ثقافة وفن

جمعه كافي تيه

يحيى فضل الله

ذبح (الفاضل) ذلك (العتوت) الذي أهدته اياه (الرتينة)، شيخة سوق (اللبنويا)، وهي سوق صغيرة تكونت تلقائياً بمرور العربات التي تذهب نحو الشمال، تقع خلف هذه السوق وببعثرة في جميع الاتجاهات قرية (اللبنويا)، قطاطي القش تتخلل تلك الغابات وبتطاول متعمد استطاع الأهالي ان يبنوا تلك القطاطي على الجبال والتي لم تستطع التخلص من سيطرة الأشجار والخضرة، حشائش في كل مكان. تحت شجرة التبلدي الكبيرة تجلس (الرتينة) بكل تلك الحيوية، تتناثر حول الشجرة العناقريب المنسوجة من الجلد، بنابر صغيرة، متنأثرة، تستعد (الرتينة) لإنهاء عملية ذلك (العتوت) الملقى على الأرض سابحاً في دمه. كان هذا (العتوت) قبل مدة قصيرة يتقافز بمتعة لامتناهية على صخور الجبل البعيد، مرحاً، يمتص عذوبة ذلك الخريف، لكنها تعرف حب (الفاضل) العنيد لكل انواع اللحوم، وعدته في المرة السابقة بهذا الإحتفال الصغير حين كان يقول:- ( تعرفي يا (الرتينة) لحم الغنم بتاعكم هنا اطعم من غنم الشمالية ). ذكرت له مزايا الغنم الجبلية، غنم (التقر) فكان ان راح ضحية هذا الحوار الحميم ذلك (العتوت)، لم تحترم حتى طفولته. مسح (الفاضل) على طرف جلبابه المتسخ والمبقع بزيوت العربات، مسح يديه من الدم، إستعد (كجو)، مساعد اللوري، لعملية السلخ، أخرج (الفاضل) الحقة، كشح على فمه كمية من التمباك على طريقة سائقي اللواري حين يفعلون ذلك حرصاً على عدم إنفلات (الدركسون) على تلك الشوارع ذات المفاجآت المستمرة.

وصل (الفاضل) بعربته (السفنجة) ذات الغنة المعروفة لدى سوق اللبنويا، رغبة في الغناء، عرف سائقو اللواري كيف يحولون أصوات العربات الى أنغام، كأن كل العربة تتحول إلى آلة موسيقية يتحكم فيها السائق بضغطه على دواس البنزين، من بين كل هذه الأنغام كانت عربة (الفاضل) تعرف بطعمها الخاص، بذلك البوري الذي يغني (ود الجزيرة وصل… شاحن بصل)، عندها يتقافز الأطفال يركضون خلف العربة، تحس حتى الحيوانات بوصوله، (اللبنويا) محطة لا يمكن تجاوزها عند كل السائقين، يجتمعون فيها، يسترخون، يمارسون ذلك الحديث الخاص عن العربات، عن بطولاتهم الصغيرة والكبيرة، عن صراعهم مع ملاك العربات، قصص وحكاوي تستقبلها (اللبنويا) كل يوم وتخبئها في الرمال و الجبال والغابات، فتحت كل صخرة حكاية، في ألياف كل شجرة قصة، حياة كاملة تمارس بتلقائية صراعها، بأحلامها وأمانيها، بحزنها ويأسها، بصمتها وضجيجها النسبي.

وصل الفاضل الى (اللبنويا) عصراً، مخترقاً بعربته (السفنجة) كل إحتمالات السحب المرابطة في السماء، مطمئنا حين يرى (سوط المطر) بألوانه الزاهية معلقا في السماء، يعزف على العربة مقطوعة صغيرة عن الفرح، كان اللوري محملاً بشوالات البامية الناشفة (الويكة). إرتاحت العربة (السفنجة) قريباً في مكانها المعهود من شجرة التبلدي بعد زفة من الترحاب والسلام، ها قد تحول ذلك المتقافز الشقي إلى قطع وأكوام من اللحم، (الفاضل) يرقد على (عنقريب القد)، يمتص بتلذذ عميق شاي (الرتينة) الذي يشفي الصداع، (كجو) يفرد المشمع إستعداداً لتغطية شحنة (الويكة) من اي إحتمال ان تفسد بسبب امطار متوقعة، (الرتينة) تقلب اللحم على الصاج، تستعد لعمل شية الجمر، (الفاضل) ينتهي من شراب الشاي، رائحة التوابل المختلطة مع اللحم تثير شهيته المفتوحة دوماً، تعرف (الرتينة) ذلك، لهذا اعطته طوحال العتوت (ابو دمام) مشوياً على الجمر، بنهم مطمئن قضم (الفاضل)، (ابو دمام) بأسنانه المدربة على اللحوم ومسح شاربه إعلاناً عن النشوة.

إنتهى (جمعة كافي تيه) من العمل في (الجبراكة)، نظر إلى السماء طامعاً في ان تهطل، صعد نحو قطيته، كانت (الجبراكة) في المنحدر الملاصق للمنزل المكون من قطيتين وراكوبة، كان المنزل على الجبل حيث تجاوره شجرتان من أشجار النبق، صعد بخطوات متعبة حيث انه قد تجاوز الخمسين، هرب الأبناء الى المدن، منهم من دخل العسكرية ومنهم من إنطلق دون هدف محدد حيث الرزق، البنات تزوجن، وها هو (جمعة كافي تيه) يبدو منهكاً ومهدوداً بفعل إصراره العنيد على الكدح والكد، ليس هنالك مفر، زوجته (كاكا) ترقد على ذلك العنقريب المهتوك الكرش، تعاني ما تعاني من آلام، كانت ساعده الأيمن، داهمتها أمراض أهملها التشخيص حيث لا شفخانة أو مركز صحي، تداوت بمختلف الأعشاب حسب خبرة الانسانية مع المرض في تلك الاماكن النائية المجهولة.

دخل (جمعة كافي تيه) الى القطية، كانت (كاكا) تئن وتتقلب من الألم على ذلك العنقريب الذي يحاول وبإصرار التملص من مهمته، لذلك كان يشارك (كاكا) هذا الأنين المستمر، جلس على عنقربيه المتهالك، أخرج برمة العسل المخلوط بالسمسم المسحون، أخذ منها لقمة بملعقة خشبية ليست لها علاقة بشكل الملعقة المعروفة، مضغها، حاول ان يجعل (كاكا) تشاركه هذا الطعام، لكنها رفضت وهذا شيء عادي، منذ فترة بعيدة إبتعدت عن الأكل الا نادراً، كانت تعتمد على لبن (الغنماية)، ولكن (الغنماية) لدغها ثعبان فماتت، كل هموم الدنيا تمارس فعلها على وجدان (جمعة كافي تيه)، كثرت عليه الواجبات، يعد الطعام بنفسه، يرعبه هذا الأنين المستمر، يرهقه العمل في (الجبراكة)، يعذبه الحنين الى الأولاد والبنات، يحس بالظلم تجاه هذا الغياب، يحتاج إليهم، الآن بالذات، ولكنهم بعيدون، بعيدون جداً حيث لا يتصور ابداً، خرج بعنقربيه من القطية هارباً من ذلك الأنين، وضعه أمام القطية، إستلقى محدقاً في السماء، سحب سوداء وبيضاء وأخرى هي ما بين اللونين، يقترب الوقت من الغروب، الشمس تتوارى خلف السحب، يطارده الأنين، يعتدي حتى على ذاكرته التي يلجأ اليها معيداً اجمل تلك الأيام، احساس باليأس لكنه يتمرد عليه دائماً، شعور بالمسؤولية، يحاول إرهاق السنين ان يضعفه، لو كان الحمار حياً لحمل فيه (كاكا) الى مستشفى (الدلنج)، لو كان بالإمكان ولكن، لا بد من ذهابه الى (الدلنج)، يبيع كمية من عسل النحل التي إستخرجها قريباً ويشتري بعض الضروريات ويحاول ان يستدين من دكان (حمد الشايقي) مبلغا من المال يمكنه من ترحيل (كاكا) الى مستشفى (الدلنج) عبر عربة أو كارو أو حمار، المهم ان تصل إلى المستشفى، من ذلك الطرف الأقصى من قرية (انقاركو) الى (الدلنج).

حين دخل الليل، كانت البروق تلمع في البعيد، الرعود تسقط على تلك الجبال البعيدة من حيث كان يستلقي (جمعة كافي تيه) كم يتمنى ان تقترب السحب ببروقها ورعودها الصاخبة حتى تطغى على أنين (كاكا) المقلق للروح.

بنشوته كلها، خرج (الفاضل) بعربته (السفنجة) من (اللبنويا) ولم ينس ان يعزف عليها لحن الوداع الحزين، خرج مع الغروب، تلاشى صوت ذلك اللوري المغني عن آذان (الرتينة)، يسابق السحب، حصار الغمام حصار محكم على طول ذلك الشارع المسفلت حديثاً، شارع (الدبيبات، كادوقلي)، وعليه ان يصل إلى (الدبيبات) قبل عصر الغد حتى تشحن شوالات (الويكة) على قطار البضاعة الذي سيمر من (نيالا) عبر (الدبيبات) إلى (الخرطوم).

رفض (الفاضل) ان يحمل معه اي ركاب حرصاً على ان يصل قبل موعد القطار، وحرص خاص على التحكم في خط سيره، ان يرتاج متى ما اراد وأن يتحرك متى ما اراد، (كجو) مستمتع بعذوبة هذا الطقس ويستعد لكل الطواريء، متمدداً علي الشحنة المغطاة بالمشمع الثقيل، يداعبه ذلك النوم اليقظ، تشق العربة (السفنجة) عتمة الليل الحالك، وبصوت (الفاضل) المترنم بمقاطع من الدوبيت، يضغط على دواس البنزين متحكماً في غناء العربة، يجعلها تصرخ، تبكي، تضحك، تئن، الرعود لا تملك مع هذا الغناء إلا ان تساهم مستعيرة صوت الطبول الهدار، (الفاضل) مستمتعاً بتحكمه في الدركسون، نسائم رطبة، خريفية الرائحة تزيد من نشوة (كجو) المستلقي على شحنة (الويكة)، (الفاضل) يكشح سفة تمباك على فمه متوقفا عن الترنم مغيراً السلم الموسيقي لأنغام العربة بتحويله السرعة الى نمرة ثلاثة الى أربعة بمتعة عازف ماهر، أنوار العربة تسقط على الأشجار بجانبي الطريق، تبدو الأشجار متبرجة في هذا الليل وتستعد لعشيقها المطر، يطلق (الفاضل) لعربته عنان السرعة بينما تنطلق ذاكرته الى حيث الأهل بـ(الجزيرة)، يحلم بانتهاء هذا الموسم ليعود محملاً بالثروة، لكنه لن يستطيع ان يتخلى عن العمل في هذه المناطق التي تسلب القلب والروح، ها هو الآن في شوق شديد، ذلك الشوق الذي يدفع بهذه العربة للإنتهاء من مهمتها ليعود سريعاً الى (كادوقلي)، ليس مهما هنا (كادوقلي) ولكن عودته تعني ان يرتاح كما هي العادة في (اللبنويا)، حيث يمكنه ان يشرب اللبن في اي وقت يشاء، وحيث تهيم روحه العاشقة إلى حيث لا حزن تبعثه الذكريات.

فرح داخلي عميق احتل مساحته في أحاسيس (جمعة كافي تيه) بالرغم من أنين (كاكا) المستمر، أهدت السحب وهي في رحيلها إلى قرية (انقاركو) أمطاراً غزيرة، إنتشت الأرض، الأشجار مارست ذلك الزهو الناتج من فرحتها بلقاء الخصوبة، لذلك كان (جمعة كافي تيه) فرحاً ومحاطاً بالنشوة وهو يعلم ان بذور (الجبراكة) يمكنها الآن ان تطمئن الى خروجها من التربة معلنة عن الحياة، برغم ذلك الأنين الأزلي والدائم إستطاع ان يحس بالرغبة القوية في الحياة لذلك تحرك بنشاط مكثف نحو تلك (البخس) التي فيها عسل النحل، جمعها في كيس ولم ينس ان يلاطف (كاكا) حتى تشرب كم جرعة من عسل النحل وتواصل ذلك الأنين، صنع ناراً بين تلك الحجارة الثلاثة داخل القطية لمقاومة رطوبة الأمطار، وليصنع عصيدة الدخن كي يفطر بها في الصباح الباكر قبل ان يسافر الى (الدلنج)، بمتعة خاصة يتعامل (جمعة كافي تيه) مع تفاصيل العصيدة مستمتعاً بصوت ضربات المطر على صخور الجبل القريبة، تفاؤل ممتد ذلك الذي اصابه حين تحسس (بخس) عسل النحل وهي تستريح على الكيس، طموح عميق في ان رحلته غداً لا بد لها من ان تكون ناجحة ورأى في خواطره (كاكا) وهي معافاة تحش الحشائش من (الجبراكة) وتضحك بصوتها المبحوح حين يتذكرون الأولاد والبنات، رأى انه اشترى (غنماية) وحمارا أبيضا ومخزن الذرة ممتليء حتى ان هنالك بعض العيش في صفائح داخل القطية، رأى (جمعة كافي تيه)، الحياة مستمرة بسبب مواقعة المطر على تلك الأرض الصخرية التي لا تبخل مطلقاً بنمو البذرة، رأى كل ذلك وهو يحاول ان يصنع عصيدته الصباحية بالمفراكة.

فشلت كل محاولات (الفاضل) في الهروب من السحب، داهمته امطار غزيرة، لم يتوقف ابدا، (كجو) تغطي وتحمل لسعات الأمطار بصبر مجرب وخبرة صبورة، أضافت الطبيعية صوت مميز على الأنغام التي تصدرها عربة (الفاضل)، صوت سقوط حبات المطر الكبيرة على الأرض وأغصان الأشجار وعلى الإسفلت، توقف (الفاضل) في محطة (الكرقل)، منطقة عالية لذلك هي شديدة البرودة، لا زالت الأمطار متواصلة، التعب وحده هو الذي جعل (الفاضل) يستريح على هذه المحطة الخالية من البشر، ما عدا (حميدان) ذلك العجوز الهرم صاحب المطعم المتواضع المبني من القش على شكل راكوبة كبيرة تتناثر عليها العناقريب المتهالكة، الطقس يحرض على الجوع ولكن ما من شيء، تناول (الفاضل) احد العناقريب ووضعه في مكان من الراكوبة بحيث يضمن بعض الدفء ويتفادى قطرات المطر التي تنزل من على السقف، سرعان ما نام.

في ذلك الدغش المبلل بالأمطار، صباح مترع ونقي، أكل (جمعة كافي تيه) عصيدة الدخن بالعسل، لاطف (كاكا) حتى أكلت معه ما تيسر لها، تناول الكيس الذي فيه بخس عسل النحل ونظر الى (كاكا) نظرة يحاول ان يجد فيها ما يطمئن، إن عليها ان تنتظر قليلاً وتعود كما كانت نشطة ومرحة وتحب الحياة، نظر إليها بحنان أصيل وقديم قدم ممارسة الحياة معها، حمل عصاه وخرج، إن عليه ان يقطع المسافة من (انقاركو) وحتى (الدلنج) برجليه متيقناً من ذلك، خاصة ان المشي في هذا الصباح الخريفي لا يبعث على التعب، كما ان الرحلة ليست طويلة، حتما سيعود في المساء ليرجع في صباح الغد ومعه (كاكا) الى المستشفى، خرج من منزله متجهاً نحو شارع الإسفلت الذي يقود الى (الدلنج) مارا بسوق (انقاركو) الصغيرة البائسة، خطواته تبدو نشطه، تخلت عن ذلك الإرهاق، حاولت ان تتوافق مع آماله وطموحاته الصغيرة الكبيرة في اصرارها على الحياة.

شرب (الفاضل) لبناً ساخناً جهزه له (حميدان) في الصباح الباكر، قبل الطيور، وخرج من (الكرقل) بباقي ذلك النعاس، كان متمهلاً في سيره يحاول ان يستمتع بهذا الصباح الخريفي الغائم ومطمئناً إلى وصوله في الموعد المحدد للقطار متوقعاً ان يكون القطار متأخراً كعادته.

خطوات (جمعة كافي تيه) لا زالت نشطه متجهة نحو شارع الإسفلت، يحمل معه كيس عسل النحل، عصاه تضرب على الأرض متوافقة مع إيقاع خطواته، يمشي ويحلم بالحياة، وصل إلى شارع الإسفلت، إتجه نحو (الدلنج) محاذياً الشارع على الجهة اليمنى، خواطره تسبق خطواته في تحقيق أهداف رحلته هذه ،(كاكا) تخرج من المستشفى متعافية، حمار أبيض طويل، مراح من الأغنام، (كاكا) تحلب اللبن، الجبراكة تخضر ويمتلئ مخزن العيش، يسير في محاذاة الشارع ولا يهتم مطلقاً باللواري التي تمر على الشارع دون ادنى إلتفات اليها، كما انه لا يهتم بإيقافها، مهتماً فقط بأحلامه الصغيرة التي تبعث على الحياة، هكذا، يمشي (جمعة كافي تيه)، قاصداً (الدلنج) ناسياً كل إرهاق السنين، تاركاً وراءه أنين (كاكا) المرهق.

يحيي (الفاضل) الحلاّل والقرى التي يمر بها بذلك البوري المغني، على جانبي الطريق يرى اولئك الزارعين ولا ينسى ان يداعبهم بتحية حارة، أسراب من جداد الوادي تسرح هناك بين الاشجار، عصافير ملونة تتقافز على أغصان الأشجار المزهوة بنفسها، يترنم (الفاضل) ويمارس عزفه على العربة التي إزدادت سرعتها، (كجو) مستلقيا على الشحنة في تلك اليقظة النائمة، كانت العربة تجري وتعزف أنغاماً تخلو تماماً من الحزن، (الفاضل) نقل فرحته المشبوبة العارمة إلى صوت العربة من خلال حركة رجله على دواس البنزين ومن خلال تغييره لسرعة العربة من نمرة الى نمرة متحكماً وبمتعة في (التعشيقة) والدركسون، يتفادى مراح من الأغنام يحاول ان يعبر الاسفلت .

مستمتعاً بخطواته وخواطره كان (جمعة كافي تيه) يمشي ويمشي ويمشي، حالماً بنهاية أزماته المستعصية، يرى اولاده قريبين بدلاً عن ذلك البعد المحتوم بسبب المدن والأرزاق، هذا الخيال يحول دواخله إلى فرح يقود تلك الخطوات المسنة، بنشاط، بحيوية، ينظر الى الأمام مستمدة قوة دفعه من كل تلك الذكريات القديمة، يمشي لا يلتفت إلي الوراء، لايهتم بالعربات و اللواري التي تتخطأه، غارقا في ذاته، تمتزج خيالاته المتفائلة بأنين (كاكا) فيخاف ان يهرب منه الفرح الداخلي، يقاوم بتلك الأحلام التي تقول ان (كاكا) خرجت من مستشفى (الدلنج) تحب الحياة وتمارس حيويتها الفاعلة في المكان كله، المنزل، (الجبراكة)، وحتى تفاصيل صنع العصيدة.. فيمشي ويمشي ويمشي.

(كاكا) داخل القطية لا زالت تئن، وودعت زوجها بعينين فاترتين، لا تقوى حتى على الكلام، لا تستطيع ان تجلس على العنقريب، وحيدة وسط هذا الطقس الذي يشجع على الحياة، لكنها فقدت هذا الإحساس، حاولت ان تغير من رقدتها فسقطت من على العنقريب، تحاول الآن ان ترجع إلى العنقريب، تحاول بمشقة تظهر من خلال ذلك الأنين المكتوم.، انها تحاول.

العربة (السفنجة) تجري وكأنها ترقص فرحة بكل هذا النقاء الخريفي الذي يتميز به هذا الصباح، تخطى الفاضل قرية (انقاركو) متجهاً إلى (الدلنج) بعد ان خص تلك القرية بتحية من ذلك البوري المغني، لوح له بعض الأهالي بالتحية.

من ضمن العربات واللواري التي مرت على (جمعة كافي تيه) وهو في طريقه إلى هناك، إلى (الدلنج) حيث يمكن ان يحقق احلامه، مرت العربة (السفنجة)، عربة (الفاضل) به، تجاوزته العربة بعد ان قذف (الفاضل) على اذنيه بتلك التحية الحميمة، لم يهتم (جمعة كافي تيه) لذلك كعادته وما أكثر ما مرت به اللواري والعربات وهو في حالة عدم الاهتمام هذي، تتجاوزه العربات واللواري وهو يمشي، يمشي بخطواته وخواطره الحالمة.

بعد ان تجاوز (الفاضل) هذا الرجل المسن بمسافة بعيدة، فجأة قرر ان ينحاز لكل هذا القدر من الفرح الذي في داخله، قرر ان يصحب هذا الرجل المسن معه، أوقف العربة، بمتعة متناهية عدل وضع (التعشيقة) إلى الخلف نحو ذلك الرجل المسن الذي يدعى (جمعة كافي تيه)، العربة ترجع إلى الخلف بأنغام فرحة جداً، (جمعة كافي تيه) خطواته النشطة إلى الأمام، العربة ترجع إلى الخلف، خطوات الأحلام كلها إلى الأمام، كان (جمعة كافي تيه)، تائهاً في افكاره وخيالاته حين اوقف (الفاضل) العربة امامه، قائلاً:- ( اركب يا عمنا واصل وين؟ )

ماشي دلنج

بفرح ممزوج بالخوف من ان يطالبه السائق بالأجرة.

اركب حنوصلك.

(قروش مافي)، قال (جمعة كافي تيه) بكل ذلك الصدق الذي عادة ما يهزم الفقر.

يا حاج قروش شنو؟ اركب ياخي

(كجو) ساعد (جمعة كافي تيه) على الصعود، أجلسه معه على شحنة (الويكة) وتحرك (الفاضل) بعربته الى الأمام، إزداد الفرح الداخلي لدى (جمعة كافي تيه)، خاصة ان ارض احلامه قد اصبحت قريبة بواسطة هذا السائق المحسن.

في غمرة نشوته كان (الفاضل) يسرع بالعربة حتى انه لم يتوقع ان يمر على الشارع مراح من الأغنام، حاول ان يتفاداه بسرعة، مالت العربة، وسقط (جمعة كافي تيه) مقذوفاً بسبب هذا التفادي السريع، سقط من فوق شحنة (الويكة) على الجانب الآخر من شارع الإسفلت، سقط على رقبته، دق عنقه على الإسفلت، صاح (كجو) بهلع كي يتوقف (الفاضل) الذي توقف بعد فترة:- ( الراجل وقع )

يا زول؟

رجعت العربة إلى الخلف مرة اخرى، نزل (الفاضل) و(كجو)، حيث كان يرقد (جمعة كافي تيه) جثة هامدة، مات، بكى (الفاضل) بصوت مسموع، بكى لأنه أحس بالندم، لماذا أصر على ان يركب معه هذا الرجل المسن؟، اصرار غريب، رجع إليه بعربته دون ان يطلب هذا الرجل ذلك، مات (جمعة كافي تيه) بين (انقاركو) و(الدلنج)، بين احلامه وأمانيه ورغبته في ان تستمر الحياة.

حين سقط (جمعه كافي تيه) من على ذلك اللوري القدري جداً، كانت (كاكا) لا زالت تحاول ان ترجع إلى العنقريب الذي سقطت منه وحين لفظ (جمعة كافي تيه) أنفاسه الطموحة والغالية على أسفلت ذلك الشارع كانت (كاكا) قد زحفت خارج القطية وبمجهود مضن جداً، مدت رأسها خارج باب القطية بينما كانت بقية جسدها في الداخل، استنشقت بعمق هواء هذا الصباح الخريفي الغائم وكانت تنظر إلى هناك حيث ذهب (جمعة كافي تيه)، كانت تحاول ان تعرف إحتمالات وصوله المتعددة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق