ثقافة وفن

حكاية أغنية محمد منير

أ. د. محمد أبو الفضل بدران

فرحتُ كثيرا بعودة الفنان محمد منير لجماهيره التي عشقت صوته وصدقه وأداءه وكلمات أغانيه، قيمة عالية نفتخر بها، وقد حضرتُ له قبل سنوات حفلا في مدينة بون بألمانيا في فضاء «راين أوَا» كان يغنى كأنه بطل شعبي بين الناس في مسرح مكشوف حضره آلاف الألمان مبهورين بأدائه وصوته وإيقاع أغانيه المبهر الأَخّاذ، وبحق فقد اغترف منير من التراث الشعبي الصعيدي غَرف المحِب الواعي بأهمية هذا الفولكلور وجمال إيقاعه المتوارث، كان الحفل مبهجا ورائعا، لم يفهم الجمهور الألماني كلمات أغانيه لكن المترجم أجاد في ترجمة كلمات كل أغنية قبل أدائها وإن توقَّف أمام كلمات لم يستطع ترجمتها فألْمَنها مثل «شمندورة» في أغنيته الشهيرة «يا شمندورة» لأن المترجم لم يكن قد قرأ الرواية الأولى في الأدب النوبي «الشمندورة» لمحمد خليل قاسم رائد الأدب النوبي فالشمندورة هي العلامة العائمة المربوطة بسلسلة في قاع النيل تطفو حتى يعرف رُبان السفينة آخر المجرى العميق المسموح له بالإبحار فيه حتى لا تغرس السفينة أو القارب وقد تكون الشمندورة اسما لفتاة لكنها كلمة نوبية عُرّبت مثل غيرها من الكلمات.

أعود لمحمد منير وأغنيته «للى» التي كتب كلماتها الفنان أكرم حسنى ولحنها أيضا ودارت حولها اتهامات لكاتبها وملحنها بالسرقة الشعرية في بعض كلماتها من الشاعر عادل صابر وكان هذا تساؤلا من الأديب أحمد أبو دياب لأنه رأى تشابها بين بعض كلمات أكرم حسنى وما كتبه من قبْل الشاعر عادل صابر ودافع أكرم حسنى عن نفسه بأنه توارد خواطر، والأعجب أن اللحن أيضا مأخوذ من تراث فولكلوري وهو ملك الجميع ومن حق محمد منير وغيره أن يغنيه وليس منير أول من أخذ لحنا تراثيا بل كثيرون قبله أغاروا عليه ولحنوه ومن عجب أن كل واحد منهم نسبه لنفسه! وهذه قضية يفصل فيها الموسيقيون، نأتى للكلمات هل أخذ أكرم حسنى: «اللي فتح باب الوجع واجبْ عليه ردّه» من الشاعر عادل صابر الذي كتب قبل سنوات «اللي فتح باب خراب واجب عليه رده».

وتوارد الخواطر يكون في الأفكار والصور لكن أن يأتي في الألفاظ فهذا لا أقبله كناقد وليس في الأمر إنقاص للفنان أكرم حسنى لو قال إنه أخذ هذا السطر من عادل صابر ويعتذر ويشرك عادل صابر في الحقوق الأدبية والمالية وينتهى الموضوع لكن أن يقول توارد خواطر فأعتقد أن التوارد الخاطري لا يأتي لفظا فكيف يقع الحافر على الحافر…

الشاعر عادل صابر شاعر قوى متمكن وأراه عمدة الموال وفن الواو في مصر وأكرم حسنى فنان فدعونا نستمتع بصوت الفنان محمد منير وبلحن تراثي قديم وبكلمات فيها من الحكمة والفلسفة اختزلها الفن الشعرى من قديم، وحتى لا يزعل الفنان أكرم حسنى من كلمة السرقة فالمتنبئ اتُّهِم بسرقة أبيات شعرية ولو قرأت كتاب أبى سعيد العميد «الإبانة عن سرقات المتنبئ لفظا ومعنى» لرأى أن هذا يقع قديما وحديثا ولا أبرره ولا أدعو إليه لكنى أرصد ظاهرة، وقد يكون من التناص أوالتلاص، ومعظم الشعراء الكبار وقعوا في هذا وذاك؛ وأما قول أكرم حسنى إنه ألف 20 بيتا اختار منها الكينج منير 12 بيتا فحبذا لو نشر لنا الثمانية أبيات التي لم يخترها منير والرجوع للحق فضيلة أما حكاية توارد الخواطر فهذا يُقبل لو أن شيطان أكرم حسنى الملهِم قريب شيطان عادل صابر أو أخوه لزَمْ.. هيا بنا نسمع الكينج ونترك الشعراء وهم في النهاية حبايب.

أحمد مرسى وداعاً

وراح كلٌّ يُعزّى فيه صاحبَه

كُلٌّ يلوذ بصبرٍ لا يوافيهِ

كم أتعب كثيرا في تحويل الأصدقاء من خانة الأحياء إلى خانة الموتى في الذاكرة، يغدو هذا التحول عصيّا حين يرحل صديق صدوق كالدكتور أحمد مرسى الذي ما رأيته إلا مبتسما، حمل على كاهله فنون الأدب الشعبى وهموم المثقف المؤثّر الذي لا ينفصل عن الواقع الثقافى، عرك الحياة فأتى بأمثالها التي أدرك حكمتها فنشرها يوميا وصار قُراؤه ومحبوه ينهلون من بحر حكمته، أدرك أن الأدب الشعبى ليس ترفا وإنما هو جوهر الأدب وكنزه الذي اختزل الحكمة والمعرفة فصاغها في كلمات قليلة منذ عصور بعيدة فاقتطفها أحمد مرسى وكأن الجدود همسوا بها في أذنه فنقلها لنا، كان مخلصا لأصدقائه ولتخصصه ولبحوثه ولوطنه إخلاصا عميقا، في الفترة التي توليتُ فيها أمانة المجلس الأعلى للثقافة كان نِعم الأخ المعين المساند، كان يسعى لتذليل الصعاب والدفاع عن الحق وكأنه بطل من أبطال السّيَر الشعبية التي عشقها وقدّمها للقُراء والطلاب، كان أحمد مرسى صديقا للجميع ولذا أحس الجميع بفقده أخا وصديقا كما أن إسهاماته العلمية والإدارية في جامعة القاهرة وبنى سويف والجامعات العربية والعالمية وهيئة اليونسكو جعلته مرجعا معرفيا يفيد الجميع؛ بفقده فقدتُ أخا صديقا، لكن متى كان العمر يُقاس بالسنوات فعالِمٌ مثله سيظل في قلوبنا وقلوب أبنائه وطلابه ومحبيه، وداعا صديقى العزيز.

مدير جمارك المطار وكرتونة كُتب

من عجائب قرية البضائع والجمارك التي ينبغي أن تُحكي حتى تعرف الحكومة الإليكترونية أين وصلت فاقرأ يا مدير الجمرك ويا أيها القابعون في مبنى وزارة المالية: قبل ثلاثة أشهر أرسل لي بعض أصدقائي الألمان كرتونة كتب على عنوان بيتي لكنها احتجُزت من جمرك قرية البضائع وطلبوا أن أجئ بنفسي ليرسلوها إلى الأزهر لفحصها علما بأن الكتب أدبية تحوي شعرا ونثرا ولا كتب دينية بها ولا مذهبية؛ قَلت لهم: أرسلوها للأزهر ولكل الجهات التي تودون مشورتها، فقالوا لن نرسلها حتى تحضر إلى قرية البضائع بمطار القاهرة ولأني كنت مسافرا فلم أستطع أن أذهب فأعادوها إلى ألمانيا؛ ليرسلها الأصدقاء مرة أخرى وندور في الدائرة نفسها..

احضر بنفسك أو بتوكيل رسمي ليرسلوها للأزهر، فيا مدير الجمارك: نحن في دولة تنتهج طريقا نحو التقنية الحديثة والحكومة الإليكترونية فكيف يسافر العميل إلى مطار القاهرة كي ترسل كرتونة كتب للأزهر دون مبرر؟ أطالب بمساءلة هذا الموظف الذي أشار بإرسال الكتب للأزهر لفحصها دون معرفة بما تحتويه هذه الكتب؟ ومساءلة المسئول عن إرجاعها إلى ألمانيا في المرة الأولى وربما تعاد في المرة الثانية أيضا، هل يتدخل وزير المالية للإفراج عن كرتونة كتب أدبية أو تعود إلى ألمانيا مرة ثانية لتكون شاهدة على تعنت الجمارك في مصر وعدم فهمها للثقافة والأدب؟ ولن أذهب للمطار حتى يتفضل الموظف النابهة بإرسال الكرتونة للأزهر، هذا التعنت لو كان من موظف فلْيحاسَبْ وإن كان من لائحة أو قانون فليُغيَّرْ، ورقم الشحنة CY294478835DE لو أرادوا حلا أو على الثقافة السلام.

تطليع الشمس من الرأس

رجل في الثمانين من عمره يستند على جدار كرم نخيل جالسا على فروة خروف اختلط فيها اللون الأبيض بالأسود، يداه قويتان وعيناه كعيْنيْ صقر، يجلس القرفصاء يصطف أمامه – في سوق الثلاثاء بقِفط – أناس يجلسون على الأرض في انتظار دوْرهم في أن يقوم هذا الرجل الثمانيني بتطليع الشمس من رؤوسهم.. يتفحص هذا الرجل القابع أمامه ويضع يديه على صدغيْ المريض يحركهما وهو يضغط فوق أذنيْ ذلك المستسلم أمامه ثم يضغط على رأسه حتى تتجمع يداه في جبهة المريض بالصداع أو الأرق وفي منتصف الجبهة تتلاقى كفّاه في نقطة ما ثم يسحب يديه فجأة وقد أحس المريض أن شيئا ما قد خرج من رأسه، إنها الشمس التي تعشش في رأسه، شمس الصعيد الحارقة والأعجب أنهم لا يشكون بعدها صداعا أو أرقا..

كان هذا الرجل الأسمر العجوز يستوقفني بجانب بائع صور الأنبياء؛ عندما كنتُ طفلا أشكو من صداع عارض أقلد هذا الحكيم فأضع يديَّ على فوديّ ضغطا عسى أن أجمّع الشمس في جبهتي لأخرجها من رأسي كما كان يفعل هذا الرجل الصبور، وحتى اليوم لا أجد تفسيرا علميا لما كان يقوم به لكن مرضاه ممن أعرفهم ذهب الصداع من رؤوسهم مع طليع الشمس.

حكايا من التراث

ورد في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: عن أبي عبيدة قال: كان ابن ميادة واقفا في الموسم ينشد: لو أن جميع الناس كانوا بتعلة…

وذكر تمام البيت والذي بعده قال: والفرزدق واقف عليه في جماعة وهو متلثم فلما سمع هذين البيتين أقبل عليه ثم قال…: أنا والله أولى بهما منك، ثم أقبل على راويته، فقال: اضممهما إليك: لو أن جميع الناس كانوا بتلعــــــة  وجئت بجدي دارم وابــن دارم

لظلت رقاب الناس خاضعة لنا  سجودا على أقدامنا بالجماجم

قال: فأطرق ابن ميادة فما أجابه بحرف، ومضى الفرزدق فانتحلهما.

وروى الأصفهاني أيضا «وقف الفرزدق على الشمردل وهو ينشد قصيدة له فيها هذا البيت:

وما بين من لم يعط سمعا وطاعة  وبين تميم غير جز الحلاقــــــــــــم

قال له الفرزدق: والله يا شمردل لتتركن لي هذا البيت: أو لتتركن لي عِرضك فقال: خذه، لا بارك الله لك فيه، فادعاه وجعله في قصيدة له»

في النهايات تتجلى البدايات

الصباحُ يدقُّ على الباب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق