سياسة

وحي الفكرة

السودان يختار العولقة بديلا للعولمة

محجوب الخليفة

▪️العولقة في اللغة العامية السودانية تعني التشويه والإختلال، واصطلاحا في المتداول في احاديثهم هي علة  خطيرة وخلل يصعب علاجه، والعولاق صفة لشخص متخلف في تصرفاته وطريقة معاملاته وفي مظهره، فهو غير ناضج وليس مجنونا (معلق بينهما)، وكأنها مشتقة من الفعل علّق يعلّق تعليقأ والمعلق هو ما يقف مصلوبا في المنتصف بلا استقرار بين البداية والنهاية أو متارجحا بين الأعلى والأدني في حالة عجز كامل.

أما العولمة فهي تعني أستخدام العلم كوسيلة مهمة في الحياة كما وأنها تعني الإعتماد على العلم بالكامل والاستفادة القصوى من اكتشافاته وابتكاراته وتقاناته في العمل والمعاملات.

المحزن حقا أن يختار السودان وفي مطلع القرن الواحد والعشرينالإتجاه إلى العولقة بديلا للعولمة التى أصبحت هى صاحبة السيادة والقيادة فى عالم اليوم.

▪️قد تسألوني كيف لي أن أزعم بأن السودان قد أختار العولقة وزهد فى العولمة؟ وماهو دليلي الذى يؤيد ما ذهبت إليه؟ ولكن الأدلة أكثر مما تتوقعون، وأولها أن السودان انقسم إلى دولتين فى عصر توحدت فيه قارات مثل أروبا، ثم إنه تعددت فيه الجيوش المسلحة بينما كل دول العالم لا تفرط في جيشها الواحد ولاتهزمه لصالح أي جماعات أو عصابات أو حركات مسلحة، فمن مظاهر العولقة أن تتكون المئات من الحركات المتمردة تحمل معظمها في إسمها (تحرير السودان) ولانعرف لماذا لم تكمل تلك الحركات جملة تحرير السودان بجملة إضافية وهي من السودانين ليكون إسمها هكذا (حركة تحرير السودان من السودانين). والعولقة هي خيار السياسين أيضا، فحزب الأمة اسم عظيم. لكنه كحزب طالته العولقة فأصبح حزبا تبحث عنه الأمة، اما الحزب الإتحادي فقد أصيب بالعولقة باكرا لأنه ركز على فكرة الاتحاد مع مصر قبل أن يتجه اولا إلى الاتحاد مع الأحزاب السودانية  وتوحيد القوي الوطنية، اما الحزب الشيوعي فقد تجسدت فيه العولقة تماما لاستلافه الاسم والفكرة  والمنهج والقدوة من الخارج، وهو ما ينطبق على حزب البعث، واللجان الثورية. والحزب الناصري وحزب التحرير الإسلامي فالدول الراقية تنجب ساسة وطنيين يؤسسون أحزابا كاملة الإنتماء للوطن في الفكرة والمنهج والنظم والأهداف، تجتهد في تطوير نشاطها وتدريب كوادرها بأحدث الوسائل العلمية وتأهلهم تماما لإنجاز المطلوب مع الإلتزام التام بأن يكون الوطن فوق الجميع، وكأن إختيار الساسيين السودانيين للعولقة السياسية بعد الإستقلال مباشرة قد أنجبت فيما بعد ما نعاني منه اليوم.

العولقة ليست سياسية فقط وإنما إقتصادية، وإجتماعية (ثقافية، فنية، رياضية).

ففي الإقتصاد أصبح السودان متخلفا تماما فلم يعد في مقدمة الدول كما كان في خمسينيات وستينيات القرن العشرين والمصدر الأول للقطن والصمغ العربي والحبوب الزيتية، ليتحول اليوم إلى بلد يقف عاجزا وهو يشاهد ثرواته تسرق ومحاصيله تباع في الأسواق العالمية ومكتوب عليها اسم دول أخرى لاعلاقة لها بالمنتج فالصمغ العربي منتج دولة خليجية لم يشاهد احد من سكانها وقادتها شجرة الهشاب، والكركدي وثمر البلدي(القنقليز) منتج لدولة أخرى لاتعرف كيف يزرع  ولكنها تعرف جيد كيف تغلفه وتعده كمنتج هي من تنتجه وتصدره وتحصد عائداته بالدولار والعملات الصعبة الأخري. ويكفي أن نشير إلى أهمية العولمة في تخلينا من العولقة لأن استخدام العلم ونظمه و آخر ما وصل إليه العالم يحمي ثرواتنا من التهريب والسرقة ولايسمح بتفريطنا في ثرواتنا بتصدير الأمهات من الثروات الحيوانية والمحاصيل الزراعية، فلا نسمح بتصدير محاصيلنا دون تحويلها لمنتجات مستخلصة باستخدام الصناعات التحويلية. فالدول ترسل لنا منتجات ز اعية معالجة بحيث لاتصلح لزراعتها وإنما تصلح لاستخدامها كغذاء فقط.

▪️ويكفي أن يكون الوضع الحالي للسودان وعجزه الكامل في إعادة بناء الدولة و الإتفاق علي إختيار حكومة انتقالية وغياب هيبة الدولة والفوضى المخيفة، التي بلغت ذروتها بتسلق بعض المجرمين سور أسرة داخل العاصمة وترويع نساء تلك الأسرة والادعاء بأنهم هم (المقتحمون) أصحاب المنزل، أو أن يصل الأمر لمفاجأة سيدة بهدم منزلها والذي شيدته بعد عناء بتكلفة تجاوزت المئة مليون لتعتذر لها المحلية والمحكمة بأن إزالة منزلها حدث بالخطأ وعليها مقضاة الجهات المنفذة والمطالبة بالتعويض.

ألم أقل لكم ان السودان وللأسف الشديد قد اختار العولقة ولم يتحمس للعولمة  وتلك المصيبة الَمخيفة التي نخشى أن تصل بنا ليكون السودان في وضع الميئوس علاجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق