ثقافة وفن

تأملات في شِعريّة عمر الصايم

إيماءات الكون للأنا نموذجًا

نوال حسن الشيخ

تُعدُّ الكتابة عن تجربة عمر الصايم الشعرية، بالنسبة لي مغامرة كشفِيّة كما هو حالي لحظة قراءة مجموعته الموسومة ب (إيماءات الكون للأنا)؛ تلك القراءة الاستياهمية والممتعة، وهي تتيح التجوال في شعرية ذات خصوصية. كنتُ قد لاحظت هذه الشعرية في سرديات عمر الصايم نموزجًا (مارخدر، أوان وردة الأبنوس) ولكنها شعرية في سياق تأسيس بنية القص، والكاتب من القلائل الذين يجيدون التنقل بين الأجناس الأدبية بنفس البراعة والإدهاش. هذه القدرة على التنقل في حقل الكتابة الإبداعية شكلت إثراء لروافد التجربة الشعرية، والتي تغنتني من القراءة والتجربة الحياتية، وما ينتجه ويشكِّل وجدان الشاعر.. ولكن تتميز التجربة الشعرية فيما بعد عن كافة الأشكال الأخرى بما تمثله من شحنات وجدانية عالية، تنمو في انفعالات الشاعر، او تبرق كإشراقة صوفية، في تلك اللحظة التي يجهد الشاعر نفسه في اقتناصها والتعبير عنها بقاموسه الشعري.. لا ازعم أنني بصدد نقد التجربة الشعرية في مجموعة (إيماءات الكون للأنا )، مستخدمة أدوات النقد ومناهجه، ولكنني بدأت أكتب وفي دواخلي رغبة الغوص في النصوص واستكشافها، ثم التحريض على قراءة هذا المتن الشعري شديد الخصوصية.. وكما في القصيدة الأولى سرت مستهدية بها:

«لا أحتاجُ جموحًا

ولا صفاء؛ لأكتبَ.

عالمنا ليس رائق المزاج،

وأشياءه ليست مُنَضّدة

كممراتٍ في حديقة مزهرة

لا أحتاج قهوة، ولا فكرة تُسمى صائبة؛

لأكتبَ..»

عبر هذه المعاناة في تخلق الكتابة، وما سيصحبها من تجليات القراءة، متعتها، وكشوفاتها سأكتبُ بعضًا مما خطر لي، ومثًل رؤيتي وتذوُّقي للديوان الأول لعمر الصايم، (إيماءات الكون للأنا) الصادر في العام 2021 عن دار المصورات للنشر، في 77 صفحة من القطع المتوسط.

• العنوان:

الإيماءة هي حركة جسدية تحمل معنى، يقوم شخصٌ بالتقاطها وتفسيرها، وهنا نجد الإيماءات صادرة من الكون، موجهة نحو الأنا، والتي عليها التقاط الإيماءات وتفسيرها والأخذ بها، او رفضها. الأنا هنا ليست متعالية، او كائن منفصل، فهي انعكاس للآخر، ونتاج تفاعله، نشأت ونَمَت في سياق شروط محيطة بها، ولا يمكن لها أن تكون على ما هي عليه إلا ضمن السياق الكوني.. طبيعة الشعر كلحظة حوارية مع الذات وتجلي لرؤيتها ورؤياها تجعل الأنا بارزة في النصوص الشعرية، ولكنها هنا تبدو أنا متدامجة مع الآخر، متحاورة مع ما حولها من أحياء وجمادات، في قصيدة ( فتقٌ صغير) نقرأ:

«عندما ينفتقُ قلبي على مصراعيه،

يومًا ما حين تنبتُ لي عاصفةٌ،

ويحلقُ جسدِي عميقًا

كطائرٍ وحيد؛

سأدركُ – من علٍ- حقيقةَ الأشياء

سأواجِهُ وجعي وجهًا ليد..

ولَنْ أُنافِقَ عُري،

وسُوءَ رُكْبَتَيّ إبان الصُّعود.

أسابقُ أخيلتي

على أحْصِنةِ التّجَلِّي،

سأستمتعُ بخطوي،

خُلوتِي،

وخباءِ الحبيبةِ المغَلَّف بالمطر.

يومًا ما حينَ أنجو لنفسي،

وأخلو بروحِ الكائناتِ،

سأستعيدُ هديرَ الوقتِ،

والضَّحكاتِ الضَّائعاتِ..

أرْسمُ جسدي من جديد..

كيفما أشاءُ. «

وهنا يمضي النص مصوغّا بتاء المتكلم، التي لا تعكسُ ذاتها الضيقة، ومساحتها المحدودة، ولكنها تعكس الآخر الكامن في نشوئها وحيويتها.. وحتى عندما نجد نصًا يستخدم فيه الشاعر ضمير المخاطبة، يجرد الشاعر من نفسه آخر، ويوجه له الخطاب؛ إذن الأنا حاضرة من خلال الآخر.. في نص (نشيد التشبيه) يقول:

«تَفْعَلُ مَا يَجْدُرُ بِعَاشِقٍ

كَأَنَّكَ هُوَ

هُوَ كَأَنَّك!

فِي طَرَفَي التَّشْبِيهِ أَنْتَ،

لا شَيءُ يُعَادِلُ صَمْتَكَ

لا شَيءُ يَمْلَأُ صَخَبَكَ. «

الكون الذي يرسل إيماءاته للذات الشاعرة، في تصوري أيضًا أنه يتبدى بمحمولاته الشعرية، ليس كتلة صماء، ولا فسيفساء مصطنعة، إنه كل النقائض، والمؤتلفات في الحياة، وهو الآخر في تجلياته المتنوعة.

ربما ينظر البعض إلى العنوان بدلالات صوفية محضة، وربما غير ذلك، ولكن الدخول إلى المتن من عتبته سيكشف المثير عن النصوص وما فيها من جماليات ورؤى.

• اللغة الشعرِيّة:

«أشعر أنني صفار بيضة

أعياه التخثر،

ما صار كتكوتًا،

ولا طال فم طفل يشتهيه.

أكلما حلمت بالخروج

أوصد القشر طريقي؟

وملأتني رائحة الكالسيوم والرماد؟!

كل الحرائق بغتة

تأكل غاباتي،

وما تبقى من أمنياتي.»

هكذا تظهر اللغة الشعرية في هذا المجتزأ من الديوان، لغة لو قيلت في غير الشعر لسمعناها في المطبخ او خلطات التجميل، ولكن هنا يتم زرعها في حقل جديد، لتشيد بناء شعري ناضح بالحسِّ والحيوية.. يستلف الصايم لغته من الواقع، من خزين اليومي والعادي، وببراعة ينسجها من جديد محمّلة بمعانٍ ومدلولات جديدة، تكثف الشعور، وتعمق اللحظة الشعرية ومعانيها.

تتناثر في هذه المجموعة الاستعارات، والرموز التي تمنح اللغة شعرية أعلى، مع الحفاظ على وضوح المعنى وقربه من المتلقي، فهي ليست استعارات ومجازات تعيق المعنى وتعطل القراءة بصنع الغموض المفتعل، والملاحظ أن الكثير من شعراء الحداثة يميلون إلى كتابة قصيدة مدفونة في رمال من الرموز المتحركة، حتى تبدو وكأنها متاهة من اللغة.. في ديوان أستاذ عمر الصايم نجد الكثير من الرموز، وفي المجتزأ أعلاه نرصد من الرموز (القشرة، الرماد، الكالسيوم، وصفار البيض) وستجد في المجموعة رموز مبثوثة بكثافة (أحصنة، خباء، صرح، مكنسة، شجرة، الأشباح..إلخ) هذه الرموز لا تعمي البصيرة عن المعنى، إنما تمنحه وضوحًا وجمالية أوقع في النفس. ومن الملاحظ عدم انتهاج الكاتب لأسلوب تكرار الجملة كوسيلة لتقوية المعنى وزيادة شعرية اللغة، وهذا في تصوري يعكس مدى الدفق الشعري لحظة ميلاد النص، وقدرة الشاعر على التقاطه وترجمته بقاموسه الخاص.

• المعنى الشعرِي

النصوص – أي نصوص- عبارة عن بناء لغوي، داخل هذا البناء تكمن المعاني، وهي تختلف باختلاف الذات المعبرة عنها، رؤيتها للكون، وطريقتها لمعالجة الرؤية وترجمتها في شكل نص شعري.. يطرق عمر الصايم المعاني المطروحة منذ القدم، الحب، الموت، الوطن، الحرية، الأمل.. إلخ. يلتقط هذه المعاني ولا يعيدها ككلام مكرر، تراه يبث فيها لحظته الشعرية، تصوره، معاناته الذاتية مع المعنى، تأثره به، وتأثيره عليه، مثلًا يقول عن الحب في قصيدة (مجتزأ السكوت)

«مَا لَمْ أَقُلْهُ لَكِ:

إِنَّنِي نَزِقٌ، مُرَاوِغ!

أَخْشَي قَبْضَةَ الأُنْثَى،

وَنَيْرَ عَيْنَيهَا.

أَخْشَى وَجْنَتَيهَا.

أَخَافُ اِرْتِطَامَهَا فِي قَاعِ ذَاكِرَتِي،

تَكَوُّمَهَا عِنْدَ بَوَّابَاتِ الخُروجِ

مِنِّي،

اِنْزِلَاقَ أَحَاسِيسِهَا القَصِيَّة

فِي الصَّمْتِ

المُنْتَمِي إِلى المُنْتَأَى..»

فبينما يلتقط معنى الحب، يقرنه بالسكوت، وتلك الخشية التي تصيب العاشق. هنا تحمل اللغة طاقة الحب الزاخرة، وتفجرها داخل القصيدة. يحدث نفس الانفجار عندما يربط الثورة كفعل بالحياة كاستحقاق جميل، من قصيدة (ميلاد يانع)

«فِي أَيَّامِ الثَّوْرَةِ يَبْحَثُ الثَّائرُ عَنْ دِفْءِ الحَبِيبَة،

عَنْ مَذَاقِ القُبُلَاتِ المُنْتَزَعَةِ خِلْسَة،

مِنْ دَفْتَرِ ذِكْرَيَاتٍ وأُغْنَياتٍ هَرِمَة.

يَضْحَكُ عَلَى أَخْطَاء رَسائِلِه القَدِيمَة،

ودُموعه التِي هَرَبَتْ مِن عَيْنَيه فِي غَيْر مُنْسَكَبَاتِهَا.

يَشْتَهِي النِّيلَ،

شَبَقَ المَوْج فِي الضَّفَة،

قَهْوةَ المَسَاءِ،

عَلى مَقَاعِدٍ مُتَعَرِيَّة

تَقِفُ بِأَقْدَامٍ مِنْ اللهْفَة،

كُحَّة مَكْتُومَة تَتَوَسَّطُ الجلسة.»

عندما فرغتُ من قراءة هذه المجموعة الشعرية ساءلت نفسي، ما هو الشيء الذي منحتني له؟ برقت في ذهني تلك الأضواء التي شعًت من اللغة لتقول لي: إنه الأمل، الإيمان بالحياة، وبطاقة الإنسان وقدراته غير الظاهرة.. فقلت في سري، وأقولها هنا الآن شكرًا عمر الصايم فقد وهبتني حقلًا من الجمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق