا عطاياها ولا الترهيب بسطوتها ، نقابة تستمد قوَّتها وفعاليتها من إلتفاف عضويتها حولها بإعتبارها راعية لمصالحهم بغض عن النظر عن الشخوص الذين يقفون عليها مهما كان إنتماءهم  السياسي والآيدلوجي والجهوي والعرقي والمذهبي ، فهل هناك غرابة في عدم إعتراف إتحاد الصحفيين العرب بالنقابة الجديدة أو حتى بالديموقراطية كمبدأ ؟.

في إعتقادي لا غرابة في ذلك إذا سألنا السؤال المنطقي وطرحناه كإجابة (وما علاقة الوطن العربي وأنظمته السياسية وإتحاداته المهنية ونقاباته بالديموقراطية ؟ ) ، فحال الأنظمة السياسية في الوطن العربي لا يحتاج إلى شرح في مجال تبَّني القيَّم الديموقراطية ورعاية الحقوق والحريات الأساسية للإنسان ، بما في ذلك حق إستقلال المجموعات المهنية والنقابية عن رعاية وإشراف وإدارة السلطات الحاكمة ، بما في ذلك حقها في إقامة إنتخابات نزيهة و(حقيقية) ، ومن باب (الطيورُعلى أشكالها تقع) كان من الطبيعي أن (تتوافق) و(تتآذر) تلك الإتحادات العربية (الصورية) مع بعضها البعضٍ ، بالحد الذي جعل الإتحاد العربي مُتناغماً ومُنحازاً وداعماً لا يُشقُ له غبار لإتحاد الصحفيين السودانيين القديم ، والذي كما يعلم الجميع كان مشوباً بآفة التمكين للإنقاذيين ، ومستنقعاً آسناً للمًطبلين والمُنبطيحين من الصحفيين الذين باعوا قضية شعبهم من أجل حفنة دراهم والتمتُّع بالفتات من مزايا وعطايا النظام الحاكم ، والتي كانت تقابلها الإغتيالات والإعتقالات والمضايقات المعيشية في مواجهة الصحفيين المعارضين من الناطقين بإسم الحق والمنحازين بضمير لمعسكر الحقيقة المحضة ولو وُضعت على رِقابهم السيوفُ .

بيان الإتحاد العام للصحفيين العرب الرافض لمجريات إنتخابات نقابة الصحفيين وإعلان عدم إعترافه بنتائجها لأسباب أرجعها للوائح تنظيمية داخلية إختصرها في المادة 12 من دستور الإتحاد ، جاء بإستعجال مُريب ، ومحاولة مُستميتة لدعم الإتحاد القديم الذي من الطبيعي أن يُلغى ويُحل بعد سقوط النظام البائد شأنه شأن الكثير من المنظومات ذات الصبغة المهنية بمُسمياتها المختلفة لكنها في النهاية لم تكن سوى واجهات تنظيمية لحزب المؤتمر الوطني ، ومثلما تطالب الثورة بتفكيكهم في جهاز الأمن والمخابرات والشرطة والجيش والخدمة المدنية وغيرها من المؤسسات ، كان من أوجب واجبات بناء دولة السودان الديموقراطية إزالتهم وتفكيكهم من منظومة الإتحادات والنقابات المهنية لا لشيء سوى إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح وإرجاع الحق إلى مُستحقيه ، وإعمال النُظم الديموقراطية الحُرة والنزيهة في إختيار قياداتها ولجانها التنفيذية ، فضلاً عن إفساح المجال عبر دوراتها المتواترة (للتغيير) و(التبديل) وإتاحة الفرصة لكل من له كفاءة وقدرة على خدمة المنظومة الصحفية ورعايتها وتطويرها ، كل ذلك دون تدخُّل الدولة عبر إستغلال النفوذ والجاه والسُلطة ، وبغض النظر عن وجود (تجاوزات) أو أخطاء إجرائية للإنتخابات التي أجرتها اللجنة التمهيدية أول أمس ، فإن الإنحياز المُطلق للمسار الديموقراطي يجبرنا على تأييدها وإحترامها ومؤازرتها ، بإعتبار أن كل عيوبها المحصورة لن تُمثِّل ذرة خردل في أرتال العيوب التي تحملها النقابات الصورية للنظام البائد على كاهلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق