سياسة

السودان الوطن الرائع الذي قمنا بتحطيمه (2)

شوقي بدري

قبل أن يخرج البريطانيون من الخليج نصحوهم بالاستعانة بالسودانيين. اشاد البريطانيون بالسودانيين لأمانتهم ادراكهم بالإدارة المحاسبة القضاء التعليم الهندسة الخ. افهموا العرب أن السودانيين لن يتدخلوا في السياسة المحلية وسيصرفون الجزء الاكبر من دخولهم داخل الخليج على عكس الآخرين الذي يعيشون على الفتات ولن يرفدوا الاقتصاد المحلي بجزء يذكر من دخولهم، وقد يعمدون الى الرشوة الاختلاس والسرقة. البريطانيون كانوا يقولون: نحن خبرنا السودانيين جيدا ولقد حازوا على اعجابنا واحترامنا.  أثناء زيارة مسؤول خليجي للسودان مروا به على طائرة، سيسنا، على الجزيرة المروية الخزان والقنوات شاهد المباني الورش في مارنجان المحالج السكك الحديدية الداخلية السرايات الخ. شوهد المسؤول الخليجي يقول وهو دامع العينين، بالرغم من كل البترول الا انهم لن يستطيعون أن يكون لهم ما توفر للسودان من زراعة.  زيارة رئاسة الجزيرة في بركات اصابت صديقي المحامي بيرتل لياندر أحد اعلام القضاء الواقف في السويد بالدهشة. لاننا كنا في نهاية ديسمبر 1986، صار بيرتل يهرول كالطفل بين الحدائق المباني في بركات التي كانت تغسلها شمس الشتاء في الضحى. كان يرفع يديه وكأنه يريد أن يحتضن كل شيء.  كان يقول لي انه قد عمل في الاجازات الجامعية كدليل سياحي في اسبانيا للسواح الاسكندنافيين. وكل ما يطلبه السائح هو الشمس والحدائق والازهار والطعام الجيد. والسودان يمكن أن يكون جنة للسواح في الشتاء خاصة في البحر الاحمر. البريطانيون كانوا يحضر ونالي حلفا في الشتاء. الكاتبة البريطاني اجاثا كريستي كتبت روايتها المشهورة جريمة في وادي النيل وهي تسكن في فندق حلفا التي اغرقناها لصالح مصر التي تحتل ارضنا تنهب خيراتنا وتفرض سياستها على قيادة جيشنا الخائب.

عندما ذهبنا بصحبة التجاني محمد التجاني نائب المحافظ طيب الله ثراه الى مشروع كنانة، اتسعت عينا المحامي السويدي وهو غير مصدق لما يرى. وازدادت دهشته عندما قلت له انه توجد مجموعة من مزارع قصب السكر ومصانع السكر العملاقة. جنوب السويد من أكبر مصنعي سكر البنجر ويهتمون كثيرا بصناعة السكر، لهذا يقيمون صناعة السكر كثيرا. مصنع سكر كنانة أدهش المحامي السويدي الذي نشأ وسط مزارع بنجر السكر ومصانع السكر الا أن حجم ونظام مصنع كنانة المتطور خاصة استخدام مخلفات القصب في الطاقة المحركة للمضخات الرافعة واشياء اخرى قد اصابه بالدهشة.

اقتباس

الجزيرة كلها أكبر من هولندا التي هي في اول 10 دول اقتصاديا. والسودان 60 مرة مساحة الدنمارك والدنمارك اغنى من أغني الدول العربية ببترولها. لقد لعب المصريون بالسودانيين كل الوقت. بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة ارتفعت اسعار القطن اضعافا مضاعفة. وكان المزارعون يأخذون الريالات بالشوال. وابتاع المزارعون كل شيء. واشتروا الغالي من الثياب والاثاث. زرعت مصر الفتنة ودعت للإضراب وإنساق زعماءنا خلف تلك المزاعم. ودفعوا موظفي الجزيرة والمزارعين على الإضراب. وكان هنالك الإضراب الشامل. بالرغم من انه كان هنالك إضرابين صغيرين في الجزيرة عام 1942 و 1944 ولكن إضراب ما بعد الحرب كان إضراب شاملا. وكان المصريون يفركون اياديهم سعداء ويعطوننا الحبل لكي نشنق أنفسنا. والسودانيون عادة يسهل إثارتهم. خاصة إذا لعب لهم على وتر الدين والوطنية. يندفعون كثيران هائجة. لقد ذكر الاستاذ عمر محمد عبد الله الكارب مؤلف كتاب عن الجزيرة رحلة عمر، ان المولدين ويقصد بهم السودانيين من اصول مصرية كانوا في ايام الاضراب الكبير يركضون مع الارانب ويصطادون مع الكلاب. وهم الذي نفذوا مخططات المخابرات المصرية.

بعد استلام الاشتراكيين في انجلترا وكثير من الدول الأوروبية، دعت امريكا بالمفتوح وحذرت من استمرار الاستعمار وقال الانجليز للسودانيين بالمفتوح سنترك لكم البلد في ظرف 10 الى 15 سنة. وستحكمون انفسكم وكونت الجمعية التشريعية التي ضمت الشماليين والجنوبيين لكي يتعودوا على النظام البرلماني. وكان هنالك سودانيين في مواقع قيادية. ويخدم تحتهم إنجليز يأتمرون بأمرهم. وقد كان عبد الله خليل وزير الزراعة. وكان الدكتور على بدري وزير الصحة. وكان عبد الرحمن على طه وزير المعارف.  وانطلقت الزراعة وارتفعت ميزانية التعليم والصحة الى 25 % من ميزانية حكومة السودان. وهذه نسبة خرافية لن نبلغها ابدا. وكان التعليم والعلاج مجانيا الا للقادرين واصحاب المرتبات الكبيرة. وعندما احتج وكيل وزارة المعارف وهو بريطاني موظف كلاسيكي بالصرف الكثير وفتح المدارس في كل مكان. قام الاستاذ عبد الرحمن على طه بكل بساطة بطرده من الخدمة. وشملت الجمعية التشريعية ممثلي النقابات والمزارعين والرعاة. وكان فضل بشير يمثل نقابة التاكسي في الجمعية التشريعية. ولهم مجلة اسمها مجلة العامل تمثلهم. وبالرغم من هذا وبإيعاز من المصريين كان الاتحاديون يقولون سنقاطعها وإن جاءت منزهة من كل عيب. ومن المحن السودانية ان هذا منطق معوج. كما رفعوا شعار بإيعاز من المصريين ايضا تحرير ولا تعمير. وكأنما التعمير رجس من عمل الشيطان. ورفع الحزب الاتحادي الشعارات شبه الفاشية التي رفعتها الثورة المصرية والتي كان قوادها متأثرين بالحزب النازي. والشعار هو الاتحاد والنظام والعمل.

لقد طالب الموظفون والعاملون في حكومة السودان بزيادة اجورهم وتحسين اوضاعهم وتقليل ساعات العمل وقامت الحكومة بإعطائهم ما عرف بالبونس وهو عبارة عن مبالغ مالية ضخمة في ذلك الزمان. ولسؤ الحظ ان كثير من من استلموا تلك المبالغ لم يعودوا ابدا للعمل. بعضهم بدأ في التجارة ولم تنجح. والبعض انغمس في الشرب ولم يفيقوا منه الى بقية حياتهم. وعرفوا بضحايا البونص. وارتفعت الاجور بنسبة 55% واشك انه ستأتي حكومة وتزيد المرتبات 55 %. ودفعت بأثر رجعي. وكانت هنالك لجنة للعمال برئاسة ميلز تحدد البونس. وكان للموظفين لجنة برئاسة البريطاني ويكفيلد. ولسوء الحظ ذهبت اغلب تلك المبالغ في القصف والسكر وانتعشت بيوت الدعارة. وهنالك قصة اشعال 10 جنيه للبحث عن الفتيل. والفتيل هو حلية ذهبية سقطت من جيد أحد الغانيات. 10 جنيه كانت مرتب شهرين لبعض الناس.  وتسببت هذه الزيادة في تزمر موظفي الجزيرة. بالرغم من ان الجزيرة هي شركة وليست حكومة وان موظفي وعمال الجزيرة كانوا يتمتعون بمزايا لم تكن متوفرة لعمال الحكومة. فلقد كان عندهم سكن وترحيل مجاني. وكان للمفتشين سيارات وخيل.

أحسن من كتب عن الإضراب هو ابن الجزيرة وابن المزارع وموظف الجزيرة الذي بلغ شأنا عاليا وهو عمر محمد عبد الله الكارب. الذي بدأ يعمل في الجزيرة وهو قبل العشرين وواصل الى نهاية حياته. ويقول في كتابه الجزيرة قصة مشروع ورحلة عمر. ويتحدث في الاول عن تنظيمات المزارعين فلقد كانت هنالك هيئة ممثلي المزارعين ويقول الاستاذ الكارب، (وتمت اول انتخابات في المشروع لممثلي المزارعين بطريقة سرية لإنتخاب رئيس الهيئة ونوابه ومساعديه. فوقع الاختيار على الشيخ احمد بابكر الازيرق، المزارع بتفتيش درويش ليكون رئيسا للهيئة ومعه السادة أبو الحسن عبد المحمود، موسى النعيم ومحمد الطيب عمر والعبيد احمد موسى وطه الشيخ سعيد وابراهيم الشيخ الطيب واحمد حمد النيل وحمد النيل محمد الحسن ويوسف احمد نوابا لمكتب الهيئة. وعقد اول اجتماع للأعضاء المملثيين في مكتب مدير المديرية بود مدني في يوم 8 مايو 1947. والآن لا يستطيع المزارعون ان يعقدوا اجتماع في مكتب باشكاتب). شيخ اللمين رئيس مزارعي الجزيرة صار وزيرا في حكومة اكتوبر. وكان يتفقد المستشفيات ويحاسب العاملين والدكاترة ويطالب بحقوق اهل الجزيرة. ويقول نحن ناس الجزيرة بندفع ميزانية الدولة ويهز عصاه. شاهدته في براغ وهو محل حفاوة واحترام الدولة والسودانيين. وكان يذهب الى موسكو ويقابل باحترام بوصفه زعيم نقابي. وضيف دولة..  الإضراب الذي حصل كان بسبب زيادة المرتبات ومال الاحتياط. بإيعاز من المصرين أصر المزارعون على تقسيم مال الاحتياط. فلقد كانت تقتطع مبالغ من مشروع الجزيرة لكي تصرف على السنين السيئة. في بداية الثلاثينات كانت الحواشة تأكل ولا تلد وهجر كثير من المزارعين حواشاتهم.  وكان في مصلحة مصر ان يضرب مزارعي الجزيرة. لأن حرب اكتوبر مثلا رفعت اسعار البترول. وحرب العراق الاخيرة قد جعلت سعر البترول يصل الى 150 دولار. واضراب الجزيرة كان سيجعل مصر منفردة في الانتاج. وعندما يجوع مزارع الجزيرة تنعم مصر بالسعر المضاعف.  اذكر ان انتاج القطن وصل في شمال اعالي النيل الى 8 قنطار للفدان. ولم يهتم اصحاب المشاريع مثل بركة العجب وابخدرة بالقطن المتساقط في الارض. بل ان بعض المشاريع مثل طيبة قد اوقفت اللقيط وكان لا يزال هنالك بعض القطن في اللوز. ثم تدنى الانتاج في ايام نميري بسبب سياساته الخرقاء وتدخل الحكومة فيما لا تعرف. وصار الانتاج اقل من 2 قنطار للفدان.  من حسن الحظ ان الرجل الذي كان محافظ مشروع الجزيرة كان البريطاني مستر جيتسكل وهذا الرجل كان اشتراكيا وكان انسانا بمعنى الكلمة وكان يحب السودان حبا منقطعا النظير وبدأ حياته العملية في السودان. وعمل الى ان تقاعد في السودان. واورد عنه الاستاذ محمد عبد الله الكارب ان والده كان يعمل في بورما وأنجب ولدين اكبرهما آرثر جيتسكل والثاني هيو جيتسكل الذي كان عضوا بارزا في حزب العمال ثم وزيرا للخزانة. وكان من المتوقع ان يكون رئيسا لحزب العمال الا ان عاجلته المنية وهو في عنفوان شبابه وحيويته وتطلعاته.  واما آرثر جيتسكل فهو الأكبر تخرج من الكلية الجديدة في جامعة اوكسوفورد. وكتب عنه استاذه المباشر يقول كان جديرا ان ينال درجة الشرف الاولى لولا الحيز الكبير الذي كان يأخذه انشغاله بالنواحي الانسانية.  ويمكن انا اورد ان شوقي بدري من دراساتي ان بعض الانجليز كان مسكونا بحب السودان والسودانيين وكانوا اصحاب رسالة ويؤمنون بمساعدة السودانيين. وان السودانيين هم من نبلاء البشر، ويستحقون المساعدة والاحترام.  ويقول بابكر بدري في الجزء الثالث من مذكراته عن نيوبولد الذي كان السكرتير الاداري للسودان والحاكم الفعلي. وهذا الرجل خدم السودان بتفان وأجهد نفسه في ايام الحرب لدرجة انه مات من الاجهاد والتعب. وفي نهاية اجتماعه مع بابكر بدري، ان تقدم مع بابكر بدري الى نهاية السلالم ثم قبل يدي بابكر بدري مودعا كعادة السودانيين مع كبار القوم. وبابكر بدري كان كثير المشاكسة ومعارضة الانجليز.  عندما وضع اسم بابكر بدري في لجنة اقناع اهل الجزيرة بفائدة مشروع الجزيرة قال بابكر بدري بأنه ليس بمقتنع بالمشروع. ولم يغضب المفتش بل سأله عن سبب اعتراضه. وقال بابكر بدري ما معناه (الارض حقتنا انت عندك شنو؟ فقال المفتش.. انا عندي الموية!! فقال بابكر بدري مويتك بتكب في البحر الابيض المتوسط.. فسأل المفتش سؤال من يريد ان يعرف..طيب رأيك..الموضوع يتم كيف؟. فقال بابكر بدري.. يحتفظ الناس بأراضيهم. والشركة تبيع ليهم الموية.. وشطب المفتش اسم بابكر بدري وسجل كلامه، الاخ الاستاذ هلال زاهر سرور الساداتي متعه الله بالصحة والذي كان مدير لمعهد التونج ومسؤول تعليمي ذكر انهم عندما كانوا في رحلة الى بورتسودان كان فنان القعدات هو البريطاني هوبسن الذي يجيد الغناء السوداني. وكان هنالك انجليز يجيدون اللهجة السودانية مثل أهلها.. أحدهم كتشنر. وكان في رفاعة مفتش يؤلف الدوبيت. ولهذا أحب جيتسكل وكثيرون غيره السودان بطريقة عقائدية.

ويواصل السيد الكارب.. (تقدم السيد جيتسكل للعمل في مشروع الجزيرة وتم اختياره في شهر فبراير 1923 وكان وقتها في الثالث والعشرين من عمره. وكان ذلك حدثا فريدا في ذلك الوقت ان يختار شاب بريطاني تخرج من جامعة اوكسفورد الشهيرة للعمل في مشروع الجزيرة الزراعي الناشئ لتوه. بدلا من ان ينضم الى الصفوة من اصحاب الياقات البيضاء في الخدمة المدنية الممتازة في حكومة السودان المخصصة لخريجي الجامعات البريطانية الشهيرة. (والسودان لم يكن ابدا مستعمرة بريطانية بل كان تابعا لوزارة الخارجية.. والبريطانيون كانوا يحترمون السودانيون كثيرا) … كان اول عمله مفتش غيط صغير في عام 1923 في تفتيش عبد الحكم. ولم تكن اهتماماته فقط بالنواحي الزراعية فقد ذهبت به اهتماماته الانسانية التي ذكرها استاذه الى ان يهتم بالناس الذين يعملون معه. فصادق الكثير من المزارعين وغيرهم. اذكر منهم الشيخ المغفور له الشيخ البشير احمد الطريفي خليفة ود الطريفي صاحب القبة المشهورة بقرية طلحة ود الطريفي. والشيخ احمد أبو سنينة. والشيخ مصطفى محمد الحاج عبد الله. والذي تعرف بواسطته على المغفور له الشريف بركات احمد طه بقرية الشرفة بشرق النيل الازرق. وكان يداوم على زيارة الشريف بركات طوال فترة عمله في عبد الحكم.

هذا الرجل أفسد المؤامرة المصرية عندما كان محافظا للجزيرة التي انساق لها السياسيون والمزارعون واقسموا القسم الذي لا رجوع منه بأنه إذا لم تصرف لهم اموال الاحتياطي مرة واحدة فلن يزرعوا. وعندما طرح موضوع الاضراب على محافظ مشروع الجزيرة جيتسكل.. قال لهم ما كان يؤمن به.. ان الاضراب من حقهم. وحرف كلامه كنوع من التحدي. اي انه يقصد انتو اضربوا وشوفا انا حاعمل شنو!! ولكن بعد الاجتماع الاول ازيل سوء التفاهم. والادارة كانت تقول للمزارعين بأنه إذا صرفت لهم الفلوس فليس هنالك من البضائع ما يكفي في السوق وسيسبب هذا ازمة. ولكن عليهم ان ينتظروا حتى تستورد الدولة البضائع الكافية. لكي تستوعب الفلوس.. وحلت القضية.

وتظل مصر دائما متربصة بمشروع الجزيرة.. ويجب ان لا ننسى ان الحكومة البريطانية قد اممت مشروع الجزيرة في سنة 1950 وقدم كهدية للسودان. وتكونت لجنة حسب قانون مشروع الجزيرة لسنة 1950 (نمرة 19) ومجلس الادارة الاول متكون من المستر ساندرس مدير مديرية النيل الازرق وابراهيم بدري الذي استقال لأنه يعتقد أن المزارع مظلوم، والمستر ار.ه .مان وعبد الحافظ عبدالمنعم، من اصحاب مشروع جودة حيث قتل مئات المزارعين الذين طالبوا بحقهم المضاع في 1956،، لم تصرف لهم حقوقهم لثلاثة سنوات. والمستر جيتسكل والمستر بيكن والاستاذ مكي عباس والمستر شارب سكرتير المجلس (المراقب المالي) يجب ان نذكر ان الانجليز لم يسمحوا لأي بريطاني لأن يمتلك ارض في السودان. وكل المشاريع الزراعية الضخمة حتى مشروع الجزيرة لم تكن الارض ملكا للشركة. المشاريع الاهلية كانت تحت قانون لائحة سحب مياه النيل ولفترة 25 سنة فقط.

الاستاذ مكي عباس الذي كان استقلاليا وضد الاتحاد مع مصر ومنظر الحزب الجمهوري الاشتراكي ورئيس تحرير جريد الرائد صار محافظا لمشروع الجزيرة. ولكن الحكومة الانتقالية التي كانت تدين بفوزها لرشاوي مصر، تخلصت من الاستاذ مكي عباس.

في بداية تكوين مشروع الجزيرة قال ود ابو سن الكبير للمفتش (انت ختيت عينك في طينتي وانا كلامك ما بسمعو وبمشي بشتكيك للمدير. كان المدير ما أنصفني بمشي الحاكم العام. الحاكم العام ذاتو ما بسمع كلامو. وكان بعت نص طينتي بمشي بشتكي في مجلس اللوردات). ولم يستطع الانجليز نزع ارضه. وانتظروا الى ان مات ووصلوا الى اتفاق مع ورثته. بمعنى ان الامر لم يكن همبته. وكان هنالك امكانية الاستئناف.

ويقول بابكر بدري الذي كان كثير المشاكسة مع الانجليز انه ذهب في سنة 36 للسير جلين السكرتير الاداري هذا بعد المعاهدة المصرية الانجليزية. وهاجم الاتفاقية وقال (لا ينالنا منها فائدة نحن معشر السودانيين. فقال لي.. اشترط فيها رفاهية السودانيين، وتعيينهم في الوظائف الكبيرة التي يـؤهلون لها لكفاءتهم قبل المصريين والإنجليز. وقلت له ان الكفاءة السودانية موقوفة على شهادات رؤساءهم من المصريين والإنجليز. وهم يريدون الوظائف الكبيرة. إذا لا تزال محجوزة لهما.. قال لي.. ما الذي تطلبه للسودان؟ قلت اطلب للسودان حفظ الجنسية وحفظ الاطيان.. فقال لي .. ان الاطيان من سنة 1907 حفظناها لكم. الم ترى ان الاجانب الذي سبق ان اشتروا اراضي في جزيرة توتي وفي الجزيرة الكبرى لم تسجل لهم. وأنك من سكان رفاعة ولقد حرمتك الحكومة شراء اراضي في الجزيرة. فهذا دليل على حفظ الاطيان من كل أجنبي بالسودان. اما الجنسية هي موقوفة على استمساككم بها وليس للحكومة دخل فيها. فاقتنعت بقوله وخرجت. لم يكن هنالك سوي 700 بريطاني اداري في كل السودان. ولم يكن هنالك استيطان. أحد المسئولين دخل بحصانه فناء حوش مسجد ود ارو في امدرمان بالخطأ. فقام من كان نائما بضرب الحصان بالمركوب وهو يصرخ، كافر نجس، وجاهد البريطاني في كبح جماح حصانه وهو يعتذر. وذهب لحاله ونواص مع بابكر بدري في الجزء الثاني وعندما يتكلم عن تحديد الحدود في الجزيرة في بداية القرن…ويقول

في هذه السنة تعهد يوناني بتوريد الحجر لتحديد اطيان الجزيرة لممتلكيها حتى إذا محت الجسور تكون محفوظة بالحجارة التي توضع في الزوايا الاربعة. وخصص المتعهد بمدني جزء من العهدة للخواجة جورجي كلمنيانوس المقيم برفاعة.. جئته يوما لأحصل منه اجرة دكاني. في اثناء الحديث جرى ذكر الشيخ عوض الكريم عبد الله أبو سن. فهاج جورجي. وقال الولد ده ما يريد ان يسكت حتى نضعه في السجن؟ فقلت له انت تضع عوض الكريم في السجن.. فقال نعم .. فقلت ..الآن اخبره انا بقولك هذا. وذهبت الى عوض الكريم فلما اخبرته كان رده (شنسيل) اي ماذا اصنع له.. وفي ظهره المأمور يشرب معه كل ليلة (طبعا المأمور مصري) فقلت له انت ما تستطيع تجمع الجمال وتورد الحجر للحكومة بدلا من جورجي. قال هل يمكن تحويل التعهد لنا. قلت ممكن تحويل مأمورية جمع الجمال وصرف قيمتها لأهلها بواسطتكم. وجمالكم هي التي تنقل الحجر الآن. واهلها دافعوا الضرائب. اما جورجي فلا قيمة له إذا طلبتكم ذلك. قال أخبر الشيخ بذلك.. اي والده. وشجعته فذهب للمستر منكريف مفتش رفاعة فأمره بتقديم طلب وصى عليه لسعادة اللواء ديكنسون باشا الذي سر سرورا عظيما وصدق له بتوريد جميع الحجر بواسطة جمال الشكرية.  الحدود محفوظة بالحجارة والخرط معروفة والملكية موجودة..  الانجليز يحفظون حقوقنا والانقاذ تفرط فيها! ارجو هنا ملاحظة ان جورجي كان لا يمتلك الدكان بل يستأجر من المواطن الفقير بابكر بدري في رفاعة. الذي كان يمتلك 10 دكاكين، عندما وزع سوق رفاعة مع بداية الادارة البريطانية ولسكان رفاعة فقط. وقام ببنائها بيده بمساعدة بناء. وكاد ان يموت عندما سقط من رأس أحد الدكاكين.  الانجليز لم يكونوا ولن يكونوا ملائكة. ولكن كان هنالك العدل والقانون والنظام. والصحافة والرأي العام في بريطانيا.  زراعة القطن بدأت في طيبة ويذكر بابكر بدري. ان الفكرة بدأت في طيبة ويقول..

سنة 1911 فكرت حكومة السودان في تجربة الري في الجزيرة حضر سعادة ديكلسون المدير برفاعة وتصادف وجود الشيخ عبد الباقي حمد النيل برفاعة. تزوج بنت المرحوم الطيب العربي. فتقابلا بضبطية رفاعة. وطلب المدير من الشيخ عبد الباقي ان يبتدئ هذه التجربة بواسطة وابور يوضع بطيبة ومتى صحت التجربة يبدأ الري فعلا بوابور كبير بطيبة. فرفض الشيخ عبد الباقي وضع وابور حالا ومآلا بطيبة. فطلب المدير الشيخ عبد الله أبو سن يحسن للشيخ عبد الباقي وهو يرفض بشدة. وابتدأ المدير يظهر عليه الغضب رغم اناته. فأخذنا الشيخ عبد الباقي خارج المكتب وما زلنا به حتى ادخلناه على المدير موافقا. في سنة 1919 مررت على طيبة لتفتيش مدرستها فوجدت الإبل ترعى في اللوبيا كأنها في البطانة وحالة الحلة مظهرا للنعمة سكانا ومساكن. فقلت للشيخ عبد الباقي إذا رأت الحكومة تحويل المشروع من طيبة ماذا يكون رأيك؟ فقال لي (والله نتبعو محل ما تحولوا). فذكرته بتوقفه. فقال نحنا عارفين عدلهم. كنا نظن انهم ينهبون طيننا. ويحولونا منه ويجعلونه ملكا للإنجليز.  قمنا ونشأنا وشفنا الهتافات والمظاهرات ضد الاستعمار. ودرسنا الاشتراكية وكرهنا الرأسمالية والغرب والاستعمار والإمبريالية. اكتشفنا ان أحسن نظام مر على السودان كان لسوء الحظ نظام الادارة البريطانية. وهذه احدى المحن السودانية.  ما في انجليزي شال بوصة من السودان. وكان الانجليز وخاصة الحكومة الاشتراكية العمالية تدافع عن الانسان البسيط. ولقد حكم على اثنين من البريطانيين بالسجن لمشاركتهم في تجارة البرشوت. وهي التلاعب بالمواد التموينية أيام الحرب. وحكم القاضي الدرديري محمد عثمان عضو مجلس السيادة في الحكومة الاولى على بريطاني زائر بالجلد لسرقته تمثالا في بورتسودان. ونفذ الجلد في زمن الانجليز. والبشير يعفي عمن خدر فتاة وقام باغتصابها، وادين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق