سياسة

العجز عن التغيير لا بل عن فهمه

المحبوب عبد السلام المحبوب

يخطئ الاسلاميون السودانيون لو ظنوا أن التاريخ يمكن أن تعاد صناعته ويعطى نفس النتائج وفق منهج عملياتى يريد أن يختبر في المجتمع ما يختبر في مختبرات العلوم البحتة، ورغم أن التاريخ والمجتمع يتبدل أمام النواظر والبصائر فإن البصائر النافذة وحدها قادرة على اكتناه مدى عمق التغيير وسعة التحولات التي سيحدثها، فإبن خلدون بعد أن كتب مجلداته التسعة عن تاريخ الأمم جلس لاربعة أعوام يتأمل فيما كتب قبل أن يكتب المقدمة، بل إن السبب الرئيس الذي حداه لكتابة المقدمة هو ما أبانه في الصفحات الأولى من مقدمته: إن الانسان كأنما يتبدل من أصله والبشرية كأنما تستأنف من جديد. أما إذا غادرنا القرن العاشر الذي كان يُبصر عبره إبن خلدون تحولات البشرية الجذرية ويعجز الذين ولدوا في القرن الحادي والعشرين عن لمس تلك التحولات التي تعصف بهم، وجدنا وزير الخارجية البريطاني هارولد ماكميلان يخبر بكل ما أوتى الانجليزي من لباقة في خطابه عام ١٩٦٩ الجماعة العنصرية في جنوب افريقيا والذي اشتهر باسم ( خطاب رياح التغيير ) : بوصفي عضو رفيق في الكومنولث أقول إننا نرغب صادقين في دعمكم وتشجيعكم ولكنى أتمنى ألا يقلقكم إن قلت لكم بصراحة إن جوانب من سياستكم تجعل ذلك الدعم مستحيلاً إلا إذا قبلنا أن نخون مبادئ نؤمن بها حول حقوق ومصائر الشعوب الحرة.

ولو كانت العملياتية تجدى لأجدت مدير العمليات السابق وهو يخطط وفق ذلك المنهج لاحتواء التغيير مع إضفاء اللمسة اللازمة التي فرضتها طبيعة المؤسسات في دولة الانقاذ، فإذ كان التاريخ في منتصف ثمانينات القرن الماضي يقبل أن يتأخر الفريق عبد الرحمن سوار الدهب أياماً وليال عن القيادة العسكرية التي كانت ترى بوضوح ألا سبيل إلا الإطاحة بالنميري ونظامه وكان الشارع يغلى غلى المرجل لان ثقافته الفقهية كانت توهمه أن هنالك بيعة في عنقه لأمير المؤمنين الرئيس، فإن أحوال ثورة ديسمبر لا تشبه زمان انتفاضة أبريل ١٩٨٥ فلم يعد مجدياً مع الشارع ولا مع العالم الكبير أن تتقدم اللجنة الأمنية ببيانها يعلنه رئيسها ويمضى الأمر كما كان مرتباً له. بل إن التاريخ يعيد نفسه مرة كمأساة ومرة كملهاة وقد لا يعيد نفسه البتة في الزمان الجديد المتجدد، وقد كرر المحاولة أيضاً رئيس الأركان الأقرب بوضعه الى وضع المشير لاحقاً سوار الذهب لاستلام السلطة عبر بيان والسلام كما هو معهود في كل العالم عن انقلابات رؤساء الاركان قبل أن يتفاجأ كما تفاجأ الشاعر الجاهلي الذي عاد الى مكة بعد فتح الاسلام ولم يجد مثابته التي كان يكرع الخمر فيها فخاطب صاحبتها: وليس كعهد الدار يا أم مالك ولكن أحيطت بالرقاب السلاسل.

ولو كان التاريخ يعيد نفسه لنجح انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر واكتمل بدره هلالاً، فقد توهم الذين تبرعوا بالنصيحة المسمومة للفريق البرهان أن ما فعلوه في رمضان ١٩٨٩ يمكن أن يعاد في اكتوبر ٢٠٢١، إذا انتظمت الثورة التي حملت الكتاب في رمضان وعرفت بثورة المصاحف إشارة الى الاحتجاج على تجميد قوانين سبتمبر  واتفاق الميرغني قرنق يومئذ، بينما كان التنظيم يحكم خطوات للانقلاب فيذهب العميد الى القصر رئيساً ويذهب الشيخ الى السجن حبيساً، فلم يفلح اعتصام القصر في فيما أفلح فيه السيناريو القديم رغم أن التنظيم اليوم أثرى مالاً وأوسع انتشارا ولكن بلا رؤية ولا خطة كالتي كانت في الايام الخوالي ويمكن أن تقول بلا قيادة رغم أن المقارنة غير واردة أصلاً لكن تلك قصة أخرى. فالعقل القديم الذي صور لجماعة الاعتصام أن العودة القديمة الى جذور المجتمع (أمراء القبائل، شيوخ التصوف، الزعامات الأهلية الخ) وتعبئتهم ضد مشروع الحرية والتغيير وحشدهم حول القصر يمكن أن يعيد سيناريو منتصف العقد الثمانين من القرن الماضي، هو ذاته العقل البالي الذي صور لفلاديمير بوتن أن غزوه اليوم لأكرانيا لن يختلف عن غزو الاتحاد السوفيتي العظيم لتشيكوسلوفاكيا عام ١٩٦٨، والتي لم يسعف رئيس وزرائها دبوتشيك إلا أن يُتاتى ويعترف بشرعية الدبابات الروسية وهي تجوس خلال عاصمة بلاده، فبوتن لو شهد كل مؤتمرات العالم وهو فعلا يشهد كثيراً منها، لن يدرك أن العالم قد تغير والى الابد منذ دوبتشيك بل منذ غزوه القريب للقرم  في العام ٢٠١٤، فهو ربيب الكرملين الشيوعي الذي تربى فيه و قد كان والده طباخ القصر وهو ايضاً ربيب الكى جي بي الذي لا يؤمن الا بالقوة، وإذ وقف كثير من اصحاب الضمائر الحرة في روسيا نفسها ضد قرار رئيسهم الطاغية تجاوب معه كثيرون في العالم العربي وفي العالم الإسلامي وكما لاحظ الفيلسوف المغربي الكبير عبد الله العروي أن أكثر العبارات وروداً في العالم العربي تعليقاً على الغزو هي: ازدواجية المعايير، الاستكبار العالمي، الاستعمار الجديد الخ، بل هم يتوافقون تماماً مع رؤية بوتن التي اوردها في خطابه قبل يومين من الغزو والتي رددها بطريرك روسيا : إن الصراع هو امتداد لصدام جوهري بين العالم الروسي الأوسع والقيم الليبرالية الغربية.)

يؤكد مالك بن نبي وهو مفكر يحتفل به غالب تيار الاسلام السياسي دون استيعاب دقيق لأفكاره، يؤكد على مرحلة الصراع بين الأفكار القاتلة والأفكار الميتة، فوفقاً لنظرية الصراع الفكري هنالك دائماً أفكار مستوردة منبتة عن محيطها الأصيل ومستنبة في بيئة العالم الإسلامي وهنالك ايضاً أفكار ميتة تربتها الأصيلة هي ذات بيئة العالم الإسلامي ولكنها أضحت جسماً ميتاً يهدد جسد الأمة الناهضة عندما دارت عليها دورة التاريخ وماتت، فالتصوف الذي كانت طرقه يوماً فكرةً حيّة ترقى بالوجدان من عصبية القبيلة الى رحاب الدين أصبح اجتماعاً حول الزردة (طبق الفتة) وتغييباً متعمداً للعقل، فالعقل الغربي عندما ينحط يغرق في المادية والعقل الإسلامي (عقل المسلمين) عندما ينحط يغرق في الخرافة. وعندما ينصرف تيار الاسلام السياسي الذي كان قبل قرن من اليوم تياراً ثورياً واعداً هو اليوم فكرة ميتة عاجزة عن التواصل مع قوى المجتمع الحية من الشباب والنساء وفئاته المبدعة من الأدباء والفنانين، ولكنه يجد نفسه في التواصل مع الفئة الماضوية الساكنة مع الأفكار والرؤى الميتة والتي كانت إبان حملاته الجبهوية في ستينات القرن الماضي (جبهة الميثاق) وفي ثمانينيات القرن الماضي (الجبهة الاسلامية القومية) هي جذور المجتمع التي يبعث فيها الحياة بدعوته للشريعة ويحررها من أطرها القديمة لصالح مشروعه الحديث، بل هي اليوم في حاجة شأن تيار الاسلام السياسي نفسه الى التحديث والذي ربما يتيسر لها أن تبلغه لأنها كيان طبيعى يستجيب حتماً لتقدم التاريخ، سوى أن تيار الاسلام السياسي هو كيان مصطنع وفق مصطلحات علم الاجتماع السياسي وليس نعتاً يقصد به الاساءة، هو كيان مصطنع يتبدد في التيه من طنجة الى جاكرتا وفقاً لجغرافيا بن نبي نفسه وهو يعجز عن التحديث فضلاً عن الحداثة.

لقد جاءت الانقاذ نفسها مع آخر زفرة تنفسها العالم القديم في عام ١٩٨٩، إذ شهد آخر العام بداية التحولات المهولة قبل أن يشرق نور الفجر الجديد بتمامه خلال ثقوب جدار برلين، ففي ديسمبر من ذات السنة أفتتحت بوابة براندنبورغ وبدأت الجمهوريات السوفيتية بالتحرر واحدةً تلو الأخرى، ثم إنزاح الستار الحديدي عن دول شرق أوربا كافة وتجلت الولايات الأمريكية قطباً واحداً ونذير شؤمٍ على أحلام دولة الاسلام السياسي. وإذ تعذر وتعسر على قيادة الانقاذ المسترشدة بإلهام الحركة الاسلامية عندئذٍ أن تدرك عمق التحولات التي يقبل عليها العالم، فقد تأخرت المقاومة لها أعواماً لدى معارضتها، فلم تكن ثورة الاتصالات قد تقدمت كما هي اليوم وانطلت مخادعة الانقاذ بضعة أشهر على العالم الخارجي وريثما تتمكن قوى المعارضة من التجمع وتنظيم نفسها وتوثيق مواثيقها في بضع سنين ( التوقيع على ميثاق اسمرا في يونيو ١٩٩٥)، فقد تبلورت معارضة انقلاب ٢٥ اكتوبر قبل أن يقع الانقلاب فقد بدت إرهاصاته واضحة، بل إن معالم انهيار الوضع الانتقالي كانت بينة منذ ان حاصرت الانتقال ملةٌ متهافةٌ وأحاطت برئيس الوزراء بطانةٌ خاسرةٌ خاصةً في المرحلة الأولى، ورغم أن ذلك مما حسبه الانقلاب في صالحه فقد كانت دفعة التحولات وقوتها أكبر منهما، فمنذ الفترة الانتقالية لاتفاقية السلام الشامل (نيفاشا ٢٠٠٤) انبسطت مساحة للحرية رغم أنف الانقاذ وبسبب من ضعفها يومئذٍ، استمعت وقرأت وشاهدت الأجيال الشابة مئات الكتب والمقالات والمسرحيات والقصائد والأغنيات والأناشيد والأفلام ومعارض الفن التشكيلي كلها تصب في مجرى الوعى الجديد، بل توالت تطبيقات الاعلام الاجتماعي مع الثورة الصناعية الثالثة ومع ثورة الاتصالات برنامجاً إثر برنامج تنقل جلسات الاستماع وحفلات الفرق الغنائية الموسيقية والمحاضرات والبث الحى الذي يتيح لأيّما شخص أن يغدو محطةً للبث مهما استغلها وشغلها الانفصاميون والمنفصمون وغالبهم من هلوسة القديم الذي يرى في النور اشباح الظلام، فجاءت ثورة ديسمبر عنواناً للوعى الجديد من الذين درسوا وتخرجوا في مدارس ومعاهد وجامعات ثورة التعليم الانقاذية، ولكن كما يلاحظ مالك بن نبي أيضاً أن منهج التكديس والشيئية يذوب مع أول سطوع للشمس لتجلو عن الوجدان الجديد، فديسمبر هي أيضاً ثورة وعى من أجيال اليوم ضد سائر الأجيال السالفة، وهي أيضاً تحفر وتمضى في المجرى الأعمق للتاريخ الذي ظلت نجومه تضئ منذ الشرعة الدولية لحقوق الانسان والعهد الدولي لحقوق الانسان وميثاق الحقوق الطبيعية والاجتماعية ومواثيق البيئة وحتى سيداو.

يقترن ضعف البصيرة بالتاريخ والمستقبل ارتباطا وثيقاً مع ضعف الوعى بالعالم وربما الاستهانة بالعلاقات الدولية، فكانت جماهير الانقاذ دائمة التغني ( أميركا روسيا قد دنا عذابها)، حتى عندما بدأت معالم الوعى الجديد توثق صلاتها مع العالم وتبرز في حركات احتجاج ولو خافتة (قرفنا، شرارة، التغيير الان، المبادرة الشبابية)، ثم المنظومات الموصولة بالعمل الإنساني والخيرى والإغاثي (نفير، صدقات، شارع الحوداث) ثم في انتفاضتين (يونيو ٢٠١٢، سبتمبر ٢٠١٣)، فجاء ضعف التقدير لوقع انقلاب ٢٥ اكتوبر على علاقات السودان الخارجية امتداداً لاستهانة الانقاذ بالمجتمع الدولي، وإذ أمهل التاريخ يومها الانقاذ بضعة سنين بعد محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المصرى حسنى مبارك (يونيو ١٩٩٥) لتضحى بغطرستها وشيخها ومرجعيتها الفكرية والروحية ثم تبدل جلدها وتجلس لتوقع نيفاشا، لم تجد سلطة الانقلاب يوماً واحداً قبل تنقطع عنها المعونات وتتنزل عليها العقوبات وتجمد عضويتها في المنظمات الدولية والاقليمية، ويحتاج الانسان لمقدار هائل من حسن الظن حتى يتوهم أن الذي تبرعوا بالنصيحة القاتلة لم يكونوا يدركون ذلك.

    في الانتقال وفي غيره هو هنالك طريق واحد لحل المشكلات هو الطريق الصحيح أو كما يقال كثيراً في الصحافة العربية (لا يصح إلا الصحيح)، وإذ لا تعدم مشكلات الوطن أبداً من يبسط لها الحلول والبدائل من أبنائه النابهين النابغين في مختلف مجالات المعرفة، فإن الذي يعسر على الحس الإدراك السليم هو الغرض الذي يحرف الرؤية والهوى الذي يتلبث أصحاب الغرض، فقد توالت على السودان عدة مراحل وفترات وصفت بالانتقالية وهي كذلك بالفعل، كان آخرها قبل الثورة هي المرحلة الانتقالية التي امتدت لستة أعوام وفق ما نصت عليه اتفاقية السلام الشامل، وهي ايضاً وفقاً لنصوص الاتفاقية ووفقاً للذين وقعوها خاصةً في جانب الحركة الشعبية مرحلة تعيد تأسيس وحدة السودان على أصولٍ جديدة، تمثلت في الاعتراف بالتنوع الإثني والتعدد الثقافي بالمواطنة المتساوية أصلاً للحقوق والواجبات وبإجماع الشعب مصدراً للتشريع ثم بوثيقة الحقوق والحريات، كما نصت في أول فقراتها على المصالحة الوطنية الشاملة التي يقودها طرفا الاتفاق الوطنى والشعبية، وبالتمييز الإيجابي الشامل للمناطق التي همشت مدى تاريخ الدولة السودانية، ووضعت لذلك البرامج والخطط المفصلة والمصفوفات الموقوتة، فكانت خريطة الانتقال واضحة كما كانت واضحة اول انتصار ثورة ديسمبر المباركة وكما هي واضحة اليوم. فنجاح الانتقال وإنقاذ السودان من التجزئة والتقسيم والتشظي ليس مرهوناً باستئناف العداوات واستعادة المرارات والتلبث عند روح الاقصاء والاستئصال ولكن بتمثل روح الوطن الذي يسع الجميع والاستمساك بالديمقراطية منهجاً لإدارة الخلاف، بل لقد أضحى مفهوماً لدرجة البداهة أن البلاد التي مزقتها الحروب والخلاف السياسي تحتاج ايضاً لقدر كبير مهم  من التسامح وأبدعت لذلك الصيغ التي لم تغفلها وثيقة الدستورية عندما أشارت للعدالة الانتقالية، ولكنها استعاضت عنها في الممارسة العملية بالإثرة إى استئثار الحكام دون سائر الشعب بالمكاسب وأهم من ذلك استفرادهم بالسياسة واحتكارهم للقرار أو كما قال النبي الكريم عليه السلام ستكون من بعدى إثرة. أما الذين جعلوا همهم الانتقام من الانتقال لأنه استلب منهم سلطةً حقيقية أو بالأحرى سلطة متوهمة لدى الكثير ممن يصطفون معهم، فانقل لهم كلمات الدكتور منصور خالد في شرحه لفلسفة المهاتما غاندي: على أن كثيرين يخطئون فهم المدلول الحقيقي للمعارضة التي كان يقودها المهاتما غاندي في الهند ضد الامبراطورية، إذ يصفونها مرة بالعصيان أو الجهاد المدني بيد أن ال آستيا قراها (الاسم الذي كان يطلق على الجهاد الغاندي) لا تعني هذا ولا ذاك، انما تعنى المغالبة الروحية أى هزيمة الخصم أخلاقياً. فالذي يحتاجه السودان  ليس الشقاق كما يعرف الجميع كما انه ليس السعي لاستعادة سلطة مجربة أفضت الى الخسران، ولو عن طريق الطرق المستمر بالدعوة للانتخابات التي تستبطن نقص القوى الجديدة في التمرس على حشد الدوائر وإدارة المنافسة عبر صناديق الاقتراع، فذلك هدفٌ ظلت الأجندة الغربية التي يكرهونها تضعه دائماً غايةً لأهدافها ومقترحاتها للحل، وهو الحل الذي انتهي بالبلاد التي لم تكمل وعيها بالديمقراطية ولم تقيم مؤسساتها وعلى رأسها الأحزاب المؤسسة على الرؤى والبرامج والمنتخبة قيادتها، انتهي بكثير من تلك التجارب الى الحرب الأهلية الشاملة Full Scale Civil War.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق