ثقافة وفن

الطيب صالح … حكايات

(1)

عجبت كيف أن شيئا يقود إلى شىء وطريق يؤدى إلى طريق. لقيت في باريس صديقي الرسام السوداني المعروف الدكتور راشد دياب وهو شاب واضح الموهبة تخرج من كلية الفنون في الخرطوم وحصل على شهادة الدكتوراه في الفن من جامعة مدريد حيث صارا أستاذا وهو الأجنبي الوحيد الأستاذ في جامعة مدريد. عرفني بشاب إسباني اسمه (بابلو بنيتو) وهو ايضا أستاذ في جامعة مدريد.

جلست معه ذات صباح في مقهى على ساحة (بلاس شارل ميشيل) في الحي الخامس عشر وغير بعيد من نهر الـ (سين) اكتشفت انه مسلم ويتحدث اللغة العربية بفصاحة غير عادية. كان وجهه مضيئا بحبور وعيناه الفاحمتا السواد، يبتسم كثيرا ويضحك. من اين ايستمد كل تلك السعادة؟ أهدى إلى ترجمته إلى اللغة الاسبانية لكتابين للشيخ محى الدين ابن عربى هما كتاب ( مشاهد الاسرار القدسية ومطالع الانوار الإلهية) وكتاب كشف المعنى عن سر اسماء الله الحسنى) مضينا نتحدث بالغة العربية فعلمت منه انه أصلا من مدينة (مرسيا) حيث ولد الشيخ محي الدين عام 1165م فعهد الخليفة المستنجد بالله وكانت المدينة في ذلك العام محاصرة من قبل الموحدين الذين فتحوها فيما بعد واخضعوها لحكمهم. سألت (بابلو بنيتو) كيف اعتنق الإسلام فأخبرني ان تعمقه في دراسة اللغة العربية والفكر الإسلامي وخاصة فكر الشيخ محيي الدين بن عربي هو الذي هداه إلى الإسلام وقال: (كثيرون في العالم شرقا وغربا.. في اسبانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وهولندا وبلاد إسكندنافيا وأمريكا واليابان وغيرها اهتدوا إلى الإسلام بواسطة الشيخ محيي الدين) أخبرني انه ينتمي إلى جمعية من العلماء والباحثين تسمى (جمعية ابن عربي) مقرها

جامعة أكسفورد وأنها تعقد اجتماعها السنوي في الاسبوع التالي للقائنا في كلية (سانت هيوز) وقال: إذا جئت إلى أكسفورد فسوف تجد عددا من الأكبريين). قلت له ( ما الأكبريون) فأجاب: ( تلاميذ الشيخ الأكبر ابن عربي ومريدوه) .

(2)

شدت الرحال إلى (أكسفورد) وذلك هو التعبير المجازي الذي يقتضيه واقع الحال إذ إننى أعود القهقري إلى ديار الأندلس في القرون الوسطى. ولم يغيب عنى وجه الطرافة، بل الغرابة في تلك الرحلة، كون ذلك المفكر المسلم المحير، الذي لم يزل وضعه قلقا في بلاد الإسلام وقد أقتحم هذا الحصن العلمي العتيد الذي نهض في القرون الوسطى أصلا ليكون قلعة من قلاع اللاهوت المسيحي. حتى المكان كلية (سانت هيوز) يحمل اسم قديس نصراني. إنما لعل ذلك شأن الشيخ الحاتمي الطائي ـ كما يصف نفسه ـ منذ أن قال قولته الشهيرة، التي أزعجت كثيرين، وأسعدت كثيرين: لقد صار قلبيا بلا كل (صورة) سوف أشد رواحل الخيال مرارا خلال اليومين الذين أقضيهما مع (مريديه) أنزل وأرحل مع الشيخ محيالدين بن عربيفي اسفاره الطويلة العجيبة في أقطار الدنيا، وهو إنما يسافر في أقطار نفسه. من مرسية إلى (إشبيلية) ومن محي أشبيلية إلى قرطبة حيث لقى فلته زمانه أبا لوليد ابن رشد. تم اللقاء بطلب من ابن رشد بما سمع عن ابن عربي وكان صديقا لوالده كان ذلك في نحو عام1180 وكان الشيخ محي الدين حينئذ لم يتجاوز خمسة عشر. دخل الصبي على الشيخ الجليل، قاضى قرطبة ومستشار السلطان أبى يعقوب يوسف وطبيبه ـ الرجل الذي وصف بأن أرض الأندلس لم تعرف أحدا مثله في ذكائه وعلمه وحسن خلقه وانه كان الفلسفة والطب، ومثله في الفقه وعلوم اللغة والأدب بحرا عميقا واسعا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق